كعكة بالقرفة والسكر البني للوحش الصغير

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 15
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

انتبهت في تلك اللحظة أن الفقد ممتد من باب الروح حتى مداد البصر ، وإني لا يمكنني أن اسمع صوت مترو مصر الجديدة وهو يتكتك على القضبان في الصباح الباكر ليذكرني برحلات مبهجة أيام دراستي في جامعة عين شمس ، وانه لا يمكنني ان اغمض عيني واسمع وشيش وبور جدتي بعد الفجر بقليل في أيام الشتاء القاسية ، صوت يحملني للطفولة ولكرهي للمدرسة ، لا يمكنني سماع صوت الغسالة العادية وهي تدور برغوتها التي تشبه فوم النيسكافيه – لم اكن اعرف أن هناك شيئا في الحياة بهذا الاسم أصلا – .

لا يمكنني سماع صوت أمي ولا صوت أحبة راحلين    بعدما لوحوا لي كثيرا ربما للعبور للضفة الآخرى أو لمغادرة نقطة الإلتقاء تلك حيث يمكنني من مكاني أن اراهم جميعا يقفوا  بتعبيرات وجه غامضة عليّ .

انتبهت لتجويف الفقد الذي يتسع داخلي ، وللعمر الذي يمضي في طريقه ، دون أن يبالي برعشة قلبي وخفق روحي كلما سمعت صوت طقطة العظام والصور والذكريات والبشر ، يضع كل شئ تحت مقصلته ويمضي بطريقته القديمة والأبدية .

انتابتني حالة من السكون ، تجمدت في مكاني ساعات طويلة ، شعرت بصوتي محتبسا في حلقي ، شعرت بأطرافي رخوة تماما ، لم يكن لدي قوة ولا رغبة في فعل شئ ، والحقيقة ان حتى السكون كان يؤلمني .. مرت على عقلي فكرة التلاشي ، التحول لذرات تافهة لا ترغب في البقاء للأبد في الكون ، لا تأمل في رحلات لا نهائية محمولة بفعل الرياح والأتربة ، ذائبة في فوضى الربيع ، متشابكة وسط حبوب اللقاح للتورط في حيوات أخرى أو مغادرة للسماء في رحلة صعود وهبوط لا نهائية زرقاء بين البحر والسماء ، التلاشى هو الأجمل لا مزيد من الحركة والتماهي مع العالم ، فقط التلاشى والغياب .

منذ أيام شاهدت مشهدا لممثلة تؤدي دور إمرأة حزينة لسبب لم اتبينه  ، خرجت من البيت واستأجرت فراشا في مكان ونامت ..

تحركت من أمام الشاشة ، لكن مشهد الفراش في مكان بعيد وبلا بشر ظل عالقا في قلبي، صارت للأيام التالية كل احلامي أن ابقى في فراش بعيد وحدي ، بلا احبه يضغطون على أعصابي بالإهتمام والحب ، وبلا مواعيد تؤرقني وبلا توتر ولا حكايات فقط فراش بمفرش بلون حليبي بلا رسومات أو رتوش حتى لا تعكر صفو البياض والصمت .

في طريق العودة سألني محمد بقلق وبنفاذ صبر : مالك؟

أنا كنت اتفهم انه قضى يومين متواصلين يخرج لي أرنبا من قبعته ، ويسير على أطراف أصابعه حولي ، لم يكن لديّ شئ لأجيبه

هل تبدو ارغب في التلاشي إجابة مفهومة ! .. يقف بلا مقدمات يشتري لنا “أم علي” وأرز باللبن ابتسم واخبره ان ما يفسده العالم قد تصلحه الحلوى ، لكن هذه المرة لا تصلح الحلوي شئ ، ولا يتوقف العالم عن افساد روحي .

تتحرر الدموع في عيني ، لم اكن ارغب في البحث عن سبب بكائي ربما ليس هناك سبب ، ربما هي الرغبة في التوقف فقط التوقف والحزن .

لم يعد لديّ وقت لأحزن ، وأنا احتاج لمساحتى الخاصة كي أتكور على بعضي وأحزن دون ان يقاطعني مواعيد العمل ورغبة صغيرتي في الذهاب للحمام ، والصحون التي تتجدد ذاتيا ولا تنفذ ابدا بحيث تبقى دائما لتكدر عقلي وتمنعني من لحظة السكون الكبيرة التي أنشدها ، حزنت كثيرا هذا العام في ” عيد الأم”، لأني لم أجد وقتا إضافيا لنفسي ولأحزاني ، بعدما انتهيت من الواجبات الاجتماعية والزيارات الضرورية ومكالمات الهاتف ، ولعب دور الأم والأخت والصديقة والزوجة والطاهية والفتاة التي تذهب للعمل لتجد الامور العالقة السخيفة كما هي لا تتبدل بعدما وزعت قطع مني في كل الأدوار نظرت في الطبق فلم اجد إلا فتات لا تصلح أن اصحبها وأجلس معها في الفراش الحليبي البعيد وأحزن على مهل ، وأتحسس مرار الفقد والغضب والغياب وكل ما يملأ روحي من ألم .

في صباح اليوم التالي ، مارست الروتين العادي، واحتملت ما أقابله كل يوم من سخافات ، وربت كتفي في الطريق وهمست لي ” بأني كبرت على رفاهية تخصيص وقت للحزن .

لكني في الأيام التالية استيقظت بوحش صغير ينمو في أحشائي وحش غاضب يرغب في ممارسة حزنه ، كنت أقاومه وأنهره أصرخ فيه احيانا بينما أنجز أمرا بغيضا لا أحبه ، أو أفعل شئ أحبه لكني فقط سئمت منه واحتاج لبعض الراحة أن يصمت لأني لا يمكنني ان اسمح له ان يمارس حزنه وسط هذا الزحام .

اخبرت الوحش اني سأخذه يوما لمكان بعيد به فراش وامنحه نصف مساحتى من المكان واتركه ينام حتى يهدأ أو يبكي حتى يشعر بخفة الراحة أو ياكل كعكا محلى بالشيكولاته أو القرفة والسكر البني ، ساجعله يفعل كل ما يرغب فقط عندما يكون لدي متسع من الوقت والتزامات تافهه أو جسيمة أقل . 

الوحش يتمدد في أحشائي ، اسمع احيانا صوته يقضم قطعة مني أو يلوك نسيلة من قلبي ، أتألم في صمت ، وأفكر أنه ربما في وقت قريب يمكنني أن اصطحبه للفراش البعيد ذو المفرش الحليبي الرائق بلا فراشات أو ورود أو أي رتوش أخرى تعيق الحزن/ الوحش  أن يتمدد ويبتلع العالم كله حتى يهدأ ويخفت صوته الذي يشوش على صوت تكتكه عربات المترو التي تغادر هذا الزحام وتتجه نحو الغياب والتلاشي . 

مقالات من نفس القسم