فيلم “هليوبوليس”.. بشر كالأشجار.. ووطن بلا ملامح.. وشخصيات تبحث عن مخلص

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

يمكن لفيلم هليوبوليس ان يدخل تحت قائمة الأفلام التي ترسخ لفكرة حرية السينما لا لكونه فيلماً مستقلاً ولكن لأنه يتبع حس صناعة قبل اتباع القواعد الجامدة لصناعة عناصر العمل السينمائي الذي يعتبر السيناريو هو العنصر الأهم بين عناصره المختلفة لأنه الأساس الذي يحدد نقاط انطلاق كل روافده الابداعية.

واذا ما نظرنا الي سيناريو فيلم هليوبوليس سنكتشف ان الفيلم لا يتبني المبادئ التقليدية لفن كتابة السيناريو بل ينفصل عن معظمها ويلقي بنفسه في خضم التجريب ليعلن اختلاف العمل مع فكرة الاعتماد علي صراع درامي أو أكثر قد ينميه الحدث الذي يتطور في إطار مغلق يتكون من بداية ووسط وذروة ونهاية.

يمكن لفيلم هليوبوليس ان يدخل تحت قائمة الأفلام التي ترسخ لفكرة حرية السينما لا لكونه فيلماً مستقلاً ولكن لأنه يتبع حس صناعة قبل اتباع القواعد الجامدة لصناعة عناصر العمل السينمائي الذي يعتبر السيناريو هو العنصر الأهم بين عناصره المختلفة لأنه الأساس الذي يحدد نقاط انطلاق كل روافده الابداعية.

واذا ما نظرنا الي سيناريو فيلم هليوبوليس سنكتشف ان الفيلم لا يتبني المبادئ التقليدية لفن كتابة السيناريو بل ينفصل عن معظمها ويلقي بنفسه في خضم التجريب ليعلن اختلاف العمل مع فكرة الاعتماد علي صراع درامي أو أكثر قد ينميه الحدث الذي يتطور في إطار مغلق يتكون من بداية ووسط وذروة ونهاية.

وقد يكون سيناريو أحمد عبد الله يتكئ علي القاعدة التي تؤكد حرية الكاتب في التناول مع عدم وجود وصفة مضمونة لنجاح الفيلم فنياً وتجاريا لأن السينما تخاطب المشاعر كما تخاطب الرغبات لتمنحه هذه الحرية قدرة كبيرة علي الابداع الذي يضعه في معسكر السينما المستقلة التي تهتم بالواقع المصري وتبتكر صوراً متجددة للتعبير عن أزماته المتراكمة.

وكثيراً ما تلجأ السينما الي شخصيات لا تعبر عن خصوصية المجتمع المصري باختلاف طبقاته وثقافاته المتنوعة التي لا نري منها إلا قشوراً لا تحقق شعوراً داخلياً بالتوحد معها رغم ان المجتمع يحمل تنويعه لا تتكرر كثيراً بعد أن تمزق بين عشرات الاتجاهات وتعددت ألوانه القاتمة، فالمجتمع المصري يمكن ان تري تباين تركيبته في أي مكان تقصده وهو ما يجعلك تتعجب من هذه التركيبة التي حاول السيناريو الاعتماد عليها في صياغة شخصيات فيلم هليوبوليس التي تتبعها كاميرا أحمد عبد الله بهدوء وحميمية مفرطة.

وما يطرحه فيلم هليوبوليس لا يتجاوز رصداً لليومي والمعاش الذي يمر علينا أو نمر عليه يوميا في الشارع المصري كالزمن الذي يسيطر علي العمل ويمضي به في اتجاهات مختلفة ولكنها تنتهي الي نفس النتيجة التي تجعل كل شخصيات هليوبوليس تخسر ما كافحت من اجل الحصول عليه وهنا تأتي دلالة الاسم الذي لا يعبر عن حي مصر الجديدة العريق بقدر تعبيره عن مصر “الجديدة” التي نعيش فيها حاليا ونحيا احتضارها وتحولها الي شراذم متفرقة تعيش في ظل نظام بوليسي يقيد الابداع الذي لا يمكن ممارسته بدون تصريح الي جانب تسيد الفهلوة للشارع المصري والبحث عن وسيلة للهرب من كل هذه القيود سواء بالهجرة او بالانسحاب الي أحلام اليقظة التي تصنع واقعا افتراضيا يلجأ إليه الشباب المحبط كما يلجأ الي المخدرات كسبيل لتجميل الواقع المؤلم بعد فشلهم في العثور علي مخلص.

وقد يكون الفعل هو المحرك الأساسي للحياة وللسينما التي تعتمد علي حدث ما ينتج عنه تغيير ولكن السيناريو الذي تشعبت خطوطه دون ان تتلاقي يحمل فعلاً لا يتبعه تغيير كما يعبر ايضاً عن فكرة الانفصال والفرقة التي يعيشها المجتمع رغم الروابط التي تجمع سكانه ولكن ما يؤخذ علي الفيلم هو عدم اعتماد السيناريو علي مواقف وشخصيات أكثر ادهاشاً باستثناء شخصية عسكري الأمن المركزي الذي لم يجد مرآة تعكس صورته إلا في ذلك الكلب الصغير الذي توحد معه قبل أن يتركه ليحل محله في حراسة مكان لا يعلم لماذا يقف لحراسته.

ويمكن اعتبار هليوبوليس واحداً من أهم الافلام المصرية التي تؤرخ للحقبة الزمنية التي نعيشها بشكل فني بعيد كل البعد عن المباشرة في فيلم فيه من السياسة أكثر من غيره من الأفلام المليئة بالصراخ ورؤية أحمد عبد الله المختلفة سواء في الموضوع أو في التكوينات البصرية التي ميزت كثيراً من كادراته اكتملت بمونتاج ناعم وموسيقي معبرة للموهوب أمير خلف،

كما تميز خالد أبو النجا الذي بدا أكثر نضجاً في أدائه لشخصية ابراهيم التي يجب ان يضعها في قائمة أهم الشخصيات التي قدمها في تاريخه نظراً لما تحمله من عمق واحباطات نجح في التعبير عنها بوعي ومصداقية كما راهن أحمد عبد الله علي موهبة حنان مطاوع البراقة التي ما زالت تحتاج لمن يزيل عنها غبار الدراما التليفزيونية لتثبت مقدرتها كنجمة سينمائية قادمة وبقوة لتصدر المكانة التي تستحقها كما بدت الفنانة عايدة عبد العزيز في ظهورها الخاص كإضافة للعمل بتجسيدها لشخصية السيدة اليهودية التي كانت تحتاج لمساحه أكبر للتأكيد علي فكرة العنصرية التي اجتاحت المجتمع المصري في ظل اختلاط المفاهيم والمزج الدائم بين اليهودية كدين وبين الصهيونية كنظام استعماري

كما تميز محمد بريقع في اطلالته الأولي علي السينما الروائية الطويلة وجاء أداء هاني عادل موفقا الي جانب يسرا اللوزي التي بدت عادية كالشخصية التي تقدمها، كذلك سمية الجويني التي لم يمنحها السيناريو مساحة كافية لتظهر ما تحمله من موهبة بالاضافة لمحمد عبد الفتاح ومروان عزب ورمضان خاطر

والي جانب الشخصيات الحالمة التي تعاني أزمات أكثرها نفسية يأتي الثنائي عاطف يوسف وآية سليمان ليعبرا عن أزمة يعيشها كثير من الشباب المقبلين علي الزواج في البحث عن شقة أو شراء ثلاجة ولكن الشخصيتين فشلتا في ما أرادتا تحقيقه بسبب مرور موكب رئيس الجمهورية الذي شل شوارع مصر الجديدة في ربط واضح بين الأزمات الاجتماعية والسياسية.

ويبقي ان نشير الي اسم شريف مندور المنتج الذي ارتبط بتجربة هليوبوليس بعد أن ارتبط بتجربة فيلم عين شمس للمخرج ابراهيم البطوط وهو ما يؤكد انتصاره للسينما المستقلة ومبدعيها ليصبح الملجأ الاخير الذي يلوذ به كل من يفكر في تحدي هيمنة تجار السينما والتعبير عن نفسه ومجتمعه من خلال فيلم سينمائي حقيقي.

مقالات من نفس القسم