«كتابة القصص وبناء الأعشاش».. تأمّلات عادل عصمت في «دُنيا الكتابة»

غلاف كتاب «كتابة القصص وبناء الأعشاش.. تأملات في فن الكتابة»
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

محمود عبد الدايم

مُنذ سنوات طويلة بعض الشيء، كنت لا أفهم السرَّ وراء المشهد المتكرر في عددٍ من الأفلام الأجنبية، عندما يمسك «النادل» بزجاجة نبيذ ويقرِّبها ناحية شخص جالس على المنضدة، الذي –بدوره- يلقي نظرة على موضوع محدد في الزجاجة، ويومئ بعد برأسه إيماءةَ استحسانٍ، ليصب بعدها «النادل» السائل الأحمر -غالبًا- في الكأس، فيتذوّقه الرجل بلسانه، ويومئ -مرة ثانية- إيماءة الاستحسان نفسها، وإن كانت تخرج هذه المرة ممزوجة ببعض السعادة واللذة في آنٍ معًا.. كبرت قليلًا، وأدركت أن السر في «تاريخ الزجاجة»، وأنه كلما كان التاريخ قديمًا كانت جودة النبيذ أفضل.

لاحقني مشهد «النبيذ المُعتق»، بل صاحبني على امتداد ساعات عدة، بعدما شرعت في قراءة «كتابة القصص وبناء الأعشاش.. تأملات في فن الكتابة»، الكتاب الأحدث للكاتب الروائي عادل عصمت، وإن كنت توقفت قليلًا في البداية عند العنوان، وتعلق سؤال في هواء الغرفة، عن الرابط بين الكتابة و«بناء الأعشاش»، لأدرك سريعًا أن «عصمت» لا يزال يخفي في جعبته عديدًا من «العناوين المدهشة» التي يبرع في صياغتها، فهو صاحب «صوت الغراب» و«مخاوف نهاية العمر»، وهو الذي كتب عن «أيام عادية» ببراعة لا مثيل لها.

نعود إلى كتاب «عصمت»، و«مشهد النبيذ»، فالكتاب المنشور عن دار «الكتب خان»، لا يقترب -ولو قليلًا- من نوعية الكتب التي تكتظ بها أرفف المكتبات عن الكتابة، التي أظن -وليس كل الظن إثمًا- أن بعضها يأخذ من الكتابة أكثر بكثير مما يعطيها، فـ«الكتابة» هي السر الذي حاول الكولومبي «صاحب نوبل» جابريل جارثيا ماركيز، أن يفسره وفشل، عندما قال: «أي سرٍّ هذا الذي يجعل مجرد الرغبة في رواية القصص تتحول إلى هوى يمكن لكائن بشري أن يموت، جوعًا أو بردًا أو أي شيء آخر، لمجرد عمل هذا الشيء الذي لا يمكن رؤيته أو لمسه.. وهو أمر في نهاية المطاف، لو أمعنّا النظر لا ينفع في شيء»؟! وبالمناسبة الفقرة نفسها اختارها «عصمت»، ليواجه بها قارئه في الصفحة الأولى من كتابه، وكأنه أراد من البداية أن يجعل  القارئ يسحب كرسيًّا مريحًا ويجلس إلى جواره، ليمارس هوايته الممتعة «الحكي»، رافضًا -في الوقت نفسه- أن يتحول الأمر إلى المشهد الذي يحبه البعض، وهو مشهد «الأستاذ» الذي يفهم كل شيء، والطالب الذي لا يفقه شيئًا. وبالمناسبة «عصمت» في حياته العادية يرفض -بشكل قاطع- فكرة «الأُستاذية» و«الخبرات السابقة» التي يجب أن يتجرعها الصغار بملاعق الكبار، بل يؤمن تمامًا أن لكل شخص فرديته وقراراته وحياته التي يديرها كيفما يشاء.

«يكتُب وكأنه يحكي».. ميزة مُدهشة ينفرد بها «عصمت» عن بقية الموجودين على الساحة، فصوته وصورته -في أحيان كثيرة- تقفزان من بين الأسطر، والنبرة الهادئة التي تعتبر واحدة من سماته المتعددة، تدفعك إلى الرغبة في أن تكمل القراءة، لهذا فإن الـ 26 فصلًا، إلى جانب «الملاحق» التي تضمها دفتا الكتاب ستنتهي منها سريعًا، فـ«عادل» حكّاء بـ«الفطرة»، وكاتب يكتب لأنه لا يرى لنفسه غير ذلك سبيلًا.

بـ«أبوة» يمد «عصمت» خيط الكتابة، كأنه يأخذ طفلًا في رحلة إلى «عالم الصفحات»، ولهذا في الفصل الأول من «كتابة القصص وبناء الأعشاش.. تأملات في فن الكتابة»، الذي عنونه بـ«قوة الحكي»، يعود سنوات وسنوات إلى الوراء، فـ«في البدء كانت الكلمة»، لهذا يتحدث عن نشأة الحكاية والرغبة في فهم العالم وصياغته في قوالب، ويقدم ببساطة رؤيته الخاصة، ولنركز هنا على «الخاصة»، فـ«عادل» طوال فصول كتابه، لا يحاول فرض وجهة نظر معينه، أو أن يقول «أنا ربكم الأعلى..»، لكنه يقدم جزءًا من «تأمّلاته» وكثيرًا من خبراته بنفسٍ راضية ومتواضعة.. وهو الذي يستحق – من وجهة نظري- أن يكون «نرجسيًّا إن لزم الأمر».

الممتع في «كتابة القصص وبناء الأعشاش.. تأملات في فن الكتابة»، المزج المتقن الذي نجح الكاتب في إيجاده بين التجربة الشخصية في الكتابة والمادة العلمية، وهو مزج وصفته بـ«المتقن»، لأنه جاء في صورة «النصيحة الأبوية» التي يلقيها الأب على مسامع الابن وهو يدري تمامًا أن سنواتٍ وسنواتٍ ستمرُّ، وستجد النصيحة موضعها الصحيح في حياة الابن، ففي نهاية الفصل الأول يقول: «لقد عشت أحداثًا تمنيتُ جمعها، لكنَّ الإمكانات والطاقة قليلة، منها على سبيل المثال حكايات العائدين من سيناء في يونيو عام 1967، وأيضًا حادثة قطار الصعيد عام 2002، تمنيت –وما زلتُ – أن تتاح الفرصة لأحدنا أن يجمع، على سبيل المثال، حكايات قطار الصعيد الذي احترق في عيد الأضحى في ذلك العام التعيس، وراح ضحيته عشراتٌ من البشر. أتصور أن تلك الحكايات ستكون كاشفة لحياتنا، فوجود ذلك الكم الهائل من وجهات النظر التي ستوفرها حكايات عمال المحطات والكمسارية، والمسؤولين، وشهود العيان من الركاب الذين استطاعوا الفرار من ذلك الكابوس الذي يشبه جهنم، سيمنحنا وعيًا بطبيعة الزمن الذي نعيش فيه».

ها هو قطار القراءة انطلق، لتجد «عصمت»، الذي سبق أن أشرت إلى براعته في عنونة فصول كتابه، يؤكد لنا أننا «عالقون في القصص» لأنَّ غذاءنا العقلي من القصص، وصوتنا الداخلي يغص بالقصص، وجهازنا العقلي يُنتج أقوَلَ القصص وأكثرها غموضًا وتأثيرًا في أحلامنا.

 وبحكم دراسته «الفلسفة»، وكذلك بحكم خبراته المتراكمة في الحياة وبراعته في الكتابة، يواصل «عادل» تمهيد الطريق لقارئه، أو كنزه الثمين، كما يحب أن يصف قرائه دائمًا، فيتحدث عن «النظر إلى الداخل»، ويؤكد أن «أولى خطوات الاقتراب من الذات الخفية التي ندركها بشكل عام، ولا نستطيع تحديدها، تبدأ من مراقبة الخواطر، فالخواطر تعبُر أذهاننا غامضة، طارئة، سريعة الحضور والغياب».

ينتقل صاحب «كتابة القصص وبناء الأعشاش.. تأملات في فن الكتابة»، إلى بُعدٍ آخر للكتابة، عندما يؤكد أن «الأجساد تحكي القصص»، وأن «القصص تُكتب بالجسد في الفضاء الغامض للشوارع»، ضاربًا المثل بـ«رجل في الخمسين من العمر، يموت ابنه في الجيش، فيرتدي الزي الميري الخاص، ويمشي في الشوارع باحثًا عنه. يخاطب الله ندًّا لند، يأمره أن يخبره عن مكان ابنه ويعيده إليه حيًّا».

ولأن «الأجساد»، كانت حاضرة في عالم الكتابة، فـ«الوجوه» هي الأخرى كان لها نصيب من تأملات «عصمت»، الذي يشير في فصل «قراءة الوجوه» إلى أن «الكتابة في حد ذاتها، قد تساعد البعض على الحياة، إن لم ينجحوا في خلق الكتب، فسوف تعلمهم كيفية فهم أمزجة البشر، وتنبههم إلى ثراء التنوع في طباع الناس، والإنصات إلى الأصوات، وتأمل الملامح والتقاط اللحظات الطارئة، وربما تبصرهم بما في اللحظات العادية من أعماق».

«هل ستموت لو لم تكتب»؟ البعض من الممكن أن يرى أنه سؤال ساذج بعض الشيء.. والإجابة عنه متوقعة وعادية، غير أن الذين أصيبوا بداء الكتابة يدركون أنه لا علاج لهذا الداء، وإن وجد، فإنهم لن يقفوا في الطوابير الممتدة للحصول عليه. وفي الفصل الذي يحمل عنوان السؤال نفسه، يقدم «عصمت» إجابته الشخصية، ويقول: «نسيت السؤال لسنوات طويلة، واعتبرته بلا إجابة، حتى وصلت إلى الستين من عمري، وتخففت من أعباء الوظيفة ومسؤوليات الحياة العائلية، عندها أدركت أن السؤال  الذي لم أتمكن من الإجابة عليه في شبابي بكلمات واضحة. وجدت إجابته متجسدة في حركتي في الحياة، فلقد كرستُ أوقاتًا للكتابة رغم المسؤوليات والانشغالات، دون وعي مني، والآن يمكنني بيقين أن أجيب أنني فعلًا، ما كان يمكن أن أعيش دون أن أكتب. لم أذهب باتجاه احتراف الكتابة، بل عشتُ كإنسان مثل كثيرين من حولي، وكانت متعتي هي التأمل في الفن ودراسة القصص والصور، وتشرّب الحكايات التي تحدث في فضاء أيامي، والحلم باستحضار هذ الصخب الذي أشعر به يرافق الحياة وهي تمر».

في بقية فصول الكتاب، يتمسك «عصمت» بخيط «الأب الذي ينصح»، وليس «العالم ببواطن الأمر» و«الفاهم» لكل الأشياء، يستكمل مسيرته في إضاءة الطريق لنفسه، ومن قبله، طريق الكتابة الذي سلكه من سنوات طويلة.. ولهذا فإن الرحلة في «كتابة القصص وبناء الأعشاش.. تأملات في فن الكتابة» ستكون ممتعة ما دمتَ من الذين يحبون «الحكي» ويفضلون النصيحة المغلفة بـ«حنان أبوي»، لكنه حنان لا يخلو من حزمٍ بالطبع، فـ«الكتابة» عند الروائي عادل عصمت ليست «أسلوب حياة» بل هي حياة متفردة متكاملة الأركان.

أخيرًا.. «كتابة القصص وبناء الأعشاش.. تأملات في فن الكتابة»، ليس من نوعية الكتب التي تُقرأ على عجل، أو تُقرأ مرة واحدة، بل هو أشبه بـ«المرجع» أو «القاموس» الذي نلجأ إليه عندما تعترض طريقنا علامة استفهام ضخمة.. والإجابة – قطعًا- ستكون حاضرة، سهلة وسلسة ومدهشة معًا، بين صفحاته.

مقالات من نفس القسم