كناسة الدكان.. وقع الحياة

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

إذا كنت قد قرأت مقولة جوته، التى يقول فيها: "على الكاتب أن ينظر إلى الحياة نظرتين وينظر إلى الكتاب نظرة واحدة"، فلا بد ستتفق معى أن يحيى حقى أخلص لهذه المقولة كثيراً، بل إنه اهتم بكيفية النظرة التى ينظرها إلى الحياة، فنجده كعدسة الزووم يقرب تلك الدقائق الصغيرة، ويضعها أمامك فى شىء من الحنكة الموارة، ويتضح هذا فى كل كتبه، ونحن هنا بإزاء الحديث عن السيرة الذاتية، على عكس معظم الكتاب العرب الذين كتبوا سيرتهم الذاتية، فقدموا صوراً من حيواتهم الاجتماعية والعائلية والعملية، يكتب يحيى حقى «كناسة الدكان» فيقدم فيها جميع وجوه الحياة، يعتنى يحيى حقى بتقديم أفكاره نحو الكتابة القصصية والفن بعامة يقارن بين مناهج الحياة فى البلاد المختلفة... يتحدث عن حوش المدرسة، ومقابلة الموتى، يكتب قصصاً قصيرة بالفعل عن كل ما يحدث حوله لا عن نفسه، إذ يذكر فيما لا يزيد على أربع وعشرين صفحة فى كتاب بلغ مائتين وأربعين صفحة نسبه وعائلته ونشأته، يلجأ يحيى حقى إلى مقالات ينقحها ويضيف إليها، هل ترى رجلاً جمع نفسه فى نثارات مختلفة يسميها : مقالات، وأسميها: قصصاً قصيرة، وكأنها الحياة فى متوالية قصصية.

لماذا يختار يحيى حقى عنوان «كناسة الدكان» لسيرته الذاتية ؟! أو بمعنى آخر: هل يدل عنوان: كناسة الدكان على أسلوب يحيى حقى؟!
ولكى نجيب على هذا السؤال، لا بد أولاً أن نعرف: ما المقصود بكناسة الدكان؟!
إنه يعنى خلاصة التجربة، يعنى ما يتخلف عن يوم عمل طويل داخل دكان، لا بد أن هذه البقايا تحمل سمات بضاعة هذا الدكان، فإذا كان دكان خائط مثلاً فلا بد ستتبقى قصاصات قماش وخيوط وغيرها.
أما هنا.. فهو دكان يحيى حقى ! ينظر يحيى حقى إلى رحلة العمر يقطرها، يضعها أمامك.. إذاً هو عنوان مكثف، دال، بسيط، ساخر، ومراوغ أيضاً، يقول يحيى حقى لفظة ويقصد بها شيئاً آخر، يقول الدكان / المكان؛ ليعنى بها العمر / الزمان فهو يجمع فى لفظة واحدة الرديفين: الزمان والمكان، هو عنوان أيضاً يلبس فيه يحيى حقى الفصحى ثوب العامية.
إذا أنت قبل أن تجرى عينيك على سطور الكتاب عرفت بعض سمات أسلوب يحيى حقى، والذى يتميز بالبساطة، والسخرية، التكثيف، المراوغة، الشعبية.
ألا ترى أن يحيى حقى كان محقاً عندما قال داخل «كناسة الدكان» « ولا أتحول عن اعتقادى بأن كل تطور أدبى هو فى المقام الأول تطور أسلوب».

قلم مداده طين الأرض
يقول يحيى حقى في كتابه: «لقد عالجت معظم فنون القول من قصة قصيرة ورواية ونقد ودراسة أدبية وسيرة ذاتية ومقال أدبى وترجمت عدداً من القصص والمسرحيات، ولكن تظل القصة القصيرة هى هواى الأول، لأن الحديث فيها عندى يقوم على تجارب ذاتية أو مشاهدة مباشرة وعنصر الخيال فيها قليل جداً، دوره يكاد يكون مقصوراً على ربط الأحداث ولا يتسرب إلى اللب أبداً».
هل ترى يقول يحيى حقى عالجت معظم فنون القول، فالقول والشفاهية والحوار أشياء أساسية فى أسلوب يحيى حقى.
يقسم صلاح فضل فى كتابه “أساليب السرد فى الرواية العربية” – الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة – هذ الأساليب إلى : أسلوب غنائى وأسلوب درامى وأسلوب سينمائى، ويضع صلاح فضل «كناسة الدكان» كإحدى الروايات التى تتميز بالأسلوب الغنائى الذى يغلب عليه الاهتمام بالمادة المقدمة ثم يعقبها فى الأهمية المنظور والإيقاع، كما نجد فى سمات الرواية الغنائية عند صلاح فضل أنها تتطلب نوعاً خاصاً من ثنائية البطولة على الخط الإيجابى نفسه أى تتطلب بطلين متجاورين يمضيان فى الاتجاه ذاته.
فإذا قلنا إن البطل الأول هو يحيى حقى نفسه فمن يكون البطل الثانى؟!
يجيب يحيى حقى نفسه حين يتوجه بالحديث على مدار سيرته الذاتيه كلها إليك أيها القارئ، إنه يستطيع بسهولة أن يأخذ كفك فى كفه كصديق قديم ويسير معك مشواراً طويلاً هو العمر، يحكى ويحلل ويفسر ويتحاور معك.
يقول يحيى حقى إن القصة القصيرة عنده قائمة على تجارب ذاتية أو مشاهدة مباشرة، إذ يغمس يحيى حقى قلمه فى مداد مكون من طين الأرض فهو يزاوج بين السرد القصصى ومراحل حياته.
ماذا وجدنا حتى الآن فى كناسة دكان يحيى حقى؟!
وجدنا أسلوباً له مميزات خاصة، ومادة مولودة من رحم الحياة، وسرداً قصصياً ملتحماً بسيرته، وتبقى اللغة أهم ما يميز «كناسة دكانه».

يقول يحيى حقى: «قدمت ما رضيت عنه من أوراقى إلى ناد عجيب، إنه وقف على من لمسهم الفن بعصاه السحرية، أياً كان عصره أو لغته أو دينه أو جنسه أو لونه، والرجال والنساء سواسية هم داخله أحياء بينهم تواصل الإخوة وتراسل لا ينقطع، سُمح لى أن أنضم إليه عضواً منتسباً !.

عرفت أننى – حتى قبل انضمامى إليه – كنت أكتب لهم، هم الذين يطلون علىّ من وراء كتفى وأنا أكتب، أصبح رضاؤهم هو مطلبى الوحيد، لا تخلو ورقة لى من أثر خاف لبصماتهم أو من إشارة مستترة إلى أعمالهم، فلغة أهل هذا النادى صريحة ومشفرة فى آن واحد، ولا تجد حريتها إلا فى استعبادهم لها، وأول مادة فى قانون هذا النادى هو توقير الكلمة سواء أكانت من حروف أو أنغام أو حجر أو لون».
للكلمة عند يحيى حقى وجوه متعددة فهى حرف ونغمة وحجر ولون، إنها مفهوم كامل يلتزم الدقة والعمق، فاللغة عنده تبعد عن الزخارف اللفظية، لغة محملة برائحة تراب الشارع المصرى تحمل داخلها ظلالاً من المعانى والإيحاءات.

الباب الضيق
يقول يحيى حقى فى كناسة دكانه: «وقد عرفت مقامى منذ وعيت لهذا العرق الذى ينبض فى روحى لست من الملهمين، ولا لى صاحب فى وادى عبقر. الإلهام نور ساطع كاشف لجميع آفاق الروح والعالم، يهبط على من يختاره دون سبب ظاهر، فيتلقاه بغير سعى منه إليه، ما أبعد الفرق بين هذا النور وبين أزيز الشرارة الخاطفة التى أحس بها وهى تتقد أحياناً فجأة ثم تنطفئ لتوها، إنها لا تنير لى إلا درباً ضيقاً وسط غابة كثيفة، يؤدى إلى كنز صغير لا يفرح به إلا الأثرياء، تنطفئ هذه الشرارة وتتركنى لكى أشقى غاية الشقاء، حتى يتفصد العرق من جبينى من أجل أن أصل إلى هذا الكنز الذى رأيته – بل قل حدثته – من بعيد كأننى أنحت فى صخر، وحتم على أن أزيل عن العمل كل آثار العرق ليظن الناس أنها ولادة سهلة. إننى ممن يدخلون معبد الفن من أشد أبوابه ضيقاً وعسراً، وليست هذه الشرارة بزوارة، بهذا كنت من المقلين، أسمعهم يعيبون هذا علىّ، كأنهم يطلبون إلىّ أن أكون من المدلسين، يكفينى الصدق»
لعلك تلاحظ ذلك الباب الضيق الذى ينفذ منه يحيى حقى وذلك الوصف الصادق لحالة الإبداع عنده، وهو بهذا يعتبر الإبداع عصارة تجربته ويضعه فى الصدارة ضمن كناسة دكانه.
والآن بعد هذه السياحة داخل دكان طويل مفتوح، علينا أن نتساءل : هل اختلفت سيرة يحيى حقى عن السير الأخرى؟
لقد كان الاهتمام الأكبر لدى الكاتب الذى يكتب سيرته الذاتية، أن يتحدث عن نفسه وعن أسرته وحياته وربما يتحدث عن الكتابة، نجد أن يحيى حقى يخرج عن هذا الإطار ويناقش داخل سيرته كيف يكتب، ولماذا ؟! لا يقول أبداً : فعلت .. وإنما يقول : حاولنا أن نفعل، روح الجماعة مهيمنة على سيرته، يقول: «إنما الدروس من حوش المدرسة لا من الفصل».
ولهذا يتجه إلى حوش الحياة، ويصوب كاميراه شديدة الالتقاط على هذا الحوش، لاحظ تلك المنمنمات الأخيرة داخل «كناسة الدكان» مثل : «وجهاً لوجه»، «الزهرة والأصيص»، وغيرها… حيث نجد فى تلك المنمنمات كل خبرات يحيى حقى مصاغة بطريقة جزلة ممتعة شديدة الاهتمام بالتفاصيل، وأيضاً مصورة كأنها فيلم تسجيلى، وقبل كل ذلك تقطر إنسانية حتى وهى تصف الموت.
ويقدم لنا يحيى حقى في كتابه “مذكرات فنان غشيم في الكار” مفهومه عن المعنى الحقيقى الباقى للإنسانية الذي يورثه كل جيل إلى تاليه، إذ يقول: «ولا يهم الجيل الحاضر أن يعرف عن الجيل السابق كيف كان يأكل، وماذا كان يلبس، بل لا يهمه أن يعرف ماذا كان يقرأ، أو حتى ماذا ألف وكتب، بقدر ما يهمه أن يعرف النمو الروحى لهذا الجيل السابق، أن ينكشف له الستار ليرى من ورائه صراع النفوس مع المبادئ والمعتقدات، التحول من الشك إلى اليقين أو من اليقين إلى الشك».
إن يحيى حقى يثنى على الإمام الغزالى، لأنه كتب “المنقذ من الضلال” كما يثنى على كازانتزاكس الذى روى قصة تخبط روحه فى البحث عن عقيدة فى “رسالة إلى الچريكو”، ولهذا يحدثنا يحيى حقى عن تلك الذبذبات التى أصابت روحه عندما سافر إلى روما ثم إلى باريس، وكيف استطاع الحفاظ على هويته.
هل أستعير فى النهاية كلماته لأصف بها سيرته الذاتية وكناسة دكانه، إنها كسوط صاحب الجواد الأصيل؛ له وقع وليس له لسع، نعم إنه ذلك الوقع الذى يبقى فى النفس ويحفر داخلها.. إنه وقع الحياة.



 

مقالات من نفس القسم