في صحبة الحزن

نهى محمود
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

الصدفة ذاتها التي جعلتني أسحب رواية " البطء" لكونديرا من المكتبة، هي التي جعلت تلك السطور تلوح لي وأنا اقلب في صفحاتها قبل القراءة " لماذا أختفت لذة البطء؟ أين ذهبت هويني السنوات الخوالي؟ أين راح متسكعو الأغنيات الشعبية، والمشردون الذين كانوا ينتقلون في تكاسل من طاحونة لأخرى ثم ينامون تحت النجوم ؟" ..

 

تلك السطور التي أثارت في جسدي نشوة الكسل ، غرامي بالتشرد والسير بلا هدف لساعات تحت الشمس، ومتعة البطء، ودفء الحزن..

الحزن الذي يعرف مكانه المفضل في قلبي ، يستيقظ بنشاط ويهمس بأنه جاء زائدا بقنطار عن المرة الفائتة ، بحسبه بسيطة أعرف انه تضاعف هذه المرة ، وأن الدماء الغامقة الكئيبة التي تسير في عروقي تعرف في دورتها أن الحزن جاء .

لا ارغب هذه المرة في مقاومته، ابتسم له ، وأتركه يتأبط يدي، ونختار بلا اتفاق ان نتمشي في الشوارع التي نحبها ، نقتسم كوب شاي من الفلين ، نجلس على الرصيف ونحدق نحو السماء ، ونصمت .

في جلستنا تلك يبدو الصمت رائعا ، والشمس دافئة ، والفقد كبير ، العالم خاو من الأحبة ، طعنات القلب القديمة تنز ، تقرحات البؤس تحتاج لبعض العناية ، وأنا احتاج للغياب .

تجتاحني خواطر مراهقة تماما ، أعرف ذلك من اللحظة الأولى ، لكني لا أصدها ..

أخطط في اليوم الأول للهروب من البيت ، أنشغل بالتفكير في تدبير مكان للنوم ، اعد في عقلي خططا وتدابير حتى لا يعثر عليّ أحد ، قبل أن تبرز العقبة التي لا اجد لها حل ، ربما تنفذ في خطة الهرب أيام اجازاتي السنوية كلها  ، وسيكون عليّ عندما يجدوني وتجتمع سيارات الشرطة والإسعاف وبطانية رمادية تلفني حتى تحميني من البرد أو النار كنهاية كلاسيكية لفيلم أكشن طالما طاردت العصابة و الوحوش والديناصورات والبراكين وربما الكائنات الفضائية البشر  حتى بتنصر الخير وذكاء الإنسان في النهاية .. سيكون عليّ بعد كل ذلك ان اذهب للعمل كل يوم حتى نهاية العام وبلا يوم واحد راحة تعويضا عن رعونتي ومغامرتي غير المحسوبة التي ألتهمت أجازاتي مدفوعى الأجر .

في اليوم التالي تهاجمني فكرة البطء، النوم في الفراش بلا حركة ، كذلك البيات التي تفعله السلحفاة كلما اشتدت نوبة البرد . لكني أفكر في تأجيلها يومين حتى أنهى بعض الأمور المستعجلة ، أسدد فواتير الفيزا ، واشتري بعض الفاكهة للبيت ، استبدل الملاءات ثم اختبئ في الفراش .

أخبر الحزن أن رائحة الريحان في حديقة البيت تضايقني جدا، وأني ذات يوم سأبوح لجارتي التي تزرعه ان ذلك يسبب لي التعاسة ، سأطلب منها ان تستبدله بأي نبات عطري آخر ، حتى لو كان الشيح .. أفكر انها سترد عليّ ببرود يناسبها قبل ان تخبرني انها تزرع تلك الكمية الكبيرة لتصنع صلصة الريحان ، وتتمكن من اعداد أطباق المعكرونة التي تصنعها السيدة التي تشبه في لكنتها ” كيث وينسلت” في قناة فتافيت التي ستدخل قريبا جدا ضمن باقة قنوات مشفرة ولن يبقى امامها هي والجارات سوى الشيف شربيني في القناة المتخصصة الأخرى ، الشيف شربيني الذي يصلي على رسول الله في كل حركة له ، قبل ان يفتح الفرن أو يضغط بيده العجين ليخضعه فلا يمكنك ان تمنع نفسك من التفكير في المولد والحواة ، تفكر بذلك في بؤس ، قبل ان تتصل ربة منزل في حلقاته المباشرة وتخبره انها تحبه أوي أوي وتشكره على وصفاته، يرد هو بتواضع ” أنا خدامك يا امي “.

أقارن بين الجميلة التي لها لكنة إيرلندية ربما وبين فطرة الشيف شربيني ، ولا أميل في مقارنتي  لجهة على حساب اخرى .

أطمئن الحزن اني ربما سأغادر معه هذه المرة، أذكره بالمرات الكثيرة التي رافقني فيها ، أذكره بالنصوص الحلوة التي كتبتها  معه، وطرق السفر التي أختبرناها سويا  ، بقلب مفطور ، ورح مقسومة من القلق والغضب، يذكرني بقصص الحب القاسية ، وأذكره  بقصص الفقد .

يذكرني بالكتب السيئة، واشير له على مواطن الخذلان في الروح .

يحكي كل منا للآخر، ننظر للسماء، ثم لبعضنا ويسود صمت وتفهم قبل ان يغمر الدفء والشمس العالم حولي وأتلاشى 

مقالات من نفس القسم