لا تطفيء الشمس .. والغوص في أعماق النفس البشرية

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام
نورا ناجي الأزمة التي تواجه أدب إحسان عبد القدوس دائماً وتضعه عادة في مصاف الأدب الشعبي أو أدب المراهقين أو الأدب الخفيف الذي تقل أهميته في نظر المثقفين عن أدب كتاب آخرين مثل نجيب محفوظ أو يوسف إدريس مثلاً، هو كونه يتحدث وبشكل خاص عن العلاقات الإنسانية ولا شيء سواها، إحسان عبد القدوس لا يشغل باله كثيراً بالمشاكل المادية أو الوجودية أو الأمور العميقة والرمزية التي يمكن أن نجدها وبوفرة في أدب محفوظ، الرجل مخلص لفكرة أساسية وهي النفس البشرية، أو بمعنى آخر، الحب، وما يترتب عليه من أزمات لا تقل قوة عن أي أزمة أخرى بما فيها أزمة الوطن، الأرض، الفقر، المرض وغيرها. نفس الشيء الذي كرس له تامر حبيب فنه، الاعتراضات التي تواجه أعمال تامر حبيب دائماً إن دققت فيها ستجدها تتحدث أن أبطاله دوماً مرفهين يعيشون في أرقى الأماكن ويركبون أغلى السيارات ويرتادون أفخم الأماكن، السبب بسيط وهو رغبة حبيب في التركيز على أمر واحد هنا، وهو المشاكل الإنسانية والعاطفية لهؤلاء الأشخاص، فلا داعي لإيقاف القصة كاملة لأن البطل لا يملك ثمن تذكرة سفر للبنان مثلا من أجل لقاء حبيبته، أو ثمن باقة ورود يجلبها لها في زيارة لمنزلها. أما المشكلة الثانية لدى الإثنان، أن المتلقي لا يستوعب أن الحياة يمكن أن تقتصر على ذلك، مشاكل عاطفية لمجموعة من الأشخاص، المتلقي الذي يعاني كل يوم من مئات المشاكل التي تبدأ بالبحث عن مقعد فارغ في الحافلة للوصول إلى العمل، مروراً بارتفاع سعر رغيف العيش إلى اختفاء السكر من المحلات وغيرها من التفاصيل التي تجعله غير قادر على تصديق أن هناك أشخاص يجلسون في مكان ما من أرض مصر ومشكلتهم في الحياة أن فلان يحبني وأنا لا أحبه، أو أنني لا أستطيع أن أجد نفسي، أو أنني أحب رجل متزوج! الأمر نفسه كان ينطبق على أدب إحسان فيما سبق، ما الذي كسبته عندما أقرأ قصة عن فتاة مصابة بالفصام، أو تعاني في العيش مع عائلتها غير المثالية، وغيرها من الروايات التي صنفها النقاد على أنها رومانسية صالحة للمراهقات، وصنفها الآباء على أنها خليعة وصنفها المثقفون في هذا العصر على أنها تافهة ودرجة ثانية. الحقيقة أن الأمر أكبر من ذلك بالنسبة للحالتين، في فيلم حب البنات، يقول تامر حبيب على لسان بطله "أشرف عبد الباقي أو الدكتور مهيب" أن جميع المشاكل النفسية في هذ العالم تتوقف على الحب، المشاكل كلها تنبع من هذه الكلمة، إن دققنا داخل روحنا، ستجد أن مشكلتك مع أيّ شيء تعتمد على هذا الشعور، أنت غير قادر على حب نفسك، أو حب الآخرين، أو أنت تحب نفسك زيادة عن اللازم، أو تحب شخص آخر بشكل أكثر من اللازم وهكذا، تناول المشاكل المتعلقة بالحب ليست تافهة أو أقل أهمية من تناول أيّ مشكلة أخرى، لكننا نعاني من صعوبة تقبل هذا الأمر بسبب ضغوطات العيش أولاً، وثانياً بسبب صعوبة التوقف عن العادة المقيتة التي تتحكم فينا، وهي الحكم على الآخرين. في مسلسل لا تطفيء الشمس، كان يمكن رؤية ردود الفعل من المشاهدين على السوشال ميديا في ترديد جملة "هذه عائلة منحلة!" لقد تم اختصار جميع المشاكل التي تمر بها هذه العائلة في فكرة أنها عائلة منحلة، ولماذا؟ لأن كل فرد فيها كان يعاني من أزمة ما، ولأننا لا نجيد سوى الحكم وبقسوة على الآخرين، تم الاتفاق على كونهم أشخاصاً فاسدين، مرفهين بلا مشاكل، يعانون من مشاكل تافهة لا تعنينا ولا يحق لهم أن نبدي أي تعاطف. لكن ماذا لو توقفنا للحظات عن الرثاء لأنفسنا، ماذا لو تنازلنا عن كوننا أصحاب المشاكل الأهم والأخطر ونظرنا للموضوع بشكل محايد، وقررنا أن ندقق قليلاً في الصورة؟ أن نضع أنفسنا مكان الآخرين يمكن أن يجعلنا نفهم الموقف من زاوية أخرى، في كل قصة من قصص هذا المنزل هناك جزء ما خفي تعمد تامر حبيب تركه هكذا، ليصل إلى متلقي بعينه وليس الجميع، المتلقي الذي لا يحكم على الآخرين، الذي يشعر فقط بما يعانيه هذا الشخص وبالصراع الحقيقي الدائر في أعماقه. أرجوكم توقفوا عن المثالية يرفع تامر حبيب هنا شعار" لنتوقف عن المثالية" لأن لا أحد مثالي، نحن بشر ولسنا ملائكة، البشر خطائون، نحن نخطأ ونخون ونكذب، ونغير وننفسن ونكره ونحقد ونتطلع لما في يد الآخرين، من يخبرك بعكس هذا هو في الأغلب كاذب وأسوأ من الجميع، المشكلة أن الطبيعة تقلد الفنان، الإنسان يقلد الأبطال المثاليين الذي تربى على تصرفاتهم الطيبة في الأفلام، الشرير شرير فج وواضح على طريقة توفيق الدقن، والبطل طيب وخدوم يحبه الجميع لا يكذب ولا يسرق ولا يخون على طريقة شكري سرحان، وهذا غير حقيقي، جميع البشر يحملون بذرة الخير والشر منذ ولد قابيل وهابيل إلى اليوم. الأم إقبال تعيش مع رجل لا تحبه، لكنها تسمح لنفسها باستمرار زواج فاشل من أجل الأولاد، هذه ليست تضحية نبيلة بالمناسبة، هذا إيذاء نفسي وعصبي تحملته هي لتظهر بمظهر الشهيدة أمام نفسها وأولادها، لذا، عندما يموت الأب، تندفع هي خلف مشاعرها غير عابئة بأيّ شيء آخر، إنها باردة بعض الشيء لأنها في أعماق نفسها تعتقد بأنها فعلت ما عليها وضحت كثيراً وحان وقت التعويض رغم أن لا أحد طلب منها ذلك. إنجي مثال كامل للفتاة التي تسير خلف قلبها في علاقة غير متكافئة طبقياً، إنها تعتقد بأن ما تفعله هو قمة الحب، يجب أن يقيم لها حبيبها تمثالاً ذهبياً في مدخل منزله، إنه تقف بجواره، وتمنحه نقودها ومساندتها ودعمها، وفوق ذلك تأكيدها بأنها لا تعبأ بالفوارق الاجتماعية، الكلام سهل على الفتيات لكن الفعل صعب، إنجي تتحمل تقلبات مزاج محمود لأنها تشعر بأنها أفضل منه، إنها ترضي نفسها بفكرة أنها رائعة لا تهتم بالفوارق الاجتماعية، رغم أنها في الواقع تهتم، هي لم تتركه لأنه أخفى عليها وجود ابنه خالته الهامشية بالفعل في حياته، هي تركته لأن رؤية الفارق الاجتماعي رؤية العين أخافتها بالفعل، هذه ليست بيئتها ولن تكون، لا أحد يتحول من الحب إلى الكره فجأة إلا لهذا السبب. تقع إنجي في نفس الموقف الذي هاجمت شقيقتها بسببه، فتتزوج من يوسف ثم تحب صديقه، إنها خائنة بقواعد المجتمع كما كانت تصف هشام وآية، لكنها تكتشف أن الحب لا يمكن التحكم فيه، لا أحد يستطيع الحكم على أحد وهو على الشاطيء، وحدها التجربة تمنحك الحق في ذلك، لذلك تهرع إنجي لإنهاء كل شيء، إنها بحاجة للبقاء وحدها لبعض الوقت، لإعادة حساباتها، ولبعض النضج النفسي. آية قصة آية وهشام كانت معقدة ومؤثرة كثيراً، لآن ما يجمعهما هو الحب..ليس نزوة أو مجرد خيانة أو مصالح مشتركة بل هو مجرد حب بلا أغراض حتى لو كان حب مؤقت سوف يفتر أو يتغير بعد فترة.. في مصر أو ربما العالم كله..لا يفهم الجميع أن الحب لا يمكن التحكم فيه أو اختياره، لا يمكن أن أتحكم في أن لا أحب فلان لأنه متزوج أو أجنبي أو مختلف في الدين أو صاحب احتياج خاص، ليس شرط أن يكون الطرف الثالث في العلاقات شخص سيء ومنحط "خطافة رجالة" كما يقال، من الممكن أن يكون شخص مثالي ورائع ومحبوب لكنه لا يستطيع التحكم في مشاعره، يحاول ولا يستطيع.. في الغالب، يعود الرجل لزوجته الأولى دائماً للعديد من الأسباب التي يمكن فههما خاصة في بلد مثل مثل مصر، هل نقول أنه لم يحب آية؟ في الواقع هو أحبها فعلاً، لكن الحب ينتهي كأي شيء، وبالنسبة له، كان انتهائه قرار اتخذته زوجته بالابتعاد والسفر. أما آية التي كان تعاطف تامر حبيب واضحاً معها، والتي يبدو أنها كانت أنضج عاطفياً من اختها إنجي، لم تتردد في إنهاء علاقتها مع زوجها الذي كان واضحاً أنه مثلي الميول الجنسية، لتعود في النهاية لصديقها المناسب لها والذي حبسته طويلة في منطقة الصديق المقرب. في هذه العلاقة الرباعية أوالخماسية إن حسبنا زيزي زوجة هشام، يمكننا أن نقول بأن السيناريست لم يظلم أحداً أو يظهر أحداً بشكل سيء، الجميع هنا مظلومين أو على الأقل، مساكين، آية تحب هشام فعلاً، وهو يحبها ويحب زوجته، التي تبادله الحب وتتعاطف مع آية، وهي بدورها تتعاطف مع الزوجة المخدوعة، يترك الزوجان الدائرة ليتبقى آية ونادر زوجها، الذي يعجز عن التعامل كرجل طبيعي معها بسبب ميوله الجنسية والذي لا يستطيع التحكم فيها، فينسحب لتعود الدائرة وتنغلق على آية وشادي. علاقات غريبة، لكننا اتفقنا على عدم الحكم على أحد. فيفي المشكلة الوحيدة التي يمكن تقبلها، إنها ببساطة غير قادرة على الحب، هذه مشكلة نفسية معتادة، سهلة الحل لأنها تتعافى عند فقدان الرجل الوحيد الذي منحها حبه صادقاً وبلا مقابل، بالتأكيد كانت ريهام عبد الغفور الأفضل في هذا الدور، تسلسل منطقي للأحداث، وأداء طبيعي جعلنا لا نندهش حتى عندما تعمدت إيذاء الآخرين بالوشاية، أختها، ثم خالها ثم تلميذتها، القلب اللي مبيحبش يبقى خسارة يعيش، كما تقول أصالة في مقدمة المسلسل، هذه الجملة تلخص حالة فيفي، إنها فتاة غير قادرة على تقبل وقوع الآخرين فيالحب وزلاتهم بسبب ذلك، لذا هي تعاقبهم فوراً وعلى طريقتها الخاصة، ثم تعود لتندم بعذ ذلك، لكن صدمة فقدها لأخيها تجعلها تفيق فجأة، لتدرك أن الحياة قصيرة، وأنها قادرة على العيش، وهذا بالفعل ما حدث لها في النهاية، بعد أن عادت للحياة بالوقوع في الحب. آدم مثال واضح للشخصية غير المثالية، وعلى الرغم من ذلك فهو الوحيد الذي يبدو الأكمل والأفضل، فهو على الأقل لا يكذب على نفسه وعلى الآخرين، هو يفعل ما يحلو له، ولا يخاف أحداً، هو بالنسبة للمجتمع المصري شاب منحل يسكر ويزني ويعربد طيلة الليل، لكنه نهاراً يسعى لكسب العيش ويخلص للفتاة التي يحبها، لا يبالي بالفوارق الاجتماعية، ويتحدى العائلة من أجل حبيبته، يواجه الجميع بأخطائهم، ويدافع عن إخواته ويقف أمام تجبر خاله، ويتخلى عن العيش في مستوى عال من أجل الزواج بحبيبته. كيف اجتمع النقيضين ولماذا تعاطف معه المشاهدون رغم مساوئه؟ لأننا نحمل بذرتي الخير والشر كما قلنا سابقاً، ولأن الخير هنا كان الغالب، ولأننا عاطفيون بطبيعتنا، تمكنا من تجاوز نقاط الضعف من العربدة وخلافه إلى نقاط الخير الظاهرة، إلى جانب أن الشعب المصري ضعيف أمام خفة الظل التي يتمتع بها ممثل مثل أحمد مالك، وشخصية مثل شخصية آدم، لا ينسى تامر حبيب أن يجعله يقع في زلة الخيانة مع ابنة خالته التي لم يكن يطيقها في البداية، لم؟ لأن النفس البشرية ضعيفة وتتغير، ولأن البشر لا يمكنهم التحكم في مشاعرهم طيلة الوقت، ولأننا كما قلنا لسنا ملائكة، نحن نمل ونخاف ونصاب بنوبات اكتئاب وقلق تجعلنا نتصرف أحياناً برعونة وغباء، الفارق هو هل نفيق ونصلح من أفعالنا، أم نكمل في الخطأ؟ أحمد هو الشخصية الأكثر تعقيداً بالتأكيد في الحكاية، إنه البطل الحقيقي في رواية إحسان عبد القدوس، هو الراوي وهو الذي تدور حوله الأحداث، إنه ضعيف الشخصية، أو بمعنى أدق، لا يملك شخصية من الأساس، إنه يحاول محاكاة الشخصيات من حوله، في الرواية، يعمل أحمد في مصلحة حكومية توسط خاله ليتوظف فيها، فجأة اكتشف أنه قادر على الذهاب وقتما يشاء، والمغادرة وقتما يشاء، فقرر استغلال هذا التمييز الذي لم يطلبه، إنه يقرأ كثيراً، ويحاول الكتابة، لكنه لم يستغل هذا في شيء، إنه يخاف المواجهات، ويتطلع لطموح أخيه بإعجاب، في المسلسل، عندما قرر تامر تغيير مصير الشقيق الأصغر، تمكن من أن يجعل أحمد يقع في دوامة المرض النفسي، لقد قرر أن يحاكي شخصية آدم، قرر أن يصبح هو لأنه شعر بأن العالم يحتاج إلى المزيد من آدم وليس المزيد من أحمد، لكنه حاكاه لدرجة التطرف، ولم يعد قادراً على الخروج من هذه الدوامة، لم يعد قادراً على استيعاب أن آدم لم يمت، لأنه في عقله الباطن المسئول عن تعاسته الحالية، لكنه ينسى كل شيء بمجرد أن يعتذر منه آدم بصدق، من أن يرتمي في أحضانه ويجعله يشعر أنه يحتاجه حقاً، من أن يقرر اتخاذ قرار مصيره بيده ولأول مرة، هنا فقط يعرف أحمد أنه قادر على التحكم بحياته، وأنه تمكن من استردادها ولو كان هذا يعرضه حتى للسجن، الذي يبدو وكأنه رحم مظلم جديد، يخرجه إلى الحياة مرة أخرى.  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ   كاتبة وروائية مصرية

مقالات من نفس القسم