في حضرة مولانا .. الإنسانية قِبْلَةٌ وصلاة !

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

"إنْ لم يُجْمِعُ المؤرخون فقد أجمعتْ القلوبُ..." هذا ما قاله لي أحد المحبين عندما سألته عن حقيقة وجود رأس الإمام الحسين بضريحه بالقاهرة، إنها مغامرة فاتنة، لا تفوتُ متأمِّلًا متقصِّيًا للإنسانية أبدا، أن تزور مسجد الإمام الحسين، الضريح مفصول عن المسجد في غرفة خاصة به، إذا أذَّن المؤذِّن لأي صلاةٍ، فإن بعض المحبين يصطفون سريعا داخل الممرات المحيطة بالضريح من جهاته الأربع- بما في ذلك الجهة المخصصة للنساء- ويغلقون أبوابه، ثم يقيمون الصلاة باتجاه القبلة، قبل أن يصليها المصلون في المسجد، أحد هؤلاء يصر على الصلاة إلى يسار مدخل الضريح في الممر المؤدِّي إلى باب الخروج، أكد لي ذات مرةٍ أنَّ هذا المكان تحديدا هو المدخل إلى أسفل الضريح حيث توجد الرأس الشريفة، وضعتُ يدي وتحسست الباب الصغير المؤدي إلى الأسفل، وقد غمرتني المحبة والشغف !

“نحن لا نسبُّ أحدا” هذا ما قاله لي أحد الشيعة الإيرانيين، الذين ألتقي بهم عادةً إذا زرتُ المكان صباحا في أي الأيام سوى الجمعة، لقد صادفتُ كثيرا من أفواج الشيعة من إيران و من دول شرق آسيا، يحملون كتبًا يقرأون فيها -أمام الضريح في خشوع بالغٍ- صلواتٍ على النبي وآله، قال لي الرجل : نحن مختلفون مع هذين الصحابيين أو مع غيرهم لكننا لا نسُبُّهم، هكذا أكّد لي صديقي الشاعر السوري الذي ينتمي إلى أسرة شيعية المذهب، قال إن الإعلام الذي يسعى إلى الإثارة يرَوِّج لفئة متشددة من الشيعة لا تصل إلى نسبة الخمسة بالمئة من مجموعهم بالعالم ، تماما كما أن إعلامنا السُّنِّي يروِّج للمتشدِّدين من أهل السنة، فالترويج لأفكار المتشددين من الطائفتين يضمن استمرار التطاحن والإثارة، ويضمن لمثل هذه القنوات نِسَبًا عاليةً من المشاهدة على الدوام !

يوم الجمعة يكون مسجد الإمام الحسين حافلا بأتباع الطُرق الصوفية وبالمحبين من كل الفرق والبلاد بمختلف أرجاء مصر:  من الدلتا والصعيد، وسيناء، والواحات، وغيرها، احتفالا إنسانيا عظيما، لا يخص فقط المُدِينِين بالإسلام بمختلف طوائفه، إنما  يخص المؤمنين بالإنسانية في كل مكان وفي أجلى صورة. بعد الصلاة، يتراص أتباع كل طريقة في شكل دائري أو بيضاوي أو في صفين، يمتلئ المسجد بـ”جرايات العيش”، وحاملي الكراتين الممتلئة بأطباق “الأرز باللبن” أو “الزبادي”، كذلك كميات كبيرة من الجبن و”الطعامية” وغيرها، مما هو أغلى أو أقل ثمنًا،  نَذَرَهُ صاحبُه لضيوف مولانا؛ إذا قضى اللهُ له حاجةً أو فرَّجَ عنه كربًا، يبدأ الذاكرون والمادحون في الذكر والإنشاد، يمكنك أن ترى ما لا يقل عن ستة أو سبعة تجمعات في أشكال مختلفة، تتداخل الأصوات العذبة بالصاخبة، قارئو القرآن، بالمنشدين، الذين يدقّون على الرق، بالمصفقين، من يقرأ وينشد بصوت جميل ونحو سليم، أو من هم دون ذلك، المتابعون والمشاركون من فئات مختلفة: طلاب جامعيون، صحفيون، دارسو تراث شعبي، محبون، سلفية يقفون ليتابعوا “أهل البدع”، فيستغفرون الله ويمضون، أحدهم يسب الكفر والمبتدعة، وآخر يستخفه الطرب فينشد ” إلى المدينة .. إلى المدينة.. يا عاشقين الهادي نبينا” ثم يمضي مستغربا نفسَه: كيف وافق هؤلاء في إنشادهم؟! سائح بـ”شورت” طويل، وسائحة ترتدي “طرحةً” احتراما لأعراف أهل المكان، تخفتُ الأصواتُ قليلا قليلا، يبدأ الناذرون والمحبون  في توزيع الأطعمة، كل الناس تأكل، كل الموجودين لهم نصيب. تابعتُ الأطعمة: مختلفة باختلاف طبقة الناذر المادية والاجتماعية، غير أن الطعام شهي وجميل، أحدهم يأتي بطبقٍ من الباب المؤدي إلى المئذنة، فيه جبن قديم، أحدهم يقف بالقرب من باب الضريح أمامه طست من الماء به “قُلَل” يملؤها ماءً من جركن كبير ونظيف، كلما فرغت إحدى القُلل ملأها صائحا ” مدد يا سيدنا الحسين”، طاقة إيجابية فَارِهَة تملأ المكان، إنها تكفي لإزاحة هم جاثمٍ أو شفاء مريض بالاكتئاب، حتى لو لم يكن مؤمنا بما يؤمن به الروّاد والمحبون.

الحالة ناصعة كالرؤى والأحلام، متلاحمة ومتكاملة، فور الانتهاء من الطعام يسير خدم المسجد في تنظيفه، وجمع بقايا الأكواب والأكياس الفارغة والطعام، المسجد يتزيّن مرةً أخرى مستعيدا هدوءَه استعدادا لصلاة العصر، المنشدون والزوار يدخلون  لزيارة الضريح التي تمتد مراسمها فور الانتهاء من صلاة الجمعة ولا تتوقف أثناء صلاة العصر إلا لتبدأ مرة أخرى بعد الصلاة، إنها الإنسانية التي تنتصر، ولا أظنُّ الحال في موالد القديس “ماري جرجس” بالأقصر، و السيدة العذراء “بمسترد”، وبجبل الطير بالمنيا، ومولد أبي حصيرة اليهودي بالبحيرة-هذا الذي أوقفته الحكومة المصرية بحكم قضائي !-  لا أظن الحال في كل هذه الاحتفالات الإنسانية دون إلا في عباءة هذا البهاء، منتميا إليه، ومتواصلا معه، هذه هي الإنسانية التي أُرْسِلَ لها محمد صلى الله عليه وسلّم، وحافظ عليها آلُهُ الكرام الطيبون ودعوا إليها وانتقل من انتقل منهم فداءً لها.  

مقالات من نفس القسم

محمد العنيزي
كتابة
موقع الكتابة

أمطار

موقع الكتابة الثقافي art 27
كتابة
موقع الكتابة

تأملات