في  ديوان “كل ما صنع الحداد”.. الشقاء بالألوان الطبيعية

بارانويا  محمد خير.. ولد وحيد فى غرفة واسعة جدا
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

أشرف عبدالشافي

تأجلت فرحتى بهذا الديوان مرات عديدة ، فقد صدر قبل أن يمضى العام بأيام قلائل ، ووضعته ضمن خطتى السنوية الجديدة ، ولكن الخطة ـ كما هى العادة دائما ـ فشلتْ فشلاً ذريعاً، ليس بسبب الكسل العظيم هذه المرة ، لكنه ” الدم” الذى انفجر فى نجع حمادى وعلى الحدود المصرية فحجب رؤيتى وسرق فرحتى ومتعتى بالشعر والإبداع وأبدلهما حيرة وتشاؤماً

 ،لا تظن أن الوطنية تسرى فى عروقى !،لكنها حالات رومانتيكية ساذجة تنتابنى وتمضى، وها أنا الليلة أراهن على الشعر، فليذهب الضجيج إلى الجحيم،وتبقى صورة الناس وملامحهم ،ومن حسن الحظ أن وجدتهم فى هنا فى هذا الديوان :” ناس .. بشر.. بنى أدمين ..” طيبون للغاية ،يعيشون بيننا ويسيرون معنا فى الشوارع ،وفى هدوء يرحلون .

“ما صنع الحداد “، اختار “محمود خير الله” هذا العنوان لديوانه الثالث ، وهوعنوان يختصر قصة عن انفصال طرفين انفصالاً لا رجعة فيه بعد أن أصبح طريقهما ملغماً بحقول الكراهية والحقد ،وكان الشاعر ـ بلاشك ـ يقصدنا جميعا :بسطاء مصر وفقرائها الباحثين عن الأمل ،ويقصدهم جميعاً:أولئك الذين ينامون على ريش النعام ويتقاسمون جماجمنا فى كئوس الخمر المعتقة .

ولكن .. خاب مسعى العشاق أو الشعراء ،فقد أصبح “ماصنع الحداد” بيننا نحن ، وأصبحنا نقتل بعضنا فى الشوارع دون رحمة !.

لنترك الوجع إذن ،ونعود للشاعر الماكر “اللص” الذى يسير بين الناس فى الشوارع ليسرق وجوههم ويأخذها إلى بيته ، ينحت ملامحهم فى قلبه ليتأملها ويرى حزنها ،فيبكى مع المحبطين والمهزومين والجرحى والمكلومين ، يأخذ عمال المناجم ومصانع الأسمنت والحديد ،العتالين ،صبية المقاهى ،شهداء الدويقة وقطار الصعيد والحفاة العراة وباقى قائمة الشقاء الشهيرة :” بعضهم يُقشر الديون عن جبهته /وبعضهم يهش الذنوب عن الكفن ” كما يقول فى قصيدة “جنازة “.

يأخذهم ليجعلهم شعباً كاملاً من الجماهير الافتراضية، بينما هو شاعرهم الذى يمتلك قدرة البكاء بصوت مسموع ،والعجيب أنك ترى كل هؤلاء بين سطورمعدودة من قصيدة “عمل”مثلا:

هكذا عاشوا وهكذا يموتون /فى الجلاليب الزقاء نفسها /والأحذية نفسها /وربما العرق نفسه./ العرق /الذى يصرخ بمفرده فى كل الجنازات :”وحدوووووه ” لكى يودعهم “.

هو شاعر الشقاء ـ هذا قدرى الليلة ـ ،ولا يخجل من اعلان ذلك سراً فى كل القصائد ،حتى يعلقها مثل لافتة فى وجهى :”أنا أيضاً فى الصباح /أقف فى هذه الشرفة ،/والشقاء واقف بجانبى تماما / كانه لا يجد عملا سواى “.

هل رأيتم شاعرا يفخر بصداقة الشقاء على هذا النحو ؟!وماذا سيصنع الحداد لهؤلاء الذين يسيرون فى الشوارع ليلاً ويموتون بهدوء فى كل وقت غير الشقاء ؟!

ووسط كل هذا الشقاء ،يتكّرم علينا شاعرنا بلحظة سخرية لطيفة ،ففى إحدى الليالى يسرق اللص “محمود خير الله”  وجوه الموظفين الى بيته ، ويلقى عليهم قصيدته ” حفرة “:

قالت المُرتبات: /دجاجة واحدة تكفى /كل أسبوع /ردتْ الفتارين عليها ساخرة /عشرة اعمار /على اعماركم /لا تكفى /أيها السادة “.

لاشك أن الموظفين ضحكوا .. واكتشفوا هزل الحياة وعبثها هذه الليلة ، وهى الليلة نفسها التى اكتشفتُ فيها إننى كنتُ مفرطاً للغاية فى الرومانتيكية الوطنية .

“مثل سيارة مستعملة ” عندما تسمع تلك العبارة سيتداعى إلى ذهنك صوت حشرجة موتور مزعج ورائحة أدخنة تنطلق من الشكمان وكركبة رهيبة ، والموصوف هنا ليس سيارة متهالكة ،بل الشاعر نفسه ،الذى لم يجد أحداً يأخذه معه إلى البيت فى تلك الليلة فقرر أن يرتدى “العرفيتة” الزرقاء ويصبح أسطى ميكانيكا كبير يمتلك مقدرة الكشف على موتوره الخاص ،راح يُقلب فى الروح والرئة والصدر والبنكرياس حتى وصل إلى القلب ليكتشف انه لم يكن سوى سيارة مستعملة : 

..” العاشق الهش / الذى لم يخسر شيئا /لأنه لم يكن لديه ما يخسره /

الضعيف إلى حد النكسة /وإلى حد الجلوس طوال الليل هكذا/ يكتب قصيدة عن نفسه كأنه يصالحها “.

وبالفعل صالحها .. وعليه أ ن يتأكد من ذلك ،عليه  فقط أن يضغط على البنزين مجددا ليعرف كم كان الشعر رحيما وعظيما وهو ينقى روحه كى يمتعنا بقصائد من لحم ودم .

استمتعت بما صنع الحداد ، ليس فقط لما يجمعنى مع الشاعر من صداقة تمتد إلى ديوانه الأول “فانتازيا الرجولة” ،ولكن لأننى تأكدتُ أن هناك قصيدة حقيقية فى مصر، هناك جيل يشكل تيارا رائقا فى قصيدة النثر،وقد اتسعت دائرة هؤلاء الشعراء الحقيقيين فى مصر بحمد الله وفضله ،ونجحوا ـ كل وفق إمكانياته ـ فى توجيه ضربة قاصمة إلى ظهر قصائد “الطلاسم التى تجنح نحو الليك ولتطير مثل السنونو..”،وهذا فى حد ذاته يستحق الفرحة .

أخيراً ،إذا وقع هذا الديوان فى يدك ،فأرجوك أبدأ بقراءة أخر قصيدة “أفضل ما يمكن أن يحدث لى “،وأخشى أن أكتب لك عنها فاصيبها بعاهة مستديمة تفسدها عليك ، ولكن من الممكن أن أنقل لك منها مقطعا واحداً :

” .. كم من نساء وشيوخ كوّرتهم سيارات مُسرعة وكّفنتهم ،عرفتُ أناسا انكسرت ظهورهم بسبب نظرة ،وحين أرادوا أن يقيموها تمزقت منهم ،نهرنى أبى كثيراً ،لأن ظهرى يتقوس دائما من دون سبب ،أبى مات منذ عشرة أعوام تاركا وخزة فى قلبى كتلك التى أشعر بها الآن ..”.

شاعر الشقاء .. ألم أقل لكم ؟!.

……….

الأهرام المسائي ـ20 يناير 2010.

عودة إلى الملف

 

 

مقالات من نفس القسم