كيتش ميلادي…

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قصة :راجي بطحيش*

1

أيا ذلك الطفل الذي يقف أم بائع الكستناء ليلة الميلاد و...بلا بلا بلا ...

أنا ذلك الطفل الذي كان يقف أم بائع الفستق الحلبي في ليلة الميلاد وتسيل من عينه اليمنى دمعة تحمل بين هشاشتها.. مذوذ...(أوف ما هذا الكيتش الميلادي)

فلنحاول من جديد...

مرة أخرى ...

إيه ذاك الصبي الأشقر على استحياء والذي يقف هو وفأره الصغير الذي يعتمر قبعة حمراء نسجتها التراجيديا  قرب عامود مزركش بفرح الميلاد المتماجن مع سحر رموشه ينتظر أن يستعير أبا وأما وشيخ عيد وشجرة مزينة بالدفء ...لليلة واحدة تنتهي أبان الفجر بقليل أو أكثر ...على امل ان يتحول ندف الثلج الذي لا يتساقط ، الى أسطورة بحبكة بوليسية واهية..

فلنحاول ان نضبط الأمور...

طفل ينتظر قرب حاوية قمامة عملاقة تسيل شمبانيا مجمدة ورائحة صنوبر رطب …تعبر سيارة سوداء فارهة محشوة برجل ازرق العينين ، طويل له كرش صغيرة وخاتم ماسي يعكس نجمة العيد الوقحة ..والسيارة محشوة ايضا بإمرأة جميلة ملفوفة من أخمصها بالجلد…جلد القنافذ وجلد الأفاعي وجلد الأسماك وجلد العبيد اللذين عبروا بين ارجاء العائلة على مدار أجيال وأجيال ..كما أن السيارة محشوة بأولاد وبنات كثر لا حصر لهم ولا ملامح …كلهم شقر، بيض، يلبسون بتراتب فتاك الأحمر والأخضر والأسود والأبيض (ليس دلالة على علم فلسطين: لا سمح الله) ..السيارة مزينة بالأنوار المتلألأة والأشرطة الحمراء والخضراء وفتات الثلج العالق أبدا …تنفلق السعادة من عيون كتلة الأولاد ..تنشطر ..تتفتت ..تهيل..تتدفق …تحاول اللحاق بضوء نجمة العيد الذي يبدو انها لم تكن وقحة الى تلك الدرجة…تنفلق السعادة، تتدفق من بين بريق أحمر شفاه السيدة السادية التي تطفيء سجائرها على خاصرة خادمتها السودانية..تنفلق السعادة ، تتدفق من بين ثنايا فحولة الرجل الأزرق العينين وهو يتذكر باسما كالعاهرة  كالمني المتسارع من قضيبه الوردي الضخم بعد أن التهمته بائعة  العاب العيد الروسية في غرفة الدببة والأرانب النائمين ..تتدفق السعادة من الشارب الباسم لرب العائلة السعيد ضمنا بسرعة ذوبان الكحول بالماء المر…

طفل ينتظر قرب حاوية قمامة عملاقة يرتجف من ضجيج الوحدة، يقترب منه غزال صغير أنفه عبارة عن بلورة حمراء مضيئة ..تشع رقة وعذوبة..يلعق الغزال خد الطفل فتتفكك نجمة الهيد وتتحول الى مسحوق براق، أطياف وجوه…وفرط سعادة..

2

لا ازال طفلا يقف امام بائع الكستناء والفستق الحلبي ..يدخل “ميشو” الولد الذي يلازمني ظله كاللعنة كل ليلة ميلاد من جديد …يطلب من البائع ارطالا وأرطالا من الكستناء والمكسرات والبذورات والبذورات المطلية بالسكاكر مما لذ وطاب…يتركني البائع، يهملني وكأنه يقول لي : من الأفضل ان تعود الى بيتكم البارد، البائس الوحيد فأمثالكم لا يستحقون أو لا يستوفون شروط وحجم مسؤولية فرحة هذا العيد..كيف تجرأتم أن تكونوا بهذا المقدار من التعاسة امام استحقاق كهذا للسعادة…

ولكن هذا انا وذاك بيتي ..واريد ببضع شواقل، كستناء للشي..

 

يحمل “ميشو” الأكياس المحملة بأسباب السعادة ويمضي الى العربة الحمراء اللامعة التي تنتظره وهي تكاد تختنق من البهجة…ينغمس “ميشو” في سعادة سرمدية لا مثيل لها ولا تنتهي ، وهي جزء منه ..من تكوينه ..لا خيار آخر امامه سوى استنشاق عبق صنوبر الشجرة المرصعة بحكايات بيت لحم ويهودا والسامرة طوال الليلة…لا سيناريو بديل لليلة الميلاد لدى “ميشو”…لا انقطاع للتيار الكهربائي…لا فيضان لمياه السيول التي تجرف المذوذ ومن فيه…لا تكسير زجاجات فارغة على رؤوس الجالسين حول المائدة…لا عراك بالأيدي مع بابا نويل بسبب تأخيره بالوصول او ربما تبكيره..لا انعدام تاريخي متجذر لبابا نويل أصلا ..لا برد عضوي متأصل ومتوارث عبر الجينات…لا سؤال بمعنى “لماذا؟” …لا غياب لليلة ميلاد واحدة..بمعنى –واحدة- طبيعية كالبشر…

يمضي ميشو الى فرط سعادته غير المشروطة …

اتناول حبات الكستناء ، وأجلس قرب حاوية القمامة المزينة… يقترب مني غزال صغير أنفه عبارة عن بلورة حمراء مضيئة ..تشع رقة وعذوبة..يلعق الغزال خدي..ويجلس قربي…بينما سيجد الشرطي الأمريكي “ميشو” مشنوقا في غرفته ليلة الميلاد بعد ذلك بثلاثين عاما إثر خسارته لوجبة الرهان الأخير. أوعدكم.

ميلاد 2009

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

* قاص من فلسطين

 

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم