لوحة الرسم

فن تشكيلي
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

د. محمد مصطفى الخياط

أكثر من نصف ساعة وأنا أبحث عن زبون. من شارع مصطفى النحاس إلى مكرم عبيد، ومنه إلى عباس العقاد مرورًا بشارع الفريق على عامر. زحام خانق. ما نحرقه من بنزين فى الزحام يفوق ما نستخدمه لتوصيل الزبائن.

عن بعد لمحت سيدة تقف على الرصيف، يبدوا أنها تبحث عن تاكسي، تقبض بيمناها على لوحة كبيرة مغلفة بورق بنى فاتح. من حين لآخر ترد بيسراها عناد شعر كستنائي أنيقٍ مشاكس لا ينفك يراوغها وينسدل على عينيها. بزهو غَلَفَ البلوفر الأحمر تضاريسها مراعيًا سلاسة المنحنيات بأمانة يُحسد عليها.

أبطأت سرعتي واقتربت ناظرًا نحوها، قربت رأسها من الشباك وقالت “جاردن سيتى لو سمحت”، أومأت موافقًا، وحمدت الله في سري أن مَنَ علىّ بمشوار يعوض تعب اليوم. رفعت نصفى الأعلى ومددت ذراعي الأيمن لآخر مدى وفتحت الباب الخلفي. بميل أدخلت لوحتها ووضعتها على الكنبة الخلفية فشغلت المساحة الخالية. ألقت تحية المساء وقبل أن تجلس على المقعد الأمامي غزل عطرها شرنقة حولها.

قطعنا طريق النصر، يُسرع بنا الطريق حينا، ويبطئ حينا آخر، ما ان تجاوزنا العباسية بقليل حتى أعاقنا زحام ممل، رن هاتفها بإيقاع موسيقى فيلم زوربا اليوناني.

(أهلا يا افندم.. أنا في الطريق.. مممم.. معقولة.. أوكى.. أوكى.. باى)، انكسرت نبرة صوتها وهي تختم مكالمتها، ألقت هاتفها دون اكتراث فى حقيبة يدها. تنهدت والتفتت نحو لوحتها الساكنة كطفلة وديعة، مسحتها بكف أم حنون. استدارت وزفرت، (أستأذنك، نرجع تاني !!)، خرجت كلماتها مبللة بالأسى. نظرت نحوها مندهشا، فأردفت بإحباط (آسفة).

(تحت أمرك. مضطرين نكمل حتى مَنْزَل رمسيس وبعدها نلف من أي شارع جانبي)، عَقَبْتُ بصوت محايد، (مش دي الحاجة الوحيدة اللى مضطرين ليها.. حياتنا كلها اضطرار)، قالت بسخرية واستأذَنَت فى تدخين سيجارة.

سحبَت نفساً عميقاً ثم نفثت دخانه فى بطء فخرج مغموسًا بماء الحزن. ألقت رأسها للخلف فطرحت الشمس على وجهها غلالة صفراء، بدت أشبه برأس تمثال نحاسي لإحدى ربات الجمال رغم ما شابها من إحباط. يا إلهى، يلح علىّ شعور أننا التقينا من قبل. كَحَتُ ذاكرتي دون جدوى.

فى العادة لا أتحدث مع الزبائن، ومع هذا وجدتني فجأة – كمن يلقي بنفسه في البحر- أقول “واضح ان التليفون ضايق حضرتك”، ثم أردفت مسرعًا، “آسف على التدخل”، أجابت وما زالت على هيئتها،

  • أبداً، ما فيش أسف
  • يا رب أقدر أساعد حضرتك
  • شكراً لذوقك
  • اعتقد ان حضرتك فنانة .. رسامة .. صح
  • صحيح (قالت وقد غشا وجهها ابتسامة سخرية خفيفة، ثم أردفت)، واضح إن حضرتك عندك خبرة في معرفة الزبائن؟

نظرت نحوها متشجعًا وعقبت،

  • شغلنا طول اليوم لف بالتاكسي والنظر في وشوش الناس، على الأقل نفرق بين مين منتظر تاكسي ومين لأ
  • الجميل في شغلك ان زبائنك في كل شارع وتقدر تختار منهم !!

أجبت مبتسمًا

  • يا ريت… أيام كثيرة أمشى فاضي… وكأن الناس انقرضت..

اكتفت بالابتسام وهز رأسها موافقة، فاستطردتُ متشجعًا

  • الدنيا أخد وعطا
  • صحيح … لكن العطا قليل قوى
  • ربنا كريم … ما بينسى حد
  • حقيقي … إن شاء الله خير

اقتربنا من منزل الكوبرى فانحرفت قاصدًا اتجاه التحرير وعند أول شارع جانبي درت بالسيارة للخلف، شجعتنيٍ ردود فعلها على الاستطراد،

  • اعتقد حضرتك كنت قاصدة شغل
  • نعم .. بس ما فيش نصيب
  • ربنا عمره ما يكسف مخلوق
  • حضرتك متفائل زيادة عن اللزوم
  • أبدًا، أنا مثلاً، كثير أمشى فاضي، وبعدين زبون مشواره قصير، وبعدها فاضي، لكن عمرى ما روحت زعلان. أقول في نفسى، الحمد لله، ربنا وسع على زمايلي الليلة وإن شاء الله يوسع عليّ بكره، وييجى بكره وربنا يعوض… سبحانه!!

عقبت ضاحكة

  • طيب أقول إيه أنا. فيه زبون طلب اللوحة وكنت رايحة بيها، واتصل يعتذر، قال إنه مشغول ومش ها يقدر يستلمها النهارده، بخبرتي أعرف إنه اعتذار مش تأجيل، وإذا اتصلت عليه بكره زي ما طلب مش ها يرد، وإذا رد ها يعتذر بسبب ثاني وثالث
  • لسه نصيبها ما جاش. إن شاء الله تبيعيها وبسعر أعلى. بتضحكي من كلامي. بكره تقولي والله وصدق عبده التاكسجي

قالت وهي تبتسم،

  • إن شاء الله … كلك ذوق

كنا قد أصبحنا فى العباسية، صعدت الكوبرى وانحدرت يساراً فى اتجاه صلاح سالم، طالعتنا على اليسار عمـارات العبور، تتجاور تحتها الصيدليات، ومحال الأزياء، والتحف. أعدت الكَرَة مجددًا، شجعني تبسطها في الحديث على مصارحتها بهواجسي

  • على فكرة، وش حضرتك مش غريب عليا… عندي إحساس إننا اتقابلنا قبل كده، ومش في توصيله
  • تصور، نفس الإحساس عندي، مش عارفة ليه

التفتت نحوى باستفهام زاد وجهها المبتسم جمالاً، كانت ذقنها الملساء كالخوخ المبطط مضرجة بالحمرة، وعندما وقعت عيني على الشامة أسفل أذنها اليمني مباشرة، فتحت عيناي مشدوهًا، كانت في حجم الحمصة ولون حب العزيز، سمراء مشربة بصفرة لطيفة، وقلت بصوت أقرب لصرخة

  • حضرتك عايدة نصر، قصدي مدام عايدة نصر

قالت بهدوء وثقة وهي تغمض عينيها

  • أيوه

ضيقت عينيها محاولة التذكر، فأردفت متعجلاً وعيناي تراوحان بين صفحة وجهها البهي والطريق

  • عبد الله الراوي.. 30 شارع عين شمس.. مدرسة الناصرية الابتدائية.. (ثم مقلدًا غناء ليلي نظمي) نونو يا نونو.. لا لا نونو بتعيط ليه؟.. انت كتكوته ولا بطوطة ولا اسمك إيه..

فتحت عينيها مشدوهة وقالت،

  • معقولة !!!… اتغيرت كثير، ما عرفتك

أجبت متلعثمًا،

  • وانتِ كمان، قصدى حضرتك كمان
  • ما فيش تكليف..
  • ….
  • ياااه عمر طويل
  • إشي ثلاثين سنة

أمسكت سيجارتها بإصبعيها الطويلين المبرومين، ثم هزت رأسها بشيء من أسي ممزوج بفرح وقالت

  • صحيح.. عمر طويل
  • …………..

لم نكن قد تخطينا العاشرة بعد، عايدة ابنة الأستاذ كامل نصر، الموظف بالتأمينات، مثال الانضباط والالتزام والوقار، زوج أبلة كوثر، المُدرسة الهادئة. كانت شقتهم بالدور الرابع وشقتنا بالأول. رغم بساطتهم، كنا نشعر أنهم مختلفون. بيتهم أكثر تنظيمًا وأناقة وتدخله الجرائد مع عودة الأستاذ كامل من العمل عصر كل يوم، وتخرج منه إلى باقي الشقق في أيام التنظيف والمناسبات. ترسل الأمهات أولادهن لأبلة كوثر لطلب بعض الجرائد القديمة لزوم تلميع الموبيليا أو فرش دولاب المطبخ وربما عزومة كيبرة.

تعلمت عايدة وأختها نجوى في مدارس أجنبية، فشاب نطقهم لكنة طريفة ترن في آذاننا ونحن نلعب معًا في حوش السلم مع أختي وأولاد الجيران. كم كان رسم عايدة جميلاً، على الحيطان بالطباشير الملون، وفي كراسات الرسم بألوان الزيت. مؤكد أن اللوحة الجاثمة في المقعد الخلفي رائعة أيضًا.

لم تطل إقامتهم بيننا، استيقظنا ذات صباح ووالدتها تطرق شراعة باب شقتنا، سلمت على أمي وتواعدتا على التواصل، مددت رأسي من بين ضلفة الباب وساق أمي، مسحت بسطة السلم بعيوني، كانت خالية إلا من أمها وحقيبة سفر متوسطة الحجم، قبلتني بعد ما قبلت أمي ومضت تتلاحق بينهما السلامات والدعوات وصمتي الذاهل.

تسللت خلفها، وهبطت السلم بالبيجامة وآثار النوم لم تفارقني بعد، وأمام عربة نقل الموبيليا كان والدها يجلس في تاكسي على الكرسي الأمامي، أنيقًا كعادته، وخلفه كانتا عايدة وأختها بملابسهما الرقيقة الطفولية الزاهية وتسريحة شعرهما القصير والتوكة البنفسجية ينتظران قدوم أمهما.

التقت أعيننا، لوحت بخجل نحوهما، ابتسمت وأشارت نحوى فمضيت إليها أتعثر في بنطلون البيجامة الواسع والخجل، سَحَبَتْ كراسة الرسم وقلبت أوراقها حتى توقفت عند لوحة بعينها ونزعتها ومدت ذراعها النحيفة ممسكة بها بين أصابعها الطويلة الرفيعة كأعواد الفاصوليا الخضراء وقالت (اتفضل.. الرسمة اللي بتحبها)، مددت يدي وأخذتها صامتًا وعيناي مغروستان في وجهها، قطع والدها الصمت وقال (سلم لي على بابا..)، ثم أردف (يا للا يا أسطي..).

عدت إلى أمي بفراغ في صدري، إحساس طفل فقد لعبته فجأة دونما سبب. جرجرت قدماي وورقة الرسم تتدلي بين أصابعي حتى دخلت شقتنا، وقفت أمام أمي أتسول إجابتها، هل سنرى عايدة ونجوى مرة أخرى؟، ومن خلف تنهيدة وحسرة أجابت بصوت كله يأس، “إن شاء الله”. طويت ورقة الرسم وحفظتها.

عدت من الذكريات على صوت خلاخيل ضحكتها معقبة على بعض الذكريات، انسابت الطفولة طازجة بريئة كأنها الأمس. راحت تحكي كعصفور قلق ينقر من كل إناء حبة أو حبتين ثم يجري لغيره، بدت حريصة أن تحكي قدر استطاعتها. حدثتها عن شهادتي المتوسطة، وعملي الصباحي في التأمينات وبعد الظهر على التاكسي.. ثم.. ثم بترت محطة الوصول حديثنا.

حاولت إثنائها عن دفع الأجرة، رددت يدها الطرية الناعمة كالإسفنج، استحلفتها، لكنها أصرت في حزم، خفضت بصري مستسلمًا، ومضت تحمل لوحتها وتشيعها نظراتي.

وشردت لبعيد، بعيد جدًا حتى أعادني صوت نفير السيارة خلفي للواقع. كانت نقودها لا تزال مطوية في يدي، أخرجت حافظة نقودي الجلدية الكالحة ودسست الأجرة، ثم دسست إبهامي والسبابة وسحبت ورقة رسم صفراء -انطبع أثر الزمن على طياتها، ساويتها بيدي محاولاً فردها على المقود، تطلعت للرسم الباهت على سطحها؛ شجرة برتقال مثقلة بالثمر وطفلة بفستان قصير بلون السماء تمد ذراعها القصيرة عساها تقطف واحدة والشمس تعاند عينيها المكسورتين، فيما كُتب أسفل الورقة وبخط طفولي (عايدة نصر – مدرسة نوتردام ديزابوتر – 1989).

 

مقالات من نفس القسم