قصائد من ديوان “أبعد بلد في الخيال”

أبعد بلد
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

(الحَكَّاءُ الضال )

لا زلتُ هارباً، من أن أقول ما جرى.. أن أنفجر  وأُلوِّنَ أوهامي وأصير حَكاَّءً.. أحمل على ظهري عدة حواديت كبرى، أمشي بهم وأستمع لدبيب آلامي تحت وطأتهم دائماً دائماً.. في الشتاء يُغيِّمونَ الرؤية في عيوني وفي الصيف تلتفُّ الحكايات حول عنقي فيضيق تنفسي ويَزْرَقُّ وجهي وتتشاءم مني أمي وتخفي حبيبتي خوفها لكنني أُدركُ..

و رغم ذلك أجري بعيداً كلما بدَأَ لساني في العَدْوِ.. أهلي من الحَكَّائين المشهورين كانت نهاياتهم مرعبة، بعدما صاروا هم أنفسهم حواديتَ وأبطالاً في الفضيحة المتحركة أو بالأحرى مجرد بالونات، ريشٌ مُلَّونٌ، يطير مع دخان السجائر في المساءات التي يبحث فيها كل وحيدٍ عن شَبيهْ.. يمضغ لحوم الأبطال على شَرَفِهِ وتحت مظلته.. لماذا أسبحُ في هذا المصير.. لماذا أعيشُ تحت هالةٍ تسلبُ حريتي.. القديسون محجوبونَ عن زمانهم وعن أنفسهم، مُخْتَرَقونَ بسلاسل الضوء و البريق.. اعتدتُ على آلام حكاياتي وعلى كوني معذَّبٌ أصيلٌ بها للأبد، واعتدتُ كذلكَ على ألا يصلني بكاؤها..

والحق أنني أتجاهل توقها للحرية..

أقتلُ و أمسح الدماءَ عن أسناني..

أنا ضحيةٌ وجلادٌ في نفس اللحظة..

أنا الذي عندما أنامُ،

تطلُعُ حكاياتي وتملأ الوسادة

فأصرخ و أبتسم معاً..

وعندما أصحو وأنا ألهث..

أَلمُّها في حِجْري

بسرعةٍ..

و بكل هِمَّة..

……………………………………….

(البهاء..)

لأني كنتُ وحيداً تماماً، كان النهارُ يَمُرُّ عَليَّ وأنا عارٍ من أيِ مجهود يدعوني للسقوط في النوم المقدس كالجثة ليقول الكبار بعدها في جلسات نميمتهم “الولدُ نائمٌ كالملاك..” لهذا كنتُ أحدِّقُ في الظلام فتراتٍ طويلةٍ حتى يَهِلَّ الوحشُ الجديد، المختلف في كل يوم، والذي كان مبدعاً يُغَيِّرُ ألعابه وأرديته بما يكفي لرعبي ومحاصرتي فَأُغلق بواباتِ خيالي وأحبسُ الصرخاتِ حتى أسقطَ في الدَوَّامةِ مُستقبِلاً النومَ بوضعية الفارس الذي يُطعَنُ على راحتهِ.. ومَرَّت الأيام واعتدتُ على اكتناز الظُلْمَة بحالها، بكل النيران و الدماء و الحِراب الأفريقية المسممة.. وبعدها نَضَجتُ وصرتُ قادراً على الاختزال، فاحتفظتُ من كل هذا بدهليزٍ طويل في آخره ابتسامة متشفية وساخرة.. مجرد فَمٍ بلا أسنان لكنه يجمع بين الرعب والمحبة والعَدوِ طويلاً والجنس والدماء والورق والأشجار والرعشة و القهر.. الخ في حبلٍ مجدولٍ بصرامة.. صار هذا هو الحاصل والكنز، والكفيل– طبعاً– بتنشيف الدم في العروق ومنع الرؤية عن الحدقات الجاحظة.. وعندما سكنتُ في منطقة فقيرة تنقطع الكهرباء فيها أغلب الوقت، صرتُ أستقبل الأمر بجلوسٍ هادئٍ وتصفيفٍ للشَعر وملابس نظيفة و مكوية.. حيث البوابة السحرية ستنفتح بعد قليل..

و في آخر العمر، أقصد في نهاية ذلك الطريق الغامض، سيهلُّ فَمٌ يذكِّرني بأني بلا أصدقاء ولا أعداء لكني مميزٌ حقاً.. خَلَقتُ دنيايَ الحقيقية وصار القَدَرُ في كَفِّي.. 

يوم احترَقَت عظامُهُ واهترأ جِلْدُهُ و تذوقتُ رائحة البهاء..

أقصد النور الأصيل..

الذي يُزَيِّنُ جدران ممرٍ طويلٍ فعلاً،

ويشبهُ الدهليز..

…………………………………………………

(يَشُدُّ الحياةَ للداخلِ)

* يكُبُّ دمَهُ من النافذةِ

ليَطلُعَ في الوردةِ شَبَهٌ منهُ..

شَبَهٌ صغيرٌ يُلقي عليهِ تحيةَ المساءِ

ويخففُ من كثافتهِ الثقيلةِ كأنها جبل

و عندما يموت

ينامُ على قبرِهْ..

النقطةُ الأولى آذت التربةَ في عفافِها

والثانية أغضبت الكبرياءَ

لأنهُ صامتٌ منذُ سنواتٍ

وتلويحتُهُ قبل فواتها تيبست وارتعدت..

.. و الثالثةُ و الرابعةُ..

في المساء فرغتْ القطرات

وكانت اللعبةُ أعجبتهُ

فصَدَّرَ نورَ عينيهِ

ثم خرائطَ عظامهِ

ثم الذكرياتِ الباهتةَ

.. حتى أُتخِمَ الطينُ

وأخرج له وردتهُ المنتظَرَة..

لها صوتهُ الوحشيُّ

و ظِلُّهُ بأطرافها

كأنهُ المَلاكُ

الحارس..

* يدايَ خارجَ البابِ

ثم قدمايَ السمينتانِ..

كنتُ أُجرِّبُ أن تتجمَّدَ أطرافي.. الأطراف الزائدة عن الحاجةِ.. و التي تَضطرُنِي لفعلِ جرائم من قبيلِ المشي تحت ظِلَّكِ ودفن أحلام الوسادةِ في ظَهْري ومصافحةِ الفزعِ في العيونِ..

ستقتحمُ البرودةُ العِظامَ، لن تتسللَ، ستنهَشُ وتزيحُ من طريقها الجبالَ والكلامَ والحُفَرَ والصناديقَ التي تخفي  أمرَكِ عني..

سينتصرُ الثلجُ على الحرارةِ الزائفةِ

و تقولَ الروحُ

لا تحسبوا الخسارةَ و فوتوا..

.. أَعدو ولا أَعدو

لكني أُحَلِّقُ

و أُحَلِّقُ..

* يَصُبُّ جِلْدَهُ في قالب

ويغرسُ أصابعَهُ

ويسقي بعصيرهِ اللاذع

ثم يتمدَّدُ في الشمسِ

لتخرُجَ الديدانُ

وحوالي خمسينَ رَفَّةً

ودعاء الأختِ البهيجِ

الحَوَافِّ..

الرجلُ محتارٌ في الروحِ

كيفَ يُشَذِّبها بالمقص الكبيرِ

وكيف يناقش استيلاءها على صورةِ الصالونِ

وانكماشها في الأعيادِ..

سينتخب مفتاحاً، شريفاً لا صدأَ

فيهِ

ويبصُّ على قلبهِ

ويرصُّ الجِلْدَ على الأرففِ..

المحظوظُ بنفسهِ،

لا تزال في حقيبته ألعابٌ ومفاجآت

كأنه نفس المومياء

التي ظلَّت

تبتسم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 الديوان صادر عن دار الأدهم 

مقالات من نفس القسم

أسامة كمال أبوزيد
يتبعهم الغاوون
موقع الكتابة

أحلامنا