في فانتازيا الرجولة.. أمل يختبئ من الفقر

ملف "الألم".. أو عقوبة الحرية بالحنين
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

غادة نبيل

الفقر هو قضية القضايا في ديوان الشاعر محمود خيرالله “فانتازيا الرجولة” ، حيث يكتب الشاعر في هذه الباقة من قصائد النثر ـ وإن كنت لم أعد أحب التصنيف ـ عن إحساس المداسين ووعيهم الطبقي الحاد الذي يأخذ شكل الفوارق المادية الأليمة ، ينسكب ألم الحرمان ـ وهو يستخدم الكلمة صراحةً ـ في قصائد:”اشتراك، ربما شجرٌ لدموعي، حسناً سوف أنتظر، من أعلى مرة واحدة، البطالة بوصفها حافظة نقود، كان يا ما كان ، مخاوف صغيرة تجرح الماضي، الحقد على صلاح حامد..وغيرها، وأحياناً نكاد نخاف على الشاعر من علو نبرة الرثاء على النفس، ونحن لا نشك أنه ليس من رومتنسية في الفقر، لكن هناك اقتصاد كبير في المفردة .. والمباشرة التي تؤجج حدة المعاناة موجودة في قصيدة هنا مثلاً :

“مثلما يذوب السكر

في مؤخرة الكوب

يذوب في مؤخرة كل شهر

شاعرٌ من مصر”

طبعاً أحياناً قد لا يكون من بديلٍ عنها، وهذا رغم وعي الشاعر بالأشياء الرائعة التي يحظى بها، يقول مثلاً “ مع أن لي زوجة بشعيرات بنية هفهافة وطفل بعينين رائعتين وفم“.

إن الرجولة التي ينعاها محمود خيرالله لا تصير فانتازيا إلاّ تحت تأثير الرعب، فالشاعر مسكونٌ بكل ما هو سلطوي أو يملك القهر، الفقر هو الغول الأول كما قلنا وقضية القضايا، إذ لا تخلو قصيدةٌ من أثره ولكن الرعب من الأب الذي تتم الإيماءة إلى كونه طاغية يكبر ويتداخل مع مخاوف قطع الرزق والعمل.

يتميز وصف الشاعر لمشهد غسل وتكفين والده بحيادٍ يتظاهر بلا مبالاة، لكنها دلالة وجود عملاق للكيان الأبوي بداخله فهل يشرع في قتل الأب ـ أدبيّاً ـ أو الانتقام منه متأخراً شأن الحداثيين الذين عاب عليهم الشاعر حلمي سالم في بحث قدمه في مواجهة دراسة عن قصيدة النثر للشاعر رفعت سلام بمؤتمر الشعر العربي الأخير، وحينما تساءل حلمي سالم” وما ذنبي أنا إن كان أبي طيباً وأحبه ولا أريده ميتاً” تلك العقدة الأشهر بين الكثير من الشعراء ـ غير العموديين في مصر، والحياد أحياناً قد يكون قسوة، وإلى هذا النوع من الحياد ينتمي تناول محمود خيرالله لرمز الأب، وأقصد كلمة رمز لأنه بالنسبة له لا يبدو أن الكلمة تمثل مفهوماً أو تشير إلى أية ذكريات دافئة، و المقارنة في إحدى القصائد بين الأب والزعيم الذي يجعله جمال عبدالناصر في مشيخة الأزهر تحمل السخرية السالبة من الأب لصالح رمز سياسي تتوثن صورته.

قبل أن نجيب على الشاعر وهو يتساءل بمرارة “أنا أصلح لمن” ويمنحنا ردوداً تحيل إلى اللاحدودي والإحباط وتحقير النفس ، نجده يعود لينفي نفيه بعد أن قال    ” أنا لا أصلح لأحد” ليقول ” ربما بعد أن تنمو ضلوع جديدة لطفلي الوحيد أصلح”.

عودة إلى الملف

مقالات من نفس القسم