كيمياء القتل

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قصة : محمد رفيع *

1

السيد رئيس المباحث

تحية طيبة وبعد ،

أنا المجهول الذى قيدت القضية ضده ، تلك القضية التى قمتَ سيادتكم بالتحقيق فيها ، والتى حملتك فى النهاية للإعتراف بالجهل، ذلك الإعتراف الذى أشكرك عليه ، وبهذه المناسبة أعذيك على فشلك فى الوصول لي ، هذا الفشل فى فهم الانسان ، ولأن سيادتكم تبحثون عن دوافع تعرفونها ، دوافع عادية وغبية ، دون أن تفكروا ببساطة ان تعقيدات العصر جعلت دوافع ذلك المسكين : إنسان العصر أكثر تعقيداً ، ولا يمكن فهمها بمنطق قابيل وهابيل ، الذى وإن سمحت لى سعة صدرك ، مازال هو المنطق المفهوم لديكم .

قتلتُها ، وعرفت ان تجربة القتل الاولى مثل القبلة الاولى لا تنسى ، مثل أول يوم فى الجيش يفرق بين حياتين . عرفت أكثر أن القتل ليس سئ تماماً ، بل على العكس هو تطهر وسمو .

تتحد روحك مع روح الإله ، تصير يده التى تبطش ، تلمس بيدك الروح التى وضعها هو ، تراها تخرج مزعورة عائدة إليه . كان لا يمكن أن تدرك حقيقتها إلا وانت تخرجها بيدك ، وتشعر بها .. طاقة ناعمة ، كهرباء برية ، تصعد كالبخار وتتناثر فى الهواء . ساعتها فقط تقيم حوارك الاخير مع ضحيتك والرب ، وإذا اتمت الروح رحيلها تغيب الضحية ، وتقعد وحدك مع الإله تنظر فى عينيه بإعجاب. يهتز جسدك من فوران الروح فيه ، لا تعرف ما الذى دهى روحك، ربما ترقص داخل صندوق جسدك لأن روح أخرى- أخت لها – تحررت تواً ، أو انها تبكى على فراق حبيسين سكنا بعضهما ، هناك على حافة الحياة : جسد وروح

يهتز جسدك كبركان يستعد للهجوم ، ترتعش رعشتك كتلك التى فى اللذة، ثم يهدأ الجسد ويتركك لشعور ملتبس ، بين إيمان طاغ ودنس أبدي.

مقدمه لسيادتكم : مجهول بقدر جهلكم بحقيقة الانسان.

ملحوظة : مرفق مع الخطاب خاتم زواج و صفحة قطعتها لاجلك من مفكرتى، لا لتدلك عليّ ، وانما لتدلك عليك.

 

2

صفحة المفكرة.

قتلتُها لأنها خانت زوجها معي ، ولأنى رأيتها فى صباحها الاخير تقبل زوجها ، وهى تودعه فى وداعة إلى مخدعى ، قبلته فى فمه لتتأكد بنفسها من غفلته ، وسارت بخطى واثقة ، دنسة فى حقيقتها، كخطى المخادع الذى فاز لنفسه بخطيئة، فحير الله الذى صنعه والشيطان الذى سكنه من فرط جرأته .

سارت بضع خطوات نحوى ، والزوج هناك يغلق الباب ويستقبل حياته الجديدة ، رأيت وجهه لأول مرة ، وإنتصر شيطان داخلي لأنه وسيم قوى البنية ، ولأنها إختارتنى لأمحو آثار شفاهه عن جسدها . جلست جانبى فى مقعد السيارة ، وفرح خفيف يملأ روحها. كانت جاهزة تماماً للإقتحام ، متفتحة كزهرة تنتظر أقدم النحل تعبث بمكنونها . جميلة ملامحها و وديعة ، ثرثرت قليلاً ، قالت أشياء تافهة . كأنها لا ترتدى ملابسها الداخلية ، وانها قبلت زوجها ليكون جسدها مستعداً لي ، وكأن زوجها يطلق شرارة البدء. أما أنا فكنت انقّل نظرى بين مشهد الزوج فى خيالى ، وهو يغلق الباب خلفنا ، وبين تردد الانفاس فى صدرها . فى تلك اللحظة بالضبط إعترتنى شهوة أخرى غير شهوة الجنس، شهوة غامضة وعنيفة. لم يكن ضميري مستيقظاً ولا كنت أتعاطف مع الزوج ، كنت فقط اصغي بكل حواسى إلى تلك الشهوة الجديدة ، وتتبادل روحى الاحساس بها وبين فرح الانتهاك .

عندما وقفنا على باب شقتي باحثين عن المفتاح فى عتمة السلم ، قبلتها دون سبب ، تذوقت هذا الطعم الغريب فى قبلتها ، أتراه كان طعم شفاه زوجها ؟ فى لحظة أن داخلنى هذاالخاطر استعرت داخلى احاسيس غريبة لم افهمها فى حينها.

دلفنا إلى الشقة ، فألقت بنفسها على الاريكة ، واستراحت واطمأنت ، وأسرعت أنا إلى الحمام دون سبب ، دفعت الباب وحملقت إلى الداخل ، ما الذى كنت أتوقعه فى هذه اللحظة ؟ أن أجد أحداً ، أم شعوراً جديداً ، لم يكن هناك غير البانيو الابيض هادئاً ، مغطى بذلك الباب الزجاجي المزركش الذى صنعته خصيصاً لكي لا يقع فى الماء شئ يعكر صفوينا ، ولكى ينتظرني الماء ساخناً . صنعته منذ خمسة عشر عاما من زجاج سميك ، كلفني كل ما لدي فى هذه الايام ، ضحكت كثيرا على غبائي وعلى غرابة الفكرة، لكني لم اتنازل عنها، حتى وأنا احاول تحطيمه عندما عض الجوع أحشائي.

خرجتُ من الحمام ، و استسلمتًُ لها ، وهى تأكلني على مهل ، حدقت فيها وهى تبتلعنى فى حرفية و شفاهها تمتص مسامات جلدى ، فتستعر داخلها رغبةً ، وتستعر داخلى رغبتين .

لم يكن فى جنسنا شئ مميز أحكيه ، غير انه كان مميزاً ككل المرات السابقة . وبعد ان فرغنا وهدئت أنفاسنا ، حملتها بحنو إلى الحمام ، رفعت غطاء البانيو برفق ، و وضعتها فى الماء الدافئ ،أخذتُ أدعك جسدها بالصابون المعطر برائحة الزعفران ، أشعلت لها شمعة تفوح منها عطور هندية ، غسلت قدميها وخصرها وهى تخلع خواتمها ، ورددتُ على نظرات إعجابها بإبتسام وحنو، وعندما صار جسدها ناصعاً كالكتان الابيض، وجدتها تغمض العينين فى سلام ونشوة ، فأغلقتُ عليها الباب الزجاجي بإحكام ، وظللت أراقبها من خلف الزجاج تموت ،هناك فى الطرف الاخر من العالم ، وأنا أشاور لها من خلف الزجاج واودعها كمسافرة ، وهى تحاول العودة إلى عالمي ، وعندما شعرت انها تذهب تماما ، قبلتها من خلف الزجاج ، لم تكن فى هذه القبلة طعم زوجها ولا طعمها ، ولكنه كان طعم القتل الاول.

ــــــــــــــــــــــــــــ

*قاص مصري

 

 

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق