لوْ لمْ يكُنْ

محمد هشام
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

محمد هشام

الساعةُ الخامسةُ.. الشمسُ تتأهبُ للرحيلِ بقسوتِها اللافحةِ مُفسحةً الطريقَ لنسمةٍ تتسلَّلُ هادئةً وتشيعُ جواً من السكينةِ، ولظلالٍ تتسعُ شيئاً فشيئاً حتى تعمَّ الكونَ.

هذا وقتُ الشايِ الذي لا ينازُعهُ فيه أحدٌ ولا يستحقُّهُ سواه.

فالشايُ طفلُ السكينةِ المُشتهاةِ بعد عناءٍ، وهو الدليلُ على جدارتِها باسمِها وبكل ما يشي به من أسماءٍ وصفاتٍ: السكنُ.. والسكونُ.. والساكنُ.. والمسكونُ.

والشايُ تحيةُ الأرضِ، بمائِها وشجرِها، للمُتعَبين: طِبتمْ فادخلوا آمنين في لحظتي، هنيئاً لكم وهنيئاً لي.

والشايُ استغاثةُ الغريبِ بالغريبِ، حين تعيدُ الطرقُ المرواغةُ مرةً بعد مرةٍ تذكيرَهما، دون رأفةٍ، بأن لا نهاية في الأفقِ لهذه الغُربة.  

والشايُ ملاذُ اللاهثِ وراءَ ما لا سبيلَ إلى إدراكِه ولا قدرةَ على ترْكهِ، حُلماً كان أو حُباً أو حُسناً أو حَنيناً.    

والشايُ سرُّ الخامسة.

ماذا يبقى لها وفيها، لوْ لمْ يكُنْ حاضراً، سوى سأَمِ ما بين الظهيرةِ والغروبِ؟

ربما راودَ السؤالُ أميرةً في بلادٍ باردةٍ رتيبةٍ قبلَ سنين، عندما استبدَّ بها السأَمُ من ذلك السأَمِ، فطابَ لها، حسبما تقولُ الحكايةُ، أن تكرِّس الساعةَ الخامسةَ، نقيةً لا شائبةَ فيها، لطقسِ الشاي. وربما راودَ من بعدِها ملكةً في البلادِ الباردةِ الرتيبةِ أيضاً، وهي تصوغُ أنساقاً ثابتةً لكلِّ تفاصيلِ الحياةِ، فراحتْ تُزيِّنُ الطقسَ بزينتِها ليصيرَ راسخاً للصفوة أولاً، ثم لمنْ دونهم بعد حينٍ، دون أن يَستَتِرَ التباينُ بين هؤلاءِ وهؤلاءِ في الاحتفالِ بالشاي والاحتفاءِ بلحظتِه. وربما جاءَ الأمرُ مع هاتيْنِ السيدتيْنِ مصادفةً لا أكثر، ورأتْ الحكايةُ أن تُضفي معنىً ما على حدثٍ عارضٍ لا معنى له. وربما بدأ اقترانُ الشاي بتلك اللحظةِ في مكانٍ ما بعيداً عنهما: في فراغِ زارعٍ أو في فضاءِ شاعرٍ أو في فضولِ عاشقةٍ، وضلَّتْ الحكايةُ طريقَها إليهم أو غضَّت الطرفَ عامدةً عنهم، لأن حُدودَها لا تكفي لكي تحكي حِكايتَهم.

ربما.. لكن الشايَ نفسَهُ، وأياً ما تكونُ التباساتُ البدايةِ، يظلُّ مشدوداً إلى لحظةِ ولادتِه بكلِّ صِفاتِها وصَفائِها.

وللشاي أوقاتٌ أخرى أثيرةٌ؛ يحضرُ هو بكاملِ بهائِه وتحضرُ هي بكاملِ وهجِها: عند مفتتحِ النهارِ، وقُربَ انتصافِ الليلِ، بل وفي كلِّ لحظةٍ تفلتُ من أسْرِ الضجيجِ.

لا يكونُ الشايُ شاياً كما يشاءُ عندما يُعطى أو يُرتجى على عجلٍ وسط الصخبِ، أو عندما يُزجُّ به، دونَ اكتراثٍ، مُهَاناً أسيراً مُهمَلاً حَسيراً في لفائفَ تتدلَّي من خيوطٍ أو في أكوابٍ تُعدُّ عن عمْدٍ ليُزجَّ بها لاحقاً، دونَ اكتراثٍ أيضاً، بين مخلَّفاتِ الصاخبين.

ولا يكونُ الشايُ شاياً كما يشاءُ عندما يُساقُ على مَضضٍ، كواجبٍ أو عادةٍ، بين أيدٍ عابسةٍ أو عابثةٍ أو عازفةٍ عن عُرى البهجةِ وأعرافِها.

ولا يكون الشايُ شاياً كما يشاءُ عندما يفترقُ عن طقوسِه.

وهاهي الساعة الخامسة، وها هو المُريدُ يُهيِّئُ نفسَه في شغفٍ لطقوسِ اللقاءٍ مع أوراق شاي فريدٍ، انتقتُه في رقةٍ يدانِ لا يعرفهما، ولكنَّه يعرفُ عن يقينٍ أنَّهما يدانِ حانيتانِ حاميتانِ حالمتانِ. وكيفَ لا تكونانِ ولولاهما ما كانَ لهذا اللقاءِ أنْ يكونَ.

أي طقوسٍ تليقُ بهذا اللقاءِ؟

يفكِّرُ كثيراً، ثم يتركُ نفسَه لإيقاعِ اللحظةِ:

يتناولُ كُوباً جديداً لم تمسسهُ يدٌ من قبل، ويضعُ فيه وُريقاتِ الشايِ الملتفَّة، ويصبُّ فوقَها الماءَ الساخنَ برفقٍ، وكأنه يُداعبُها أو يُدلِّلها، فتنبسط من جديدٍ أوراقاً نضرةً تُبيح سرائرَ سِحرِها.

يختارُ جَلستَه في مكانٍ يُطلُّ على خُضرةٍ متراميةٍ لا يُشبهُ بعضُها بعضاً. من أينَ للأخضرِ هذا الثراء الذي لا ينتهي من أطيافٍ تنتمي كُلُّها إليه دون أن يفقدَ أيٌ منها فرادَتَه؟

يرشفُ شايَه على مهلٍ، فهو لا يريدُ له أن يفرغَ من بين يديْهِ ولا من فمِه، ولا يريدُ لنفسِه أن يبرأَ من هذا الشغفِ.

مع كلِّ رشفةٍ تنسابُ أمامَ عينيهِ لحظاتٌ فرَّت منه أو فرَّ منها. لم يجدْ نفسَه يوماً في حاجةٍ لأن يتذكَّر أياً منها، فهي حاضرةٌ لم تبرحْ مقَامَها في دروبِ رُوحِه، وهو يحرسُها بدأبٍ يوماً بعد يومٍ وعاماً بعد عامٍ، مثلما تحرسُ اليمامةُ، التي بعْثَرتْ الرياحُ عُشَّها، حبَّةَ القمحِ الأخيرةِ.

لكنَّها تأتي الآنَ متواترةً متآلفةً، تُربِّتُ عليه تارةً وتؤنِّبُه بالحنينِ تارةً، وتنثرُ بين هذا وذاكَ عِطراً يفيضُ عن ضفافِ العِطرِ.

ربما تُغريها لحظةُ الشايِ بهذا الحضورِ الآسرِ، وربما هي مأثرةٌ من مآثرِ الشايِ تتجلَّى مجدَّداً.

ربما.. فمع الشايِ، ومن أجلِ الشايِ وحدهُ، يطرحُ الأمسُ واليومُ والغدُ نِصالَهم ونِزالَهم، ويأتونَ في آنٍ معاً مُهروِلين مُهلِّلين على جناحِ الحكايةِ.  

تستطيعُ القهوةُ، مثلاً، أنْ تزهو برائحةٍ تختصرُ المسافاتِ وتفتحُ مسامَ النهارِ، وبدُكنةٍ تخبِّئُ حكمةً معتَّقةً من أمسٍ بعيدٍ، وبثُمالةٍ تنبئُ عما سيكونُ في غدٍ. لكنها لا تستطيعُ، حتى في أوجِ زهْوِها، أن تنجو بنفسِها أو بنديمِها من شجنٍ غامضٍ يستيقظُ بغتةً وينسابُ، رشفةً رشفةً، ثم يسكنُ في العيونِ وفي الشفاهِ.

وحدهُ الشايُ، لا يُوقظُ جُرحاً ولا يُريقُ دمعاً، ولكنه يُورفُ حكاياتٍ وضحكاتٍ تُهوِّنُ وطأةَ النهارِ أو تُعينُ على هدْأَةِ الليلِ، بينما ينتشي بها وهو يُنصتُ في صمتٍ حيناً ويتمايلُ على وقْعِها حِيناً، ويُضفي عليها في كلِّ حِينٍ بريقاً رائقاً من لوْنِه المتأرجحِ بين الكَهرمانِ والأُرجوانِ.

كم حكايةً سرتْ من حولِه، وهو ينصتُ لفلاحينَ يتحلَّقونَ في أولِّ الليلِ حولَ إنائِه المسْتأنِسِ بجمرِ الحطبِ ويتسامرونَ لينصرفَ عن عيونِهم الوَسنُ وهم يحرسونَ سنابلَهم، أو لصيادينَ يلتمسونَ منه الدفءَ في مطلعِ الفجرِ وهم يرمونَ للبحرِ شباكَهم ودُعَاءَهم لعلَّهُم يُردَّون إلى برِّهِم سالِمين وغانِمين، أو لمحاربينَ يلوذونَ به وبتَرْنيمةٍ أو تَرْويحةٍ وهم يرومونَ فرحاً صغيراً في الحيِّزِ الضئيلِ بين رصاصتيْن؟

 

حكاياتٌ.. حكاياتٌ.

والشايُ عُرسُ الحِكايةِ.

كيفَ لها، لوْ لمْ يكُنْ حاضراً، أن تبقى مُعبَّقةً برائحةِ رُواتِها ورحيقِ أوانِها حتى بعدَ أن يتوارى الرُواةُ عن المكانِ ويحلَّ أوانٌ محلَّ أوانٍ؟

 

2022 مايو 21

مقالات من نفس القسم