في الحقول

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام
غي دو موباسان ترجمة: محسين الواطحي. بالقرب من إحدى المدن الصغيرة المعروفة بحماماتها الاستشفائية، عند أسفل التلة، كان هناك كوخان متجاوران يكسوهما القش. بالأرض العقيمة كان الرجلان القرويان يعملان بجهد كبير ليعيلا جميع صغارهما. بكل منزل أربعة أطفال. أمام البابين المتجاورين يلعب الصغار مجتمعين منذ الصباح حتى المساء.  الولدان البكران كانا في سن السادسة وكان عمر الصغيرين يناهز الخمسة عشر شهرا. في كلا المنزلين، الأعراس والولادات تمت في آن واحد تقريبا.

بالكاد تميز الأُمان نتاجهما وهم مجتمعون. أما الأبوان فيخلطان بينهم تماما. ترقص الأسماء الثمانية  داخل رأسيهما. تتداخل على الدوام. وعندما يضطران إلى المناداة على أحدهم، غالبا ما يردد الرجلان بأعلى صوتيهما ثلاثة أسماء قبل الوصول إلى الاسم الحقيقي.

يقطن آل توفاش أول المسكنين وأنت عائد من محطة مياه رول بور. كان لهذه العائلة ثلاث فتيات وصبي واحد. أما ثاني المسكنين المتهالكين فكان يأوي آل فلان.عائلة لها فتاة وثلاثة صبية.

كانوا يعيشون جميعا في مشقة على الحساء وعلى البطاطس وعلى الهواء. عند السابعة وفي الصباح ثم عند الزوال ثم في السادسة و في المساء تجمع ربات البيوت صغارهن لإطعامهم العلف كما يجمع مربو الإوز حيواناتهم. يجلس الأولاد حسب الفئة العمرية أمام المائدة الخشبية المبرنقة بخمسين سنة من الاستعمال. كان فم أصغر الصبية يصل بالكاد إلى مستوى لوح المائدة. يوضع أمامهم الصحن المقعر المليء بالخبز المعجن بمرق طبيخ قوامه بعض البطاطس ونصف كرة ملفوف وثلاث حبات بصل. ويأكل الصبية إلى أن يزول الجوع. تحرص الأم على تسمين صغيرها بنفسها. قليل من اللحم في قدح المرق يوم الأحد كان بمثابة عيد عند الجميع، وكان الأب يتأخر في الأكل في ذلك اليوم وهو يردد: “سأحرص على هذا كل يوم”

في ظهيرة أحد أيام غشت، توقفت فجأة سيارة خفيفة أمام الكوخين. خاطبت السيدة التي تقود بنفسها السيد الجالس إلى جانبها قائلة:

 ” آه! هنري! انظر إلى هؤلاء الأطفال، أليسوا رائعين وهم يلعبون في التراب هكذا!”

لم يقل الرجل شيئا. لقد اعتاد منها عبارات التعجب هذه رغم ما تشكله من عذاب وتأنيب بالنسبة إليه.

استأنفت السيدة قائلة:

“يجب أن أقبلهم! آه! كم أرغب في الحصول على أحدهم، ذلك الصغير.”

ثم قفزت من السيارة وركضت نحو الأطفال. أخدت أحد الصغيرين. طفل آل توفاش. وهي تحمله في يديها، قبلته بكل حب على خديه المتسختين وعلى شعره الأشقر المجعد والمدهون بالتراب وعلى يديه الصغيرتين اللتين كان يحركهما ليتخلص من تلك المداعبات المملة.

صعدت بعد ذلك على متن عربتها ثم انطلقت بسرعة. لكن عادت في الأسبوع الموالي. جلست هي الأخرى على الأرض وحملت الطفل الصغير في يديها. حشته بالكثير من الحلوى وأعطت بعض السكاكر للآخرين وجلست تلعب معهم وكأنها طفلة صغيرة، بينما كان زوجها ينتظرها بأناة داخل عربته الدقيقة.

عادت مرة أخرى وتعرفت على الآباء. كانت تظهر كل يوم وجيوبها مملوءة بالحلوى والنقود.

كان اسمها السيدة دوبيير.

ذات صباح. عند وصولها. نزل زوجها بصحبتها. ومن دون أن تتوقف عند الصغار، الذين صاروا  يعرفونها جيدا الآن، دخلت مسكن  القرويين.

كانا هنالك يقطعان بعض الخشب لإعداد الحساء. التفتا مبهورين. أحضرا بعض الكراسي  وبقيا ينتظران. بصوت متقطع وهي ترتجف بدأت السيدة بالكلام:

 _أيها الناس الطيبون، لقد أتيت لأني أود أن… أود أن آخذ معي… طفلكما الصغير… 

صعق القرويان وبديا تائهين. لم يقولا شيئا.

التقطت السيدة دوبيير أنفاسها واستدركت:

“ليس لدينا أبناء، نحن وحيدان أنا وزوجي… سنحتفظ به… هل أنتما موافقان؟”

بدأت المرأة القروية تستوعب الأمر. سألت:

“تريدان أن تأخذا منا شارلو؟ لا، كونا متأكدين.”

تدخل السيد دوبيير مستدركا:

“زوجتي لم تفسر الأمور على نحو جيد. إننا نريد تبنيه، لكن سيعود ليراكما. إذا ما تمت الأمور على أفضل حال كما هو متوقع، سيكون وريثنا. إذا ما رزقنا بأطفال، سيتقاسم معهم أيضا. لكن إن لم يستجب لتطلعاتنا، سنمنحه عند بلوغه سن الرشد مبلغ عشرين ألف فرنك ستوضع توا باسمه عند أحد الموثقين. وبما أننا فكرنا فيكما أنتما أيضا، سنوفر لكما ما حييتما مبلغا شهريا قيمته مائة فرنك. هل فهمتما جيدا؟”

انتصبت المرأة المزارعة في غضب شديد:

                   “تريدون أن أبيعكم شارلو؟ هذه ليست بالأمور التي يمكن طلبها من أم. آه! لا! إنه أمر بغيض.”

لم يقل زوجها شيئا. كان رزينا و عاقلا، لكن كان يؤيدها في كلامها مطأطئا رأسه باستمرار.

بدت السيدة دوبيير تائهة. بدأت بالبكاء. ثم التفتت إلى زوجها بصوت يعتريه التأوه، صوت طفلة ألفت أن تتحقق كل أمانيها البسيطة، وتمتمت:

“إنهم يرفضون هنري، إنهم يرفضون!”

قاما بمحاولة أخيرة.

“لكن يا صديقاي، فكرا في مستقبل طفلكما، في سعادته، في…”

قاطعتها المرأة الفلاحة والحنق يعلو وجهها:

“كل شيء واضح، كل شيء مفهوم، لقد فكرنا مليا… انصرفا إلى حال سبيلكما.  وأكثر من ذلك، لا أريد أن أراكما مجددا هنا. لن يسمح  أحد بأخذ طفل هكذا!”

وهي منصرفة، لاحظت السيدة دوبيير وجود صغيرين. والدموع تنهمر من عينيها سألت بعناد سيدة مصممة ومدللة لا تريد أبدا الانتظار:

“الصغير الآخر، أهو طفلكما؟”

رد السيد توفاش:

“لا، إنه للجيران. إن شئت، يمكنك الذهاب إليهم.”

ثم دخل منزله حيث يسمع صوت سخط زوجته.

كان آل فلان يجلسون إلى  المائدة. كانوا يتناولون ببطء قطعا من الخبز. كانوا يدهنونها باقتصاد شديد بقليل من الزبدة التي تلتقطها رأس السكين من على صحن يتوسطهم.

بدأ السيد دوبييلر اقتراحاته من جديد، لكن هذه المرة بتلميح أكبر وبحذر في التعبير و بشيء من الدهاء.

كان القروي وزوجته يحركان رأسيهما تعبيرا منهما عن رفضهما. لكن ما إن سمعا بأنهما سيتحصلان على مائة فرنك كل شهر،بدآ يتبادلان النظرات وهما في حيرة من أمرهما. التزما الصمت طويلا متألمين ومترددين. وفي الأخير بادرت المرأة بالسؤال:

“ما رأيك يا رجل؟”

نطق  بنبرة فيها شيء من الوقار:

“هو ليس بالعرض السيء.”

في هذه الأثناء، وهي ترتعش من شدة  الأسى، بدأت السيدة دوبيير تتحدث إليهم عن مستقبل الصغير، وعن سعادته، وعن كل المال الذي يمكن أن يمنحهم إياه فيما بعد.

سأل القروي:

“مبلغ الاثنا عشر فرنك، هل سيتم الاتفاق عليه أمام الموثق؟”

أجاب السيد دوبيير:

                   “بكل تأكيد، منذ الغد.”

بدت المرأة القروية تفكر ثم استرسلت:

                   “مائة فرنك شهريا ليست كافية حتى تحرماننا من الصغير.  هذا الطفل سيلتحق بالعمل في بضع سنين. يلزمنا مائة وعشرون فرنك.”

وافقت السيدة دوبيير على الفور من فرط حماستها. ولأنها كانت ترغب بشدة في حمل الصغير، منحتهم مائة فرنك كهدية بينما كان السيد دوبيير يوثق تعهدا.حضر العمدة و تمت دعوة أحد الجيران في الحين كشهود متعاونين.

بوجه مشرق، أخذت السيدة دوبيير الصغير وهو يصرخ كما لو أنها تحمل تحفة مرغوبا فيها من أحد المتاجر.

أمام باب منزلهم، وقف آل توفاش يشاهدان بقسوة رحيله من دون أن يقولا شيئا. ربما ندما على رفضهما.

لم نعد نسمع شيئا عن الصغير جون فلان. الأبوان يذهبان كل شهر ليأخذا المائة وعشرين فرنكا عند الموثق، كما أنهما كانا على خلاف مع جيرانهم بسبب الأم توفاش. لم تكن تتعب من شتمهم مرددة عند كل بيت أنه يجب على المرء أن يكون مجردا من الأحاسيس حتى يبيع ابنه، إنه أمر فضيع، إنه خبث، إنها خيانة.

وفي بعض الأحيان كانت تحمل طفلها شارلو وتخاطبه بتباه وكأنه يستوعب ما تقوله:

“لم أبعك، نعم لم أبعك يا صغيري. أنا لا أبيع أطفالي. نعم أنا لست غنية، لكن لا أبيع أطفالي.”

استمر الحال على هذا النحو لسنين طويلة. كل يوم تصيح بتلميحات فظة عند الباب حتى تلج بيت الجيران. كونها لم تبع شارلو، باتت الأم توفاش تعتقد أنها أفضل من كل البلدة. وكان كل من يتحدثون عنها يقولون:

                   “إنه أمر مغر، لكن لا يهم، لقد تصرفت كأم جيدة.”

كان الجميع يستشهد بها، وحتى شارلو، الذي بلغ سن الثامنة عشر، ونشأ على هذه الفكرة التي كان يسمعها على الدوام، أصبح يظن نفسه هو الآخر أفضل من رفاقه لأن أبويه لم يبيعانه.

بات آل فالان يعيشون في يسر بفضل المنحة. أجج ذلك غضب آل توفاش القابعين في البؤس.

التحق ابنهم البكر بالخدمة العسكرية. توفي الثاني؛ بقي شارلو وحيدا يعمل في شقاء إلى جانب والده الكهل ليعيلا الأم  وأختين صغيرتين أخريين له.

ذات يوم توقفت عربة فارهة أمام الكوخين، كان عمر شارلو حينها واحدا وعشرين سنة. ترجل منها شاب يضع ساعة لها سلسلة ذهبية ويمسك بيد سيدة عجوز شعرها أبيض. قالت له السيدة العجوز:

“هناك يا بني، عند المنزل الثاني.”

دخل بيت آل فلان البئيس كما لو دخل بيته.

كانت الأم العجوز تغسل وزراتها؛ كان الأب طريح الفراش نائما بالقرب من المدفئة. رفعا رأسيهما وقال الشاب:

“صباح الخير أبي، صباح الخير أمي.”

انتصبا مفزوعين. أفلتت الأم قطعت الصابون في الماء من شدة الاضطراب وتمتمت:

” أأنت طفلي ؟ أأنت طفلي؟”

أخذها في حضنه وقبلها وهو يكرر: “صباح الخير أمي.” بينما كان الأب العجوز يقول وهو يرتجف وبنبرته الهادئة التي لم يفقدها أبدا: ” ها أنت قد عدت، جون؟” كما لو أنه رآه في الشهر الماضي.

بعدما تعرفوا على بعضهم البعض، ألح الأبوان على الخروج صحبة ابنهما ليراه الناس في البلدة. اصطحباه عند العمدة، عند المعاون، عند الكاهن، عند المعلم.

كان شارلو واقفا عند عتبة بيته يشاهده وهو يمر.

في المساء، والكل يتناول الحساء، قال لأبويه:

“لا بد أنكما كنتما غبيين لتتركاهما يأخذا صغير آل فلان!”

ردت عليه أمه بعناد:

“لم نكن نريد بيع طفلنا!”

ظل الأب صامتا.

تابع الابن:

“أليس من المؤسف أن يضحي المرء بنفسه هكذا.”

هنا صرخ الأب بصوت غاضب:

“لن توبخنا لأننا احتفظنا بك؟”

رد الشاب بعنف شديد:

“نعم، ألومكما على ذلك. لستما سوى جاهلين. أباء مثلكما، هم سبب تعاسة أبنائهم. أنتما تستحقان الهجران.”

جلست السيدة الطيبة تبكي فوق صحنها. كانت تئن وهي تتناول حساءها. كانت تريق نصف ما تحمله ملعقتها:

“اقتلي نفسك إذن من أجل تربية الأطفال!”

بانزعاج كبير، أضاف الشاب:

“تمنيت لو أني لم أولد على أن أكون ما أنا عليه. عندما رأيت ذلك الشخص قبل قليل كنت جد مضطرب.” قلت في نفسي: ” هذا ما كنت سأكون عليه الآن!”

نهض.

“أظن أنه من الأفضل لي ألا أبقى هنا، لأني سألومكما دائما على كل هذا، سأجعل حياتكما بئيسة. كل ما فعلتماه، لن أغفره لكما أبدا!”

صمت العجوزان وجلسا إلى الأرض يبكيان.

خاطبهم من جديد:

_ يستحيل أن أتعايش مع هذه الفكرة. أفضل أن أعيش حياتي في مكان آخر!

فتح الباب، دخلت بعض الأصوات؛ آل فالان يحتفلون بعودة ابنهم.

ضرب شارلو الأرض بقدمه، التفت إلى والديه ثم صرخ فيهما:

” أنا ذاهب الآن!”

ثم اختفى في الظلام.

…………………

*مترجم من المغرب

مقالات من نفس القسم