قراءة في كتاب “المصطلحات الفنية في الممارسة النقدية التشكيلية ” لـ د. إبراهيم الحجري.

المصطلحات الفنية في الممارسة النقدية التشكيلية
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

عبدالله مرجان

صدر للباحث والناقد المغربي إبراهيم الحجري حديثا عن دائرة الثقافة -حكومة الشارقة -دولة الامارات العربية المتحدة، عمل نقدي جديد موسوم ب  المصطلحات الفنية في الممارسة النقدية التشكيلية العربية (الخلفيات -الوظائف – والابعاد )، يقع هذا البحث النقدي التشكيلي القيم  في 274صفحة، مذيل بلوحات تشكيلية لفنانين تشكيليين عالميين كالفنان جورج براك في أول لوحة تكعيبية له لرسم مناظر طبيعية والفرنسي كلود مونيه أول من رسم في الهواء الطلق، والهولندي جان فارم الذي استثمر الرصيد الفني في التوثيق لمشاهد بيتية وأسرية وآخرون.

وخول هذا البحث المتميز  للدكتور ابراهيم الحجري الظفر  بالجائزة الثانية، لجائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي الدورة (11) سنة2020 

والأكيد أن جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي باتت من الجوائز الأكثر حضورا في السنوات القليلة الماضية ،لما لها من سبق وريادة في مجال تخصصها البحثي على المستوى العربي ،فهي تعمق الصلة بين الاشتغالات العملية والتنظيرية،عبر سلسلة من البحوث العلمية الموثقة، والخاضعة لتحكيم قادر على انتخاب المتميز من الأعمال النقدية التشكيلية ونشرها على نطاق واسع ،رغبة في تعزيز مكانة البحث و الكتابة النقدية في مجالات الفنون البصرية..

ويبرز الناقد ابراهيم الحجري أن انشغالات الدرس النقدي التشكيلي العربي تتنوع، ويتعدد منجزه تبعا للوظائف والأبعاد والمنطلقات الفلسفية والخلفيات المنهجية، غير أنه بقدر هذا التعدد؛ والتنوع، وغنى تخصصات النقد التشكيلي، وتراكم منجزاته، واختلاف أسئلته ومنطلقاته، تستفيد الساحة الفنية، وترهّن قلقها المنهجي والوظيفي، وتتطوّر المباحث التشكيلية، وتتعمّق الرّوافد الدّلالية والشكلية، ويتسع وعي الفنانين والنقاد معا 

ويرى الباحث الحجري أنه ومهما كانت الحدود بين التخصّصات، وأنواع النقود الممارسة على المشهد التشكيليّ العربيّ متباعدة وفاصلة، بحكم اختلاف المنهجيات والوظائف والأهداف، وتنوع المقاصد والغايات، وتنوع الأدوات والعدة والوسائل، فإنها مجتمعة تفيد المنظومة الفكرية الفنية، وتغني السؤال النقدي الفني، وترفد التوجهات البحثية الممكنة في مجال النقد والممارسة التشكيليين.

ولاريب أن في كل التنويعات النقدية والبحثية المتعلقة بالتشكيل، تشكّل المنطلقاتُ المصطلحيةُ حجرَ الزاوية في كل ممارسة نقدية، ويمثل الضبط المعجمي والمفهومي محكّا فاصلا في تحديد الرؤية الفكرية والتصورية، والارتقاء بها نظريا وتطبيقيا، مع تجنيبها الهفوات المنهجية الممكنة، وتقويض الملابسات المعيبة، والمُسْبقات المغلوطة القادرة على تمويه النتائج، والانحراف بها نحو محطات هامشية، ومسالك ملغومة يلفها الغموض والضبابية.

وعليه، فإنّ التفات المشهد البحثيّ التشكيليّ إلى قضايا المفهوم، واهتمامه بالمصطلحيّة النقدية التشكيلية، أمران كفيلان بالنهوض بالرؤية النقدية الفنية التخصّصية، وإفادة الممارسة التّشكيلية، وإثراء وعي الفنان التشكيليّ، والقضاء على الكثير من إكراهات الدرس النقدي التشكيلي، وتنحية عدد كبير من المزالق والتحديات التي تقف عائق وسُدّاً منيعاً أمام تحقيق الغايات المرجوّة، والقفزات المتتالية نحو النجاحات المستحقة؛ إسوة بالتجارب الغربية. 

ويعتبر التفكير في الاصطلاح الفني بالنسبة للنقد التشكيلي خطوة حاسمة في حلّ عدد كبير من الإشكالات المتعلقة بالتحليل والتأويل وملامسة الجوانب الجمالية الشكلية والمضمونية، سواء تعلق الأمر بالباحثين المتخصصين في مجال الفنون، الذين يتناولون قضايا نظرية ومعجمية ومنهجية، أو بالنقاد المتبعين للمشهد التشكيلي، والواصفين لحركيته وديناميته الأدائية، أو تعلق الأمر بالفنانين الممارسين الذين طوروا، مع مرور الوقت، وعيهم النقدي بمجالات الفن، وجوانبه الجمالية والتصورية، وأبعاده الشكلية والمنهجية.

وأوضح الحجري في فصول الكتاب أنه إذا كان مجال الدراسات في العلوم الإنسانية قد حقق، على المستوى الأكاديمي، طفرة ملموسة على مستوى مراكمة المنجزات النقدية والمصطلحية والمنهجية في البلاد العربية، وأسهم، بشكل ملحوظ، في إثراء الساحة المعرفية بحراك متواصل، ونقاشات مستمرة حول الوضع الإنساني وانشغالاته المتعالقة التي لا تقبل التجزيء، وحل، بشكل جزئيٍّ، كثيرا من إشكالاته الملازمة للتحيين والمساءلة والموضعة السياقية والتبيئة، فإن المصطلحية الفنية والدراسات النقدية التشكيلية، على المستويين النظري والتطبيقي، تستفيدان معا من هاته الحركية، وتعمل على استمرارها، لعدة أسباب، أهمها:

انفتاح الدراسات النقدية والمصطلحية في مجالات العلوم الإنسانية على بعضها، وانفراج مشكلة التخصص الصافي أو الخالص، وإيمان المتخصصين، مع هيمنة الطفرة المعلوماتية والوسائط التفاعلية، بضرورة التفكير الترابطي في المناهج والموضوعات والأدوات النقدية والمنجزات الإنسانية؛ سواء كانت فنية أو حرفية أو فكرية مجردة، دون نسيان السبق الذي عرفته مجالات أخرى على مستوى التراكم الكمي والنوعي مثل: اللسانيات والدراسات الأدبية والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والسيميولوجيا والسينوغرافيا وغيرها، مقارنة مع الدراسات النقدية التي تتناول المنجز الفني التشكيليّ، سواء في بعدها الأكاديمي التصوّري، أو في بعدها التطبيقي التحليلي، ناهيك عن كون أغلب من يشتغلون في الحقل الفني نقديا، قد تشبعوا بشكل ما، بالمادة المعرفية المتنوعة التي تتيحها الدراسات المتعددة في مجالات العلوم الإنسانية مثل الفلسفة، وعلم الاجتماع، واللسانيات، والنقد الأدبي، وتاريخ الفنون والعلوم، وما إلى ذلك… 

والأكيد أن  هذا الوضع الإبستمولوجي جعل الدراسات الفنية التشكيلية تبدو، كأنها الوليد المتوهج الصادر عن تقاطع كل المناهج والتّخصّصات المعرفية، وإن انفردت بعدتها المنهجية والمصطلحية والمفهومية. وتميزت بأسلوبها المنفتح في التحليل والتأويل والتشريح، وتأثرت بطبيعة المادة التي يشتغل بها نقادها وباحثوها، فنحتت مسارها؛ بالموازاة مع باقي التّخصّصاتِ رافدةً منها، وموسّعةً دائرة انشغالاتها وأسئلتها، ممّا ينبئُ بكونها التّخصصَ الواعدَ الذي ستكون له كلمته في المستقبل؛ بحكم تفاعله القوي مع مكونات الوسيط الجديد الذي صار يهيمن على كل شيء. 

  وتكرّس ثقافة البحث المصطلحيّ، على مستوى التّخصصات النقدية، تقاليدَ التأصيل المعرفيّ؛ خاصة إذا تعلق المجال بتخصصات متواصلة الدينامية كالبحث النقدي التشكيلي، الموصول بعوالم الحركية التقنية اللافتة التي تبيحها الانفجارات المعرفية والتكنولوجية المتجددة على مدار الساعة، بفعل هيمنة الوسيط الجديد المتصل بالفضاء الشبكي، والمرهون بالاهتمام البالغ الذي توليه الأجيال الصاعدة للتطورات العلمية والوسائطية، والإقبال المنقطع النظير للباحثين والفنانين التشكيلين بالخصوص، على توظيف مكتسبات العصر التكنولوجيّ الرقميّ في الارتقاء بالجوانب الجمالية للصورة والحس البصري وجودة المنتجات الفنية، وتسخير الكفاءة العالية للتكنولوجيا السمعية البصرية في تجويد منجزاتها، ووضعها رهن إشارة المتفاعلين والمبحرين والمقبلين على الفضاء الشبكي بشراهة.

كما أن عملية الانتباه إلى ما يوظفه الناقد التشكيلي من مفاهيم مصطلحية، يعمق فهمه لعدته المنهجية واللغوية والمفهومية، مثلما يبصّره بالخلفيات الإبستمولوجية التي أفرزتها واحتضنت تربتها قبل أن تشيع في مجالات تخصصية أخرى، ويتعرف خصوصيات استعمالها، والفروقات بين حواضنها المعرفية، والاختلافات على مستوى رؤية النقاد والباحثين إليها؛ حسب انتمائهم التخصّصيّ، ويميط النقاب عن الآثار السلبية للتداول المتسرع والعشوائي للمفاهيم دون تمحيصها، ودراسة نسقها التنسيبيّ والمعجمي والتصوريّ، مما يدعو إلى المزيد من الحذر المنهجيّ، واليقظة المعرفية في التعامل مع البديهيات والأنساق بروح سلبية مطمئنة، سواء كان ذلك، على مستوى الأفراد أو المؤسسات.

ويؤكد الناقد إبراهيم الحجري أن  البحث في المصطلح الفني التشكيلي، يطرح قضية الحقل المفهومي بإلحاح منهجي شديد التعقيد، نظرا للالتباسات المتوفرة في المتراكم والحصيلة، لكون العمل المنهجي في البحث التشكيلي المراهن على التصورين النظري والتطبيقي وما بينهما من انسجام وتوافق؛ يتطلب تحصين العدة الوصفية والمنهجية والمصطلحية عن طريق استحداث مبحث الاشتغال المصطلحي ضمن مجال الفنون التشكيلية؛ بوصفه مصفاة موازية لاشتغال النقاد والأكاديميين، على غرار باقي التخصصات، عوض أن يظلّ هذا التخصّص الحيويّ الحافل بالمستجدات رهينا، على المستوى العربيّ، بما يفدُ عليه من مجالات قريبة أو بعيدة، وهو الأجدر بأن تتحقق له الإنجازية المهمة على هذا الأساس، بحكم سياقه التأثريّ إسوة بباقي التخصّصات اللصيقة التي تنهل من روح العصر، وتتغذى من طبيعته التّطورية الخصبة.

ولا يجازف ذات الناقد حين يقر بأن  الفنّ رافق الإنسان في رحلته الممتدة في التاريخ، وصاحبه خلال مساره الوعر في الصراع مع الطبيعة، والبحث عن حياة أفضل، وقد كان الفن من بين القنوات الأساسية التي يعبر من عن تصوراته للحياة والعالم، وينفث فيه مخاوفه ومشاعره، بل إنه ظلّ، على مدار سيرورته الحضارية، يستلهم من الممارسات الفنية التي يقوم بها، تبعا لإمكانياته، ووعيه بالأشياء والأفكار، ممكناته الفلسفية والمعيشية، ويستمد منها القدرة على التّصدّي والمجابهة، واستكمال المسار.

وبما أنّ الحضارة البشرية شُيّدت، على مراحل متدرجة، الواحدة تلو الأخرى، في إطار التجاوز، والإغناء والإثراء، فإن ذلك كله، كان يحدث على مستوى النظريات الفلسفية المؤطرة التي شكليات خلفيات أي حركة تطورية، إذ يستحيل أن ينطلق قطار الحضارة دون مرجعيات تصورية ناظمة، تمنح الحقول المتفرعة عنها مفاهيمها، وخطواتها الإجرائية، ووظائفها المنهجية، وأدواتها العملية كي تستقيم وضعياتها داخل النسق العام، وإلا فإن الفوضى المفهومية، والخلط المنهجي سيفضيان بالمسار إلى الهاوية ونقطة النهاية. 

وعليه، تأطرت كل تصورات الإنسان داخل نظريات كبرى، يجتهد الفلاسفة، والعلماء لتصميمها؛ انبثاقا عن مراجعات متواصلة للنظرية السابقة، إثر عجز تبديه، أو نقص مفهومي يخلط أوراقها إزاء معضلة ما، فما تلبث هاته المراجعة أن تنعكس على كل المجالات الإنسانية، حتى وإن لم يلمس ذلك عدد كبير من البشر، ممن يسهم في حقل من الحقول التطبيقية، أو ممن يقومون بأعمال هامشية دون وعي منهم باشتباك مجالات المعرفة.

وكما هو معلوم ومتعارف عليه ومتداول بشأنه، تنشأ المفاهيم جينيا، في اختلاجات الهواجس الأولية للنظرية، وكأنها الأمشاج التكوينية التي تتخصّب عنها كل التفرعات والتصورات اللاحقة، فتَكونُ مصطلحاتٍ عامةً، تصطبغ بالنسق العام للنظرية، وتتلبّس بلبوسها النوعيّ، سواء كانت نظرية في البيولوجيا، أو نظرية في الفيزياء، أو الكيمياء، أو الرياضيات، أو الهندسة، أو العلوم الطبيعية، ثم تتفرع المجالات، وإن ظلت لصيقة بأفق النظرية، وترحل معها المفاهيم والمصطلحات، فتتلقّفها فلسفاتُ الفروع والتخصّصات الإنسانيّة على شساعتها وتقاطعها، وتسبغ عليها خصوصيتها، وقد تعدّل من دلالتها، قليلا أو كثيرا، حسب السياق والحاجة، لكنها تظل، مع ذلك، تحت جناح النظرية، تتغطى بغطائها، وتحمل قبعتها

ولذلك، حرصتْ فلسفةُ الفنون- وهي المجالُ الحاضنُ لأسئلة الفنون قاطبة، ومفاهيمها، وتشعباتها، وتقاطعاتها- على أن تكون العامل الوسيط بين فنّ ما، أو إطار جمالي معيّن من جهة، والبراديغم النظري العام من جهة ثانية، وكأنه المصفاة، أو المعمل الذي تُقَطّر فيه التّصورات، وتصمّمُ فيه المفاهيمُ والمصطلحاتُ على مقاس المجال الفنيّ، حيث تستوحى الأدوات والعُدد الإجرائية من مجالها النظريّ الشاسع والعامّ؛ في مراعاة لطبيعة النّسق، واستحضار لخصوصية التخصص الفني، وخصيصاته النوعية المميزة، علما أن كل عمل لا يستند إلى هاته القواعد، قد يسيء للنظرية والمجال معا، ولربما ساهم في خلق بلبلة وتشويش على طبيعة الاشتغال الفني، وأنشطته النقدية والإشعاعية والجمالية الموازية.

كان من الطبيعيّ أن تستمد الأدبيات النقدية الفنية مادتها الجمالية، ومعاييرها المؤسسة، ومصطلحاتها الجامعة من هاته الفلسفة الجمالية العامة، حسب التخصصات الفنية: التشكيل، الموسيقى، المسرح، السينما، العمارة، النحت، الغناء، الرقص، وغيرها… كل حسب إطاره الجمالي، وخصوصياته المعرفية والأداتية، علما أنه يبقى للناقد الأحقية في انتقاء العدة المفهومية والمصطلحية الملائمة، لمباشرة قراءاته للأعمال الفنية، وفك شفراتها، وتفكيك بناها الملتبسة، من أجل تقريبها من المتلقي، دون إلحاق العسف بها، أو تحميلها ما لا تحتمل من معان.ٍ

وانبثاقا عن هذا السرد الكرونولوجي للتيارات الفلسفية والنظريات المتعاقبة على التفكير البشري، يرى الباحث الحجري كيف أن الإطار العلمي العام الذي يحضن الخلفيات الإبستمولوجية، والسياقات الابتكارية؛ هو الذي يمد المجالات الإنسانية المتفرعة عنه بالعدة المفهومية والاصطلاحية، ويضع، رهن إشارتها، المادة الإجرائية حسب تخصصاتها، وطبيعة اشتغالها، في انسجام تام مع وظيفة الفلسفات المؤطرة، ومنها فلسفة الفن والجمال التي تعمل على استنطاق النظرية، واستخلاص أدواتها منها، لتضعها هي الأخرى رهن إشارة التنويعات الفنية، وتفريعاتها، وإن بدأت النظريات ما بعد الحداثية تؤمن بتكاثف الفنون وتداخلها، وتعاونها على تحقيق المعنى، استنادا إلى الخدمات المذهلة التي صار يقدمها الحاسوب، وما يدور في فلكه من عدة وتطبيقات شبكية، تتطور باطراد، محققة كشوفاتها التكنولوجية والاتصالية بسرعة لا تُجارَى.

……………

كاتب من المغرب

مقالات من نفس القسم