ليلة غاب فيها القمر

عبد الهادي المهادي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عبد الهادي المهادي

عندما ارتفع صوت المؤذن في مسجد القرية الصغير مُعْلنا مَقْدَمَ وقت صلاة العِشاء، كانت جدتي تستعد لدخول “بِيتْ النار” لأعداد وجبة عَشاء خفيفة، ولكنها تذكرت أن آخر “تْـلْـقِـيـمَـه” من النعناع هي تلك التي أعدّتْ بها شاي ما بعد العصر، لقد نسيتْ عندما ذهبت لتستقي عشيةً من البئر أن تقطف “قَـبْـطَـة” منه من ذلك الحوض الصغير الموجود هناك في “الغرسة دْ البِيرْ”. ولأن أتاي عند الجبليّ لا يمكن أن يُشرب بدون عُشبة؛ سواء كانت نعناعا أو لويزة إن لزم الأمر، أما الشّيبة فلم يكن هذا موسمها، ولأنه أيضا لا يَتَصوَّر طعام عَشاء بدون كأس “مُشَحّرِ” مُنعنع، فقد نادت عليّ وأمرتني، نعم أمرتني وبكل بساطة، أن أذهب عند عمّي لآتي بِعُشَيْبات منه. وعمي هذا يسكن هنااااك، حيث ينبعث ذلك الضوء الباهت وسط الغابة في مكان أسفل الطريق إلى الجزء “الفَوْقي” من قريتنا. وأنا ابن المدينة لمّا يتجاوز عمري العشر سنين.

لا أذكر أنني أبديتُ ترددا أمامها، فلم أشأ أن تعرف أنني لستُ خائفا فقط بل ومرعوبا. والذي زاد الأمر سوءا أنني سأذهبُ بدون شعاع من ضوء، لأن كل “اللّامْبَاتْ” مشغولة. كانت ليلة فاحمة، وليس في السماء سوى نجوم أتذكر أنها كانت البارحة جميلة ولامعة، أما اللحظة فقد تحوّلت سريعا إلى عيون شاهدة على رُعبي.

وفي الحقيقة، ليست كلّ الطريق إلى هناك كانت تخيفني، فقد تَعوّدتُ عليها جرّاء زيارتي المتكررة إلى القرية كل عطلة صيفية، ولكن مَمَرّا صغيرا من خمس خطوات صغيرة يخترق أجمة كثيفة يشقها جدول ماء ناشف على جانبه الأيمن وأنت صاعد شجرة بلوط عظيمة هو ما كان يُوقِفُ شعر رأسي ويقتلع فؤادي، والسبب أني سمعت والدي يحكي يوما أنه التقى هناك، عند ذلك الحجر الذي في الوسط، وبدون أن يطرف له جفن، بجنيّ كامل الأوصاف.

في الطريق، بدأت أدندنُ بأغنية كانت تلك الأيام لا تكاد تفارق شفتي، لا أتذكر منها الآن سوى “الحمامه فْ السطاح”، وكانت إحدى جارات جدتي تتصنّتُ عليّ كلما بدأتُ بغنائها، وعندما حان موعد عودتي إلى المدينة، تضمني بحرارة وبدأت في البكاء وهي تقول بنبرة حزينة ما زال لحنها يرنّ في أذني: “شْـكُـووووون دَبا غَدِي يْـغَـنّ لِي الحمامه ف السطاح”. وأنا أكتب هذه الذكريات، أحسّ بغصة في حلقي ودمعة حارّة في عيني لأنها غادرت عالمنا دون أن تُتاح لي فرصة توديعها.

في الوقت الذي مررتُ فيه بجانب أحد المنازل، بدأت كلابه تنبح عليّ. صَمَتُّ، وسرّعتُ من خطواتي خوفا من أن يخرج أحدها ويعضني؛ فقد سبق وأن فعلها أشرسهم منذ سنتين؛ كنتُ حينها مع جدتي في زيارة لأهل هذا البيت، ولأنني كنتُ كلما رأيت شجرة تين أو كرمة عنب أو عُلّيقَ توت بريّ إلا وتعلّقتُ فيها، فقد توجّهتُ إلى “زَرْبٍ” كان مُثقلا بحبات سوداء لامعة، وما هي سوى لحظات حتى سمعتُ هريرا خلفي، التفتُ سريعا فوجدته قريبا مني، وسرعان ما أطلقتُ ساقي للريح وأنا أصرخ طالبا النجدة، ولكنه لم يتخلّ عن مطاردتي إلا بعد أن تأكّد من غرس أنيابه في ساقي.

جريتُ، وجريت، حتى تأكّدتُ أن لا أحد منها يلاحقني… وها أنا أخيرا أمام “الوحش” مباشرة. بَحْلَقْتُ في الظلام طويلا، لا يمكنني العودة، ولم أفكر في ذلك مطلقا، لأنني إن فعلت ـ أعرف ذلك جيدا ـ سأكون عرضة لمزاح ثقيل، وسيُسجّل ذلك عليّ، ولن يُنسى أبدا، ولا شكّ أنني سأُلَقّبُ حينها بـ”الخُـولَه” (أي الخَوّاف) ليس أمامي إذا سوى المغامرة.

 مُغْمَض العينين خَطَوْتُ نحوه، ثم جريت، وبأقصى ما أملك من صوتٍ صرختُ صرخة طوييييييلة أشجِّع بها نفسي وكأنني أقتحم كتيبة من جيشِ العدوّ، تماما كما كنتُ أشاهد بعض الأبطال يفعلون في فيلم “الرسالة”.

كان قلبي الصغير يدق ويدق لأنني كنتُ أنتظر في أية لحظة أن يخرج من تلك الأجمة كائن شيطاني بقرونه الحادة، ووجهه الفحمي، وعيونه النارية، ويتخطّفني هاربا بي إلى عالم مجهول.

عبرتُ المحنة بنجاح، ووصلتُ إلى الجانب الآخر من الجحيم سالما، ولم أهتم بالالتفات خلفي للتّأكد من أيّ شيء. ودون أن أحس بأي فرح أو سعادة سرتُ في هدوء أسترجع أنفاسي، لأنني كنتُ  أدرك أنه تنتظرني عودة وبنفس الرّعب، فلا طريق آخر هناك يمكن أن أسلكه سوى هذا الصراط.

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق