لست سفاحًا

لست سفاحًا
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

نيران الطرابلسي

بدا العالم في الخارج غير مبال بما يحدث معي، حتى أني سمعت زقزقة العصافير، ومواء القطط في الشارع، دوي محركات السيارات، صراخ الباعة المتجولون، خطوات المارة..  لكن كلّ ذلك لا يهم، لا يعني شيئا بالنسبة لي، تماما مثلما لا أعني شيئا لهم، كنت في غرفة نومي ممدّدا في سريري، عاريا تماما من ثيابي، ومن كلّ شي.. قادما من سنوات خمس، لم أعرف خلالها سوى النوم والأكل واللعب بالكرة أمام البيت.. في هذه الغرفة التي لا يبالي أحد بما سيحدث فيها صرت أعرف الكثير، بعد قليل سأصير رجلا، يمكنه أن يدخل الجنّة..

أمي لماذا لا يمكننا أن ندخل الجنّة بأيور غير مختونة؟ 

 

-لن يدخل الجنّة إلا الذين يفعلون ما أمرنا اللّه به..

-هل لله إير مختون؟

-لا تسأل مثل هذه الأسئلة وإلا صفعتك..

-لماذا؟

-لأنّ لا أجوبة لها.. ولأن اللّه سيغضب، هناك أشياء كثيرة غيبيّة يجب أن لا نتورط فيها..

-هل يصرخ اللّه حين يغضب مثل أبي، يكسر كلّ شيء، يضرب زوجته ويحتجز أطفاله؟

-اصمت وإلا قطعنا لسانك بدل إيرك..

أغمضت عينيّ وتركت الطبيب يفعل بي ما يشاء، كان الأمر مؤلما جدا وأنت تشعر بالمقص يقترب من ذكرك، ويقوم بقطع جلدك، فكرت أنه لن يكون هناك شيء أسوء، عليّ تجاوزه، وأن هذا هو آخر ألم أشعر به، وأن غدا حين أصحو في الصباح بذكر مختون، وبصفة رجل، سأنسى كلّ هذا وأقترب أكثر من الجنّة ومن اللّه وأطفاله، سألعب مع أطفاله، سأعلّمهم كيف يرمون الكرة عاليا، وكيف يركضون ويتجنبون الوقوع على مؤخراتهم، فتحت عينيّ لم يكن هناك أحد غيري في الغرفة، وصلني غناءهم وصراخ فرحهم من الغرفة الأخرى، الجميع سعداء بدخولي عالم الرجال، لا أعرف إن كنت سعيدا أم لا، كنت أشعر بحاجة ملحة للتبول، ونسيت أن أسأل أمي إن كانوا في الجنّة يتبولون أم لا.. لم تكن لدي فكرة واضحة على الجنّة، كلّ ما أعرفه أنه علينا أن نفعل كلّ ما يقوله الله وننفذ كلّ أوامره كي ندخلها، وأنها المكان الذي يمكنك أن تحصل فيه على كلّ الأشياء التي ترغب فيها، كلّما أردت شيئا يركض إليك، حتى تخيلت أن للحلوى سيقان، ول”الآيس كريم” عينان، هي مكان بعيد جدا عن هنا. بعد عدة أيام غادرت سريري، صرت أستطيع اللعب والركض، بدأ الألم يزول تدريجيّا، وفي أحد الأيام بينما كنت ألعب الكرة مع أولاد الجيران في البطحاء، داهم ملعبنا كلب نحيل جدا، توقفنا عن اللعب وبقينا ننظر إليه وننتظر مروره لنواصل اللعب.. صرخ أحدنا في وجهه:

-هيا ابتعد ودعنا ننهي المباراة أيّها الكلب الحقير ..

قلت دون ان افكر:

– لا تصرخ في وجهه، يكفيه أنه لن يدخل الجنة، من المؤسف جدا أن الكلاب لن تصير رجالا أبدا، كما أنها لن تدخل الجنّة..

-جميعنا سندخل الجنّة، الجنّة تسعنا جميعا، وليس مهما أن تصير رجلا أم لا المهم أن تكون طيّبا، أمي ليست رجل وستدخل الجنة..

-هل قاموا بختان أمك؟.

-ربما، لا أعرف..

-لا يدخل الجنة سوى الذين تم ختانهم.

-لا أريد دخولها إذا، لا أريد أن أختن..

-ما رأيكم أن نقوم بختان الكلب، تعالوا نبحث عن مقص..

منذ ذلك الحين أصبحت أختن كلّ شيء، كلما أحببت شيئا ختنته، لم يسلم مني أحد، حتى القطط، أردت بشدة أن أخذ معي كلّ الأشياء التي أحبها إلى الجنّة..

-سيدي، سيدي هل مازلت تظنّ أني سفاح؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاعرة وقاصّة من تونس

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق