قطعة السكر

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 

هايدى فاروق   

بين ثلاثة رجال في الخمسين، كانت هي بينهم في مكان عملها، مهندسة في شركة مقاولات، فتاة في السادسة والعشرين  من عمرها، رائعة الجمال، عقلها يسبق سنها بسنوات، متقدة الذكاء والروح، تم نقلها لإدارة جديدة، ومنذ اللحظات الأولى غزت عقول كل من حولها  في المكتب. فشلت في أيجاد صيغة حوار بينها وبين من هم في سنها، ودون أن تقصد كان الكلام يدور مع من  أكبر منها سنا.

 

الثلاثة يتعلقون بها، يرونها امرأة الأحلام… المرأة التي تحرك أمنية آلة الزمن.. تسمع لهم وتسهر تفكر في مشاكلهم، رجاحة عقلها فرضت نفسها على لقائهم، ويوم بعد يوم كانت تزداد تعلقا بهم  تحتاج حكمتهم وسنوات عمرهم واهتمامهم بها ويحتاجون هم إلى الجمال والصبا فتظل هي الحلم الجميل التفاحة النضرة قطعة السكر التي يحلى بها فنجان قهوة الصباح…

لا يبدأ اليوم بدونها ولا ينتهي الليل حتى يطمأن كل رجل نفسه بأنه سيجدها في الصباح.

في سن الخمسين تنكسر  القوة ويبقى  الفكر فيعطى الرجل فرصة لذهنه كي يفكر و تتحول القسوة التي كانت تنبع من زهوة بنفسه  إلى هدوء  بعد أن يكون خرج من عباءة رجولته  الجسدية ….هي تؤمن بذلك بعد سلسلة من التجارب الشخصية التي مرت بها فكانت ضحية لعنفوان الشباب وغروره .

كل من أرتبط بها كان يأخذ ولا يعطى فلم يسمعها أحد فاعتادت على الصمت. 

 ولكنها وجدت نفسها من جديد مع هؤلاء الرجال علاقتها معهم علاقة خاصة .. تقتل فيها  صمتها

لم يكن جمالها  السهم الوحيد الذي نفذ إلى قلوبهم  ولم تكن الرغبة المحرمة  ما يحرك كل القلوب من حولها بل كانت هي ….

المرأة التى لم يشعر بها من في سنها وتعاملوا معها بسطحية لكسر كبريائها  فدفعت ثمن رجاحة عقلها من  سعادتها..

ولكنها  وسط هؤلاء الرجال تسعد …نفسيتها تتغير وتغير من نفسيتهم

الشهور الأولى بدأت سعيدة تعتاد عليهم يوما بعد يوم       

محي… كاتم الأسرار  تفضي إليه بما يجول بخاطرها تستشيره ويستشيرها مشاكلها ومشاكله همسات بينهما طوال اليوم .

فتحي …ابتسامه أول الصباح لا تبدأ صباحها دون أن تشرب معه القهوة  وتسمع منه أول نكته … عفويته اخترقت حياتها وعشقت طيبه قلبه  ففتحي إنسان حقيقي  يضحك ويبكى  من قلبه 

كارم…. أكبرهم  سنا  لا تتحرك خطوة واحدة دون عقلة و حكمته  تسمع كلامه وتصغي لنصائحه  بدون أن تشعر أنها تصغي  يشاركها القرار فطالما كانت تحتاج لعقل بجانب عقلها    

الثلاثة يخترقون حياتها هي تسمح لهم بذلك  تذوب معهم  تلحظ غيرة كل واحد منهم من الأخر وهى سعيدة فهي غيرة من وجد بعد سنوات من الحزن ابتسامه  وفقدانها يعنى نهاية الكون بالنسبة له .

هي أيضا تشعر بالغيرة عليهم جميعا فلا تستطيع أن تخفى نظرتها الغاضبة  لأي منهما أذا أطال النظر لامرأة  أو أذا تحدث مع عميله أكثر من المفروض أنه نفس الشعور.. الخوف من فقدان  الأمان بعد سنوات من الخوف.

توفى والد زميلة لهم في العمل فذهبوا للعزاء وكانت هي المرة الأولى لهم جميعا ليلتقوا بها خارج  مكان العمل .

دارت بينهم أحاديث متفرقة  كان كل منهم يحاول اجتذابها في حديث خاص به  لا أحد منهم يتوقف عن الحديث معها وهى لا تستطيع الرد على الثلاثة معا 

وأمام مدخل الجامع تفرقوا فذهبت  هي  لعزاء السيدات وذهبوا هم لعزاء الرجال

جلس محي على أول مقعد قابله يفكر فيها .. المرأة التي غيرت حياته بأكملها فسحرته  منذ أول يوم رآها فيه  شرد ذهنه في جمال عينيها أنها بلون البحر .. خصلات شعرها المتهدل على جبينها  وتلك الخصلة التي كلما تحدثت سقطت على عينيها فأزاحتها بأصابعها الرقيقة   إيماءتها وهى تستمع له..  لأول مرة يشعر أنه يحتاج لامرأة تسمعه  كان يتخيل أن الرجال هم من يسمعون فقط ..في أحيان كثيرة كان يتصل بها ليلا ليخبرها  بأشياء صغيرة لأنه لا يقوى الانتظار حتى الصباح ..ما أجمل أن يكون لديك إنسان يستمع إليك هي أيضا صارحته بذلك قالت له أنه كسر صمتها أخرج المرأة الثرثارة من داخلها… آية في الجمال والرقة وهى تحكى تتكلم بعينيها بشفتيها  بجسدها كله .

رشف رشفة من فنجان القهوة الذي وضع أمامه وألتفت إلى فتحي  هو أيضا شارد الذهن يفكر فيها فلسنوات طويلة خاصمته الضحكة على الرغم من أنه معروف بين أصدقاؤه بدمه الخفيف وحبة للنكات إلا أنه أدرك بعد أن عرفها أنه كان يتحدث طوال سنوات عمرة من وراء قلبه.. معها فقط عرف كيف يتحدث الرجل من داخل قلبه  وتساءل كيف  احتلت  قلبه وفكرة  بعفويه وتلقائية كيف لا يفارق وجهها  مخيلته  كيف تتواجد جانبه طوال الليل فلا يشعر بزوجته ولا يشعر بأي شيء إلا بها…. بل أن الساعات التي يقضيها في المنزل تمر ثقيلة بطيئة لا يهونها إلا طمأنته لنفسه بأنه سيراها غدا لم يعد يكتفي بالساعات التي تمر خاطفة وهى بجانبه أنه يريدها ما تبقى من العمر .

الشيخ ينهى تلاوة الربع الأول من القرآن والحركة في قاعة المسجد تزداد البعض ينصرف والبعض الأخر يأتي مقدما واجب العزاء كارم أتصل بها فأخبرته بالانتظار لربع أخر.

أغلق الهاتف معها وصوتها لا يزال يتردد في أذنيه أنه يعشقها لم يرهق  ذهنه لتصنيف عشقه بها فهي  في حاجة إليه وهو في أمس  الحاجة لحنانها   فبعد هجرة أبنه الوحيد  لأمريكا فقد أحساسة بالعطاء وظهرت هي في الوقت المناسب لتأخذ دون حساب وليعطيها من سنوات خبرته ويكون لها ضهر في الدنيا .. في وحدته لا  يسأل عنه أحد غيرها توقظه فى الصباح وتطمئن علية قبل أن ينام أذا شرد ذهنه أثناء اليوم تكون أول من يقترب منه  وبهمسها الرقيق تنتزعه من براثن  أفكاره  يشعر بالغيرة أذا تحدث معها زميل شاب  لهم في العمل لا يعرف أذا كانت غيرة رجولية أم خوف عليها من أن يلعب الشاب بعواطفها مشاعر مختلطة لكنه لا يرهق نفسه في التفكير هو يعشقها يريد امتلاكها يخاف عليها من كل شيء وأي شيء يعتصر خبرته وسنوات عمره ويقدمها إليها ….

 الشيخ انتهى من الربع الثاني ..خرجوا من قاعة المسجد وأمام رصيف  معزى السيدات  اصطفوا معا في انتظارها   وكل منهم قد قرر الاعتراف بعشقه لها. ..

خرجت.. استوقفتها نظرات عيونهم، فهي تلمح في عين كل واحد منهم حبا حقيقيا، ولكنها لم تتحدث مع نفسها قبل ذلك لتعرف ماذا تريد منهم، إنها تحبهم جميعا لأنهم يشبعون احتياجاتها والتي اعتقدت في يوم من الأيام أنها أصبحت امرأة بلا احتياجات. معهم  تتكلم وتضحك وتحملهم مشاكلها …لكنها تخشى على علاقتها معهم أن يعكرها شيء ما،  فهي أكبر بكثير من حب رجل لامرأة، قهى لم تشعر بنبض قلبها إلا معهم  .

نظرت إليهم في استجداء كي لا يتكلموا، دعت من قلبها  و تمنت أن  يتوقف الوقت لا تريد أن تسمع يكفى أنها تشعر

لم يتكلموا استجابوا لنظرة الاستجداء في  عينيها  خافوا على قطعة السكر أن تذوب فتعود مرارة الحياة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هايدى فاروق

قاصة – مصر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اللوحة للفنان: محسن رفعت – مصر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق