لو خرجتُ منّي

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قالت لي إن ابنها لن يستطيع أن يخرج. سيبقى هناك مُحاصرا. يبقى أو يموت. يبقى ويموت. لا يبقى ويموت.الحرب تبقى وهو يموت مثل ابنها الأكبر. ما من كلمات تليق ببلاهة الحرب، أو بوقع وجلال الموت، وما من كلمات تسد الفجوات التي ينفذ منها إلينا. أصمت. هي لم تنتظر مني ردا. أتنفس الهواء فوق رأسي بارتياح. تابعت:

-         "هل تعتقدين أني لو ذهبت إليه سأرتاح؟ لو أشم رائحته؟ أذهب إلى قبر ابني الميت أو ابني الذي على وشك الموت؟"

قلت بصوت خفيض ولم أنظر في عينيها بجرأة كافية:

-         "من رحلوا ارتاحوا."

من ارتحلوا ظل جمر النار في قلوبهم. ظلَّت المحبة نزفا ليس يتخثر، ودمعا ليس ينضب.

اقتربت بجسمها من حافة مكتبي أكثر. توسَّل لي صوتها:

         “أذهب هناك فقط إلى بلدي. لو وطأت قدماي أرض بلادي سيرتاح قلبي؛ بل لو خرجتُ فقط من هذه القوقعة الآمنة. أشم وطني في قمصانهم الدامية. إلى متى سأظل آخذ العقاقير النفسية؟ لست بخير. “

أردّ باعتيادية:

         “كل شيء بأوان. ستكونين بخير.”

تتقافز بوادر بهجة في عينيها يخمد أنفاسها اليأس في النهاية، وتسألني:

         “فعلا؟”

أهز رأسي مؤكدة بينما أنظر في قلبي بدلا من عينيها:

         “ستكونين بخير.”

لو خرجتُ مني سألعن الأيام كلها، ومهنتي كطبيبة التي فرضت علي بيع الحكمة التي لا أملكها لمن لا يريدونها. سأقول لك إن الحياة معقدة جداوأضخم من أضخم اعتقاد لدي، وأكبر من إرادتي وكل أمنياتي، وأني حزينة لأن يقيني خُلِقَ من المران والتكرار المهووس بالصلابة. لا تدرين كم أحرق من دمي كي أقول لك ستكونين بخير. كم عصبا مني ينزف توسُّلا بالمجهول الآتي بلا هوادة كي يأتيك رفيقا خفيفا، وبالرحمة المختبئة في حوصلة طائر بعيد، وبالحكمة الإلهية المخفية في بطن الحوت كي أكرر هاتين الكلمتين “ستكونين بخير”. هل أقول لك إني لست بخير أنا الأخرى لأسباب ليست قوية بما يكفي لأجلس أمام طبيب نفسي؟!

أفلتت مني دمعة. لم أشعر بها إلا عندما مسحتُ بَلَلَ اللسعة عن راحة يدي. اندهشتُ مني. الدمعة تعني أني بحاجة إلى إجازة طارئة، وأني لست أهلا لاستقبال المزيد من الدموع لأني صرت هشة مثلهم.. أنني في فريق التعاطف لا المواجدة.. أنني أخطيء. ولو خرجت مني سأقول بأني أريد جدا حد التعب خلع معطفي الأبيض.

كيف أصنع الأمل؟ أطبخه معك؟! هل تأكلين من يدي أنا المتعجرفة القاسية التي أدخل المرضى للعنابر الموحشة رغما عنهم، وأدسُّ الطعام والشراب في أفواههم رغما عنهم؟ أملأ دماءهم بكيمياء العقاقير التي يكرهونها وتقيّد حريّتهم وحركتهم من الداخل بلا قيود. أنا التي تخرس ضحكهم الكثير فتهديهم الحزن، وتخرجهم من الحزن فتهديهم الهدوء الحذر الصموت الدامع.. الطبيبة المحترفة التي أنهيت دموعي منذ زمن أفلتت مني دمعة. كيف انكشفت ذاتي من الداخل هكذا وتعرَّت على مرأى ومسمع ومقربة منها هي/ أصل الألم، ومن الأخصائية النفسية والاجتماعية؛ الفريق الذي أقود؟ اندهشن أيضا وصمتن.

صمتت هي، وسمعت صوت النشيخ يخبو مبتعدا، فتنحنحتُ. هذا دوري. ينبغي أن أدبج إجابة.

         “القرب من الأحبة واجب حتى لو كانوا قبورا، ولكن….”

رمتني عيناها بالدمع. أقدم المحارم الورقية والصمت المقدس كما علموني. هكذا تحترم المشاعر بالصمت! كيف تُحْتَرَمُ المشاعر بالصمت؟!

         “المشكلة ليست في المكان. المشكلة في الطريقة التي تفكرين بها الآن”.

هزَّت رأسها يمنة ويسرة، وصمتت، ثم قالت فجأة:

         “قولي لزوجي اتركها تذهب.”

أعدل قميصي وأرد بصوت أكثر تماسكا وارتياحا بخروجه من المنطقة التي يألفها:

         “أساعدك كي تفكري بصورة أوضح. لا أُملي عليكما شيئا.”

أردت أن أرى زوجها وكل الرجال أزواج النساء المكتئبات لأعاتبهم. كيف تركوهن بلا غطاء، وبلا سواعد حانية؟ثم من أين يأتي الاكتئاب العربي بكل هذه الأنهار الممدودة من الدموع؟ الكينيات يعدن كما ولدن يتبولن ويتبرزن في مطارحهن. كأنهن ينكصن إلى أجنة شائهة. الإثيوبيات يصمتن تماما أو يقتلن أنفسهن والغانيَّات يصرخن ويكسرن الدنيا حولهن، والعربيات يُقِمْن في الدمع، ويتحمَّمن به. الدمع جارح كسكين، فكيف يترك الرجال في بيوتهم كل تلك الأسلحة المُشْرَعة؟أهي الحرب في الشوارع وداخل المنازل؟

طلبت منها أن تنادي رجلها. حاولت أن ألتقط أنفاسي بسرعة وأطفيء رغبتي الغامضة في عتابه. تأتي مهرولة. خطواتها ثقيلة على الأرض رغم تململها الدائم. يجلس قبالتها وعلى يساري. عيناه تعاتبانها بغضب على ما لا أعرف، وما لن يقول. أرى غضبه كجندي صغير لا يملك من أمره شيئا في هذه الحرب التي خطفت ابنهما. غضبه يقلقها ويثيرها. الرجال لا يستطيعون أن يتبنوا الشجن كقضية حياة مثل النساء. كل مشاعرهم بداية من الحب وحتى العجز لها ترجمة واحدة: “الغضب”. الحب الذي لا يرتوي ولا يصل لا يتضاعف أو يتعملق ليكون محيطات من الحب؛ بل يُمسخ لغضب! كل رجل غاضب عاجز بالضرورة. لم يتكلم كثيرا. لا بأس. تعرفين أن الرجال قليلو الكلام في المجمل. لابد أن لك خبرة بهذا الأمر، ولو كنا في موقف أخف وطأة لشكوت لي صمته.الشعراء والروائيون منهم تمثيل حي للطفرات الجينية. أما النساء، فقد وزَّع الله كامل كرمه وإعجازه اللغوي عليهن. على أم كل شاعر ربابة أذابت الشعر في حليب صدرها، وكل امرأة تكتب مذكراتها في غفلة من الجميع، وعلى كل صحفية تكتب ولو قليلا، بل وكل امرأة تمشي في الشارع تحدث نفسها، وكل بيَّاعة تنادي على بضاعتها بأغنية في السوق. نساؤنا ثرثارات وصوتهن عال. لذلك تكلمي. تكلمي كثيرا لأني أسمعك ولأني أحب الكلام ككل النساء.

انحصر الحوار معه في أن المنطق يُملي عليهما البقاء هنا. وأن “هناك” الذي تريده زوجته ليس آمنا. “هناك” حرب. كررها وكأننا لم نسمعها، وإن سمعناها لا نعرفها. الأمان إذن هو صلب الحديث. اقبليبه على هذه الصورة كابنك حين تتسخ ملابسه في الملعب، أو كأبيك المنهك العائد من عمل طويل في منجم بعيد. اقبلي بما يعرضه عليك من أمن. الأمن عملة الرجل في هذه الحياة يشتري بها ويبيع. يمنحها ويسلبها. الرجل رجل بقدر ثروته من عملة الأمن ومقتنياته من الطمأنينة وميراثه من مقوماته. يخرج أمامي منكس الرأس مخذول الخطوة، فانتقل بعيني إلى عينيها. تباغتني:

         “صدري ضيق كثقب إبرة وأود لو خرجتُ من بيتي من هذا المكان من جلدي من نفسي مني من ثيابي من ذاكرتي من حساسيتي!”

         “ماذا أيضا؟”

تكلمي لكن دعيني – ببلاهة – أعتقد أن لدي بصيرة وجمهورا يسمعني، ويصفق. تكلمي بلا دموع أو صوت متهدج. ثقي تماما بأني لو خرجتُ مني سآخذك معي.

         “الماضي دموع ودم والحاضر مجرد قنطرة لمستقبل معتم. الآن لا شيء. أنا صفر.”

         “أنت كل شيء. انهضي لأنه على قدر يأسك تأتي الهزائم. السقوط يثير شهية الذئاب.”

         ابني مات.

أسألها، وأنار مصباح في عقلي:

         “هل تضنِّين به على خالقه الذي طلبه؟”

كانت لكمة أخرست صوت تساؤلها. أخذت تفكر قليلا، وارتحت أنا متصورة أن معرفتي المفاجئة بالتراث المصري قد أسعفتني. عبقرية المخيلة الشعبية تلكم السؤال وتطرحه أرضا بالضربة القاضية. أستدعي باقي موروثاتي منه. الموت أصلا مصري والحداد الأسود الطويل و”العديد” في أفواه الندَّابات النائحات، والبكائيات الدامعة السرمدية، والألحان الجنائزية، وبناء المقابر العظيمة لتخليد الموت والموتى! لا تنظري إلي هكذا كأني بعيدة وأنظر إليك من علٍ. أنا أفهم الموت والله.

اطمأننت لعدم إفلات دفة القيادة مني. فهل اطمأنت هي؟

         “لا آكل ولا أنام.”

         ستأكلين.. ستنامين.

وهل تنام عاشقة خطف الموت عشقها؟ هل تنام أم وفي قلبها كل هذا الدمع؟ماذا سأفعل؟ أقدم العقاقير. سأدفع بالكيمياء للذروة. أرفع جرعات العقاقير إلى حدودها القصوى. أزيدها كلها دفعة واحدة في باقة نارية من الأمل الكيميائي. ستنامين قطعا ربما أكثر من اللازم. سأطمس أحلامك كما أطمس كوابيسك. ستأكلين حتى التخمة. عما قليل ستطلبين مني أن أوقف هذه الشهية الجبارة حين تتفتق ملابسك عن جسدك. هذا أعرفه مثلما أعرف شكل أصابعي. ستأكلين وتنامين جيدا جدا؛ لكنك – ربما – لن تفرحي كما فرحت من قبل. الأقراص لاتهزم الدبابات. ليست دروعا واقية من الرصاص، ولا تغير أفكار الجنرالات.. لا ترد يد القضاء ومشيئة القدر عمن رحلوا وإنما تسبغ شيئا من اللطف فيه.

– هذه أقراص اللُّطف!

أقول باسمة لأول مرة منذ جلست أمامي محاولة أن أجعل كل شيء عاديا وخفيفا لأني أخاف أنا الأخرى. خلف هذا القناع شخص يخشى الفشل معك ويود لو طمأن نفسه بنفسه.

اندهشت أو لم تسمعني جيدا، فسألتني:

         اللُّطف؟!

ماذا أقول؟ اسمحي لي بجرعة صغيرة من الخيال عساها تنفعنا. من فضلك، سمِّها أحزانا ودعي الأحزان تمر. تتضوع في الهواء كعطر لم نبلل به أجسادنا ولا نحب رائحته. دعيها تختلط بماء المطر وبقع الملابس وتجري إلى المصارف والبالوعات. كوِّري الأحزان في قبضتك والقها أرضا، وادهسيها بقدميك ولا تسأليني كيف. ما من كتاب أجاب عن هذا السؤال. امسحيها في الأقراص وتناوليها مع كوب كبير من الماء بعد الفطور وبعد العشاء.

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق