في رثاء أبي

موقع الكتابة الثقافي art 1
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

أميرة  الوصيف

هل اختبرت يومًا ذلك الشعور؟ أن تحيا وألا تحيا في آنٍ؟ أن تموء كالقطة الرضيعة الخائفة في احدى زوايا الطريق؟ أن تركض بأقدامٍ مُرتَعِشَة مُتَمنيًا أن يُلقي بك الله بقلبِ سحابة مجهولة؟

أعترف أنني قضيت عمري أنتمي إلى عالم “المتفائلين”، كنت قادرة على تخطي الغضب والحزن بمهارة، فلقد قطعت وعدًا لنفسي ألا ينال اليأس مني يومًا ربما لأني حالِمَة أو مجنونة.

وفي تلك الأيام التي كان يجدر بي أن أبكي كنت أضحك حتى أنني اتخذت من السخرية شريعة لي فإذا طالني الهم أخرجت لساني مازحةً ليحزم أمتعه ويرحل مُجَرجرًا قدميه في خنوع..

لم أكن أعلم يومًا سبب تلك “الحصانَة المعنوية”

لم أكن أعرف أنني كنت قطعةً منه دون أن أدري! ذلك الرجل الذي حملني على ظهره وأعناقه بكل الحب..

بطلي الذي اعتاد أن يهمس بإسمي بنبرةٍ طفولية وصوت دافئ مُغَنيًا “مرمر الجميلة” ليجعلني أذوب فرحًا وأشعر أني أكثر خِفَة من الفراشات..

أعتقد أنني غاضبة بشدة من أبي الآن وألومه لأنه أحبني أكثر مما ينبغي فالإفراط في الحنان يؤذي عند الفَقد فلو كان أبًا قاسيًا فظًا لما تعذبت إلى هذا الحَد، ولو كان من هذا النوع من الآباء اللامُبالين لما شعرت بكل تلك الغُربَة بعد رحيله، ولو كانت علاقته بي قائمة على الخوف والرهبة لما تمنيت صدقًا أن أرحل بعده مُباشرةً..

لازلت أذكر كيف كان عام 2019 ثقيلًا على نفسي وكيف سقط بطلي الكبير أمامي فجأة على الأرض.. كنت في موقف لا أُحسَد عليه.. ما الذي جرى؟ عقلي عاجز كُليًا عن التفكير وكأنني أُتابع بعيني شريط فيديو مُرعِب.

على الرغم من هَول المشهد إلا أنني تمسكت بالأمل وطمأنت نفسي أن كل هذا سيمُر، وبالفعل بعد أن نقلناه إلى المستشفى قال الطبيب أن حالته مُطَمئنة بعض الشيء.

لازلت أذكر كيف كان قلبي يخفق كمَن ينتظر حُكمًا بالإعدام..

بعد مرور دقائق عاد الطبيب وقال أن أبي تعرض لنزيفٍ في المُخ لكن لحُسن الحظ كان نزيف نصفي وكُتِبَت له النجاة، ومع أنه قال “كُتِبَت له النجاة” بصوتٍ واضح إلا أن عقلي لم يغفر له زلة عبارته السخيفة تلك “نزيف في المُخ” فأنا لم أسمع يومًا تلك العبارة إلا في الأفلام والمسلسلات وكنت أظنها بعيدة كل البُعد عن نطاق حياتنا الواقعية!

عاد أبي للحياة مُجَددًا وعُدت معه انسانه خفيفة ترسم على وجهها نصف ضحكة بدلًا من ضحكة كاملة فثمة شيء في الروح قد انطفأ! هناك احساس بإقتراب الخطر لم يكن بإستطاعتي إنكاره.

ها أنا أُقَبله أكثر وأقترب منه أكثر وأكثر على الرغم من أنه كان أقرب شخص لي في هذا العالم فحتى في أيام مرضه لم يكف أبي عن تدليلي.. لم يتوقف يومًا عن الإمساك بيدي والإستماع إليّ ومع أني هادئة معظم الوقت إلا أنني كنت دائمًا فتاته الثرثارة..

مضى أبي قدُمًا حتى أنني بدأت أنسى أو أتناسى أمر إصابته الأولى حتى جاءت عاصفة أكتوبر لعام 2021 الأكثر عُنفًا وصخبًا.. تكرر الأمر مُجَددًا وللمرةِ الأخيرة ثم أخذته العاصفة بعيدًا.. بعيدًا جدًا

أعترف أنني فكرت في الإنتحار مرة.. اثنان.. وربما ثلاثة حينها.. مضيت لأعوامٍ كشخصٍ غير مرئي.. يمشي بين الناس دون أن يراهم..

لازلت أفتش عنه في كل مكان ولا أجده.. أحيانًا أشعر أنه لم يكن شخصًا حقيقيًا ربما كان مجرد طيف لكني ألوم عليه أيضًا فحتى وإن كان كذلك لماذا أحبني إلى هذا الحَد ثم تركني فجأة؟!

مقالات من نفس القسم

محمد العنيزي
كتابة
موقع الكتابة

أمطار

موقع الكتابة الثقافي art 27
كتابة
موقع الكتابة

تأملات