كان هذا مجرد قناع

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

ولدت ميرِيل روكايزر في مدينة نيويورك في الخامس عشر من ديسمبر من عام 1913. قضت عامين في الدراسة في كلية فاسار، ثم عادت إلى مدينة نيويورك حيث درست في جامعة كولومبيا. عملت بعد انتهائها من الدراسة الجامعية محررةً لمجلة ستُودِنْت رفيو الطلابية وشهدت حياتها عددا من الأحداث التي تركت أثرا أكيدا عليها وعلى شعرها ومن بينها الحرب الأهلية في أسبانيا، ومحاكمة سكوتْسْبورو في ألباما التي اتهِم فيها بضعة مراهقين أفروأمريكيين باغتصاب امرأتين من البيض ثم ثبت بطلان التهمة بعدما اهتزت أمريكا كلها لهذه العنصرية المذمومة.

تقول الشاعرة الأمريكية آدريان ريتش إن “شعر روكايزر لا يباريه شعر في الولايات المتحدة في القرن العشرين من حيث اتساع نطاق مرجعيته، وسخاء رؤاه، واكتنازه للطاقة، فهي تدفع القراء والكتَّاب والمشاركين جميعا في حياتنا الآن إلى توسيع إحساسهم بما يعنيه الشعر في الدنيا، وبما للمشاعر والذكريات من مكان في عالم السياسة”.

وتمضي ريتش فاقول إن ما شهدته من عنف وظلم سواء في الولايات المتحدة أو خارجها إلى أن تجعل من شعرها مجالا للاحتجاج الاجتماعي. فقد شعرت روكايزر بالالتزام تجاه التعليق على القضايا الإنسانية وكانت مشغولة على نحو خاص بالتمييز على أساس الجنس والعرق والطبقة الاجتماعية. ولقد وثَّقت غير مرة في قصائدها لتجاربها الوجدانية في سياق سياسي أو اجتماعي أكثر اتساعا.

في حوار مع مجلة باريس ريفيو الأمريكية قال الشاعر الأمريكي وليم ميرديث إن روكايزر “كانت أول شاعرة عرفتها معرفة شخصية. فقد عرفتها وكنت لم أزل طالبا بالجامعة، ووجدت فيها إنسانا بالغ الروعة، حتى أن كل أثر للنزاهة في حياتي ليس إلا نتاجا لما رأيته من جمال في إدارتها النزيهة لحياتها وشعرها دونما أدنى فرصة للفصل بين الأمرين، فليس من الممكن في حالتها أن تمرر نصلا من أي نوع بين الشعر والحياة. لقد كان تأثيرها الحقيقي يتمثل في كونها مثالا إنسانيا لما يمكن أن يكون عليه الشاعر”.

وليس غريبا أن اعتبرها الكثير من الشاعرات صاحبةَ التأثير الأكبر عليهن، ومن هؤلاء الشاعرة الرقيقة آن سِكْسْتُن.

توفيت ميرل روكايزر في الثاني عشر من فبراير عام 1980. بعد أن أصدرت نحو عشرين ديوانا، وسبعة كتب نثرية، وأربع مسرحيات، إضافة إلى قيامها بوضع خمس مختارات شعرية كانت إحداها من شعر أوكتافيو باث.

***

رسامون

رسامونْ

في كهفٍ

فيه أيضا لهبٌ عتيقٌ

وامرأة واقفة

مرفوعةَ الذراعين.

وثوبٌ أحمر، ثوب أسودُ

ثوب بني.

وجدار من العتمة الواثبة عليها.

الرجال بالخارج

يصطادون في غبشة الصبح

ولكن هنا

في هذا النور المومض

رجل أو رجلان

يرسمان

وبينهما امرأة.

دواب حية هائلة تنمو على الجدران الحجرية،

بجلودها، بأعينها، بجنسها، بقلوبها

ورسامو الكهف يمسونها بالحياة

والأحمر والبني والأسود

وفيهم امرأة

ترسم.

***

هل هناك ما هو أبسط من هذا؟ أو أرق؟ تركت ميرل روكايزر كل المظالم التي تتعرض لها المرأة في السلم والحرب، في العالم المتقدم والعالم المتخلف، في سوق العمل وفي سوق الرقيق، وأرادت أن تنصفها في ماضيها، أن ترسمها بداخل كهف، واقفة كتفا إلى كتف مع رجلين آخرين، لكي تسجل لنا معهم ما رأتها عيناه في فجر الوجود البشري على هذا الكوكب. أرادت ميرل روكايزر  أن تمد جذورها الفنية إلى امرأة مجهولة الاسم في عصور ما قبل التاريخ.

للشاعرة ميرل روكايزر  قصيدة عنوانها “القصيدة قناعا” تقول في مطلعها:

حينما كتبت عن المرأة في رقصاتها

وجموحها

كان هذا قناعا

وعنهم على جبال لهم

وهم يقنصون من التبر ما يشتهون

وهم ينشدون

وهم منتشون من العربدة

كان هذا قناعا

فهل هذه المرأة قناع هي الأخرى؟ هل كانت روكايزر تبحث عن جذور لها ـ كأنثى وفنانة ـ في عمق التاريخ أم أنها تؤكد وجودا لها هي نفسها سابقا على وجودها الفيزيقي؟ وبوسعنا أن نصوغ السؤال بكلمات أخرى: هل كانت روكايزر تنطلق من نسوية ضيقة الأفق تبحث عن ملعب آخر تنتصر فيه للمرأة، أم أنها كانت نطلق من توتر ذاتي خاص بها، من إحساس بأن للكون في ذمتها ما هو أكثر من حضورها الجسدي الآني، أو أن لها في ذمة الكون ما هو أكبر وأقدم وأكثر غموضا من إحاطته الآنية بها؟

 

مقالات من نفس القسم