قطعة زجاج كأنها سليمة

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

معتز صلاح

أضواء الفجر تتسلل ببطء وهدوء تجرح الليل بسكين بارد بلا نصل.تضئ الشقة الصغيرة من ثقب غير معلوم، ملامح الأشياء تظهر ببطء كأنها تحيا من جديد. لمعة عيونها، انتفضت نقطة عرق تغادر جسمه، علت عيونه نظرة اشتياق عميقة مع رعشته الباردة، رعدت جسديهما العارى. التفتت إليه.. احتضنته دفئاً ..احتضنها خوفاً.. ابتعدا قليلا .. ثم التقيا ...لم تنتفض -كأول مرة - لم يصعق لجمالها ...كأن الجسدين عرفا أماكن اللقاء بخوف وترقب.

أحس الفجر أنه يذبح الليل بلا رحمة، فسطعت الشمس فجأة – رغم عدم أحساسهم بالوقت -محطمة برود الليل، أحسا بصدمة العرى الأولى ..كآدم وحواء.. رغم طقوس الحب الكاملة التى مارساها كوردة عذراء تماماً. استكشفها ببطء وثقة .. بدات كلماته [ بيضاء الثلج.. شفافية بشرتها نورانية] فى إحدى قصصه تتجسد كحقائق يراها أمامه .. لا يكاد يتذكر اين رآها ؟! وربما لم تولد أيضاً الا فى مكان واحد هنا هذه الشقة ؟!

– تذكرين أين التقينا ؟

الإجابة شفتان تستعدان لاستقبال قبلة طويلة، وهذا ما فعله.

عيونهما مفتوحة لكنها لا ترى ..

– أول مرة  قابلتك هنا أيضاً.

ربما أجابته بهذا!!

ووجد إجابة أخرى.

– لم نلتق إلا داخل بيت شعر.

رغم أنها إجابة خيالية إلا أنه فكر أنها تحمل نوعاً من الحقيقة.

سمع اسم الشاعر مرة سابقة، وهذه المرة فى هذا المنتدى يسمعه مع أجزاء غريبة من الشعر وعيناه تلتقيان منحدرتين على كتفيها تنسبا كأنهما سقطا من أعلى رأسهاـ غرقتا فى ليلها الخاص.

مع كلمات الشعر يبدأ فى أكتشافها ..لا .. لم ير نساء من قبل ..لا لم يكن هو صاحب لتجارب أن كانت بشراً !!

ابتسامة ألقتها إلى جالس خلفه.. حاول الالتفات ..حاول الصراخ عليه.. لايستطيع ربما  لا يريد!

عيناها تقيدانه بسلسلة طيف ..يشعر بها جيداً ..التفتت إلى الأمام ..كأنها أطلقت السلسلة .. وكأنه وقع الى الوراء.. نظر بغضب إلى الشخص الذى وراءه .. رأى ..لاشيء!!..لاشيء!!.. مرآة فى الحائط الخلفى ..أتكون محبة لنفسها !

– نظراتك لى كانت بريقاً مستمر .. رغم أنى لم أرك .. لكنى أحسست بشيء يفتشنى من الداخل! فالتفت لأراك .

–  إذن لم يكن وهماً ! أنى لمحت حبك لثوان.

أجابته بقبلة سريعة على صدره .. انتفض بسرعة ..لا لم ير نساء من قبل . ألقى القلم بعدما كتب وانطلق غائصاً الى شفتيها ، ضربة شعاع الشمس بعد لحظات.. وجدها ساعة كاملة .. التف بشعرها.. وكأنه يتقوقع داخلها.. لم يجد يده.. وجد يدهما معاً..وكذلك وجد جسديهما، التحما التحام المشتاق . نطق بكلمة ما .. أسكتته بقبلة طويلة ..فجأة حاولت الابتعاد عنه لا يدرى لماذا؟

رددت كلمات: لا استطيع..لا أستطيع..

وهربت مرة أخرى لكن إلى أحضانه ..تحضنه بكل قواها.. تحاول وتحاول مزج جسديهما فى جسد واحد.. ودت لو انتزعت الضلوع التى تمنع أول كلمة كتبها عنها كانت اسمها ..وظل يكتب اسمها بلا وعى حتى ملأ صفحات ..وهى تلعب معه  تطل عليه من وراء الحروف تختفى فى المنحنيات وتظهر فى النقط. ثم صمم على كتابة قصيدة لها .. رغم أنه لا يكتب الشعر .. وتحركت يداه تحتضن حروف اسمها  فلم ينجح إلا فى كتابته بشكل جديد..تحول اسمها لواقع آخر أجمل .. الى جنته .. كتب اسمها على كل شئ  حتى جسده ..أمسك ظفرها المتوحش وحاول حفر اسمها أعطته قبلا بدلاً.

دقات الساعة …انفجارات فى اذينيهما .. تعيدهما للواقع الذى يتشكل سجنا من ضوء الشمس . دقات الساعة.. انفجارات جنائزية لصورة سقطت عند الألتحام الثالث .. تهشمت تماماً حتى البرواز تحطم الى قطع صغيرة ..التقطت الصورة .. انعكس الضوء عليها فظهر الظل عارياً على الحائط. لم تلحظ فى الصورة سواه، مدتها اليه الى المكتب ….أدرك شيئين : لازال عارياً، انها صورتها مع الأخرى .

ارتعش أحد جفنيه بحركة عصبية قديمة …لماذا؟ ربما لأن الأخرى ما زالت زوجته؟الارتعاشات….الارتعاشات …. كأن نار تعم جسده ، وزوجته تقف ببطء من مكان تحطم البرواز … الآن خرج من الجنة  إلى الجحيم فجأة ، لكن من أخرجه ؟ أهى زوجته ؟ تحولت لشيطان يطارده ؟ بعد لقبها السابق” الملاك” ؟ ولم؟ أم هو الذى تحول لشيطان طرد للمرة الأخيرة من جنة الزوجة ، وما يشعر به مجرد غباء مطلق منه؟.

اقتربت الأخرى منه وأمسكت يده حولت إرجاع ضغته الحانيه لها، الزوجة تقف بينهما تنظر له بعينين تمناهما يوماً، أما الأن …!!التقطت يداه رداء ما .. يرتديه بسرعة ونظرة زوجته احتقار .. الأخرى تحول حنانها  لحضن جميل لشفتيه بشفتيها . الانحطاط تجمع ليكونه هو ذاته ! هكذا احس فى لحظة انفصال شفتيها عنه . فى نفس اللحظة سمع صوته يصرخ بكلمة حبها..لكنه حبس مشاعره المتناقضة مع هبوط اللون الأسود كوباء على الجدران  من نظرات زوجته.

العطش……………………….

حبال حديدية تشرخ عنقه، عطش إلى شئ ما .. لا يدريه.. لكنه بالتأكيد ليس قبلات الأخرى . نجمة تلمع فوق جبين الزوجة .. نطقت بكلمات لم يصله منها الا حرف واحد .. أول حروف أسمه..(م) ….وجه يتجمد لتمثال شمعى تافه مع كل قبلات الأخرى ..ركز أكثر مع زوجته وهى تنظر اليه ببطء شديد ، ولوم أشد، النجمة اللامعة تغزو كل جسدها وتنتشر الحروف مكونة كلمات كثيرة اولها أسمه وكلمات أخرى ..استكمل تحوله لتمثال شمعى هل انصرفت الأخرى أم لا .. لا يدرى. التقط الصورة وقطعة زجاج كأنها سليمة !

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق