لهذا أيضا أنا أحب الأبلة إيمان

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

شريف سمير

ذبابة.. ذبابة في أنفي، تدفع نفسها صعودا، ذبابتان أمام عيني، ذباب عديد، هش الذباب يتطلب يدا ويداي تتشبثان برأس أمي ، تزحزحان طرحتها، بينما تتدلى ساقاي علي صدرها وظهرها كأنهما تلفيحة أبي. لم تعد تحملني بين يديها كما كانت تفعل في السابق، صرت أثقل من أن تتحملني ذراعاها، تحملني علي كتفها الذي يؤلم مؤخرتي، تسند ظهري بيد و تحمل حقيبتي المدرسية باليد الأخري، وتضرب بقدميها الأرض باعثة هبات من الغبار الندي ذي الرائحة الأليفة الخانقة، أري جبهتها تنتج العرق مع ما في جو الصباح الباكر من برودة، أراها تبتسم من تحت أنفها أم أنها تكشر ألما؟ تقول : الشنطة تقيلة قوي ياحمد، فيها ايه؟ فأتذكر الكراسة الجديدة فأقول بمجهود أستجمع له العون من كل جسدي، مجهود تهتز له رأسي ، وتلتوي ذراعاي فتضطر أمي إلى إسناد ظهري بحرص أكبر: ألاسة تديدة ببـ بس، واحدة بس.

تركني العيال وحدي في الفصل و خرجوا جريا إلي حجرة الحاسب يتسابقون بسيقانهم الصلبة، أنا لا أحب السيقان الصلبة، أحب السيقان الطرية، سيقان او سوق الكلمتان صح جمع ساق كما قالت الأبلة إيمان، أنا أحب الأبلة إيمان كثيرا خاصة عندما تحملني بين ذراعيها ، رائحتها حلوة، لا كرائحة أمي، ليست حلوة كرائحة الصابونة، أحلي، وليست كرائحة المدينة المنورة التي يضعها أبي حين يشد البردعة علي الحمار و يأخذني أمامه أحيانا. عاد بعض الأولاد مندفعين متصايحين و حملوني فيما بينهم من ذراعي وساقي، خامس حمل حقيبتي، في هذا الوضع بان سقف الفصل أمام عيني، ثم سقف الطرقة ثم السماء، أري جذوع زملائي تتمايل حولي كعيدان الذرة، أري وجوههم تصحبني عبر السحب والنور المبهر، أعجبني ذلك ولم أكن أريد لهذا الوضع أن ينتهي، وسمعت أحدهم يقول ضاحكا: أحمد المحمول بتاع الفصل، أعجبني ذلك جدا.

كانت الأبلة إيمان تصر علي أن أقرأ عندما يحين دوري في حصة القراءة، ولقد كنت أحاول جهدي أن أقرأ من أجلها فتخرج الكلمات من فمي حروفا متناثرة ، كما أن رقبتي تلتوي غصبا عني فتأخذ عيني بعيدا عن الكتاب، لكنها ذات مرة جلست بجواري و طلبت مني أن أقرأ قراءة صامتة، قالت : يعني تقفل بقك، و تقرا بعنيك، أنا مش عايزة أسمعك ، عقلك هو اللي هيسمعك. لهذا أيضا أنا أحب الأبلة إيمان.

كنت أقرأ، حين سمعت أحدهم يصرخ في التليفزيون، نظرت فرأيت رجلا بلحية هائلة يخبط يديه علي المكتب أمامه صارخا: المرأة محمولة على أقربائها، أعجبني ذلك، أتمني أن أقابل هذه المرأة المحمولة مثلما أنني أحمد المحمول، بل الأحلي أتمني لو كانت الأبلة إيمان هي المحمولة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

قاص مصري

 

خاص كتابة

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق