فلاديمير نابوكوف يعارض إرادة فرانز كافكا

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

جوش جونز

ترجمة: نبراس الحديدي

في حال قرأت رواية «المسخ» لفرانز كافكا، فمن المرجَّح أن نسختك المترجمة تشير للمتحوِّل غريغور سامسا إلى «صرصور» أو «خنفساء»، أو بوجه عام «حشرة عملاقة». هذه المفردات لا تُخفق بالضرورة في نقل المعنى المراد إيصاله من المفردة الألمانية التي استخدمها كافكا. غيرَ أن كلمات الرواية الأساسية التي تصف التجسُّد الجديد لغريغور سامسا أكثر غموضاً، وربما أكثر غرابة كذلك، وتحمل دلالة ميتافيزيقية إلى حدّ ما.

توضّح المترجمة سوزان بيرنوفسكي أن كلاًّ من الصفة (Ungeheuer) وتعني «شديد البشاعة» أو «ضخم»، والاسم (Ungeziefer)؛ يتضمنان نفياً ظاهرياً مسبوقاً بالأداة (un)، يصف (Ungeziefer) وهو مصطلح من اللغة الألمانية المحكية في أوج العصور الوسطى، شيئاً أشبه بـ «حيوان قذر» ينتمي إلى «زمرة مخلوقات مخيفة مقرفة تزحف على الأرض». وهذا الوصف يوحي بالعديد من أنواع الحشرات.

وربما لهذا السبب بالذات منع كافكا أي صور مرسومة لغريغور. في عام 1915م أرسل رسالة إلى الناشر يطالبه فيها قائلاً: «لا يجب أن تُرسَم الحشرة في الكتاب، ولا يجب أن تُرى حتى من نقطة نائية». وتبرز في غلاف الكتاب الأصلي ملامح رجل عادي المظهر، يبدو مرتبكاً وكأنه يتخيَّل انمساخاً مريعاً، لكن هذا التحوُّل لا يظهر عليه بصورة فيزيائية.

نعم، يبدو جليَّاً أن كافكا كان يقصد أن غريغور أصبح حشرة. إن رسالته التي وجَّهها للناشر احتوت على المفردة الألمانية (Insekt) تارة، والمفردة (Wanze) تارة أخرى، لتوصيف الهيئة التي استحال إليها غريغور، وكلتاهما تحملان ذات المعنى (حشرة).

وبترك صعوبات الترجمة والتصنيف جانباً، فإن الأديب العبقري الروسي العالم بقشريَّات الأجنحة فلاديمير نابوكوف قرر أنه يعلم بالضبط إلى ماذا تحوَّل غريغور سامسا، فقام برسم الحشرة في نسخته التي كان يدرسها لتلامذته، مخالفاً بذلك مشيئة كافكا. كما أقدم نابوكوف على إعادة تحرير الرواية وإدخال العديد من التعديلات عليها، وخلُصَ في محاضرة له إلى أن غريغور سامسا مجرد «خنفساء ضخمة»، إذ تلاحظ أنه ضرب بكلمة «ضخم» في الرواية عرض الحائط، ودوَّن فوقها «بطول يزيد قليلاً على 3 أقدام»، مضيفاً إلى ذلك أن باستطاعة الحشرة الطيران مثل الخنفساء، مفسِّراً بذلك سبب وصولها إلى السقف.

قد يوحي هذا الأمر بأن نابوكوف لا يُكِنُّ احتراماً لمؤلف رواية المسخ فرانز كافكا. من المعروف أن فلاديمير نابوكوف لم يكن على الإطلاق شخصاً يحابي الأدباء ويحترمهم، إذ طالت سخريته أعمال كلّ من فوكنر وجيمس جويس، واصفاً إيَّاهاً بالتحجُّر. ورغم كل ذلك وصف كافكا في إحدى محاضراته قائلاً: «أعظم كاتب ألماني في عصرنا، بينما الشعراء أمثال ريلكه، أو الروائيون أمثال توماس مان، فليسوا غيرَ أقزام، أو قديسين من البلاستيك مقارنة به». رغم أن كافكا يبدو كقدّيس، إلَّا أنه «فنان قبل كل شيء». ويؤمن نابوكوف أنه لا توجد أي تأثيرات دينية في عبقرية كافكا.

إن رفض نزعة كافكا نحو الغموض، يسير باتجاه معاكس لمعظم تأويلات رواياته. قد يعتقد المرء أن الدافع المستتر خلف أفعال نابوكوڤ هو أنه رأى جزءاً كبيراً من ذاته في كافكا، عند مقارنته إيَّاه بـ فلوبير: «يحب كافكا أن يرسم عباراته من لغة القانون والعلم، ليمنحها نوعاً من الدقة التهكُّمية، دون تطفُّل من مشاعر الكاتب الذاتية». على أية حال يظلُّ (Ungeheueres Ungeziefer) مصطلحاً غير علمي، له أصل في اللغة الأدبية الألمانية المستخدمة في أوج العصور الوسطى، والذي كان مألوفاً لدى كافكا بسبب دراساته.

ومع كامل التقدير لسعة اطلاع نابوكوف الكبيرة، لكن يبدو أن كافكا تعمَّد عدم الدقة في هذا المثال، وهو ما تطلق عليه بيرنوفسكي: «تصورات ضبابية من الحيرة» بلغة «اختيرت بعناية لتجنُّب الوضوح». إن فن كافكا يتألَّف من هذه القدرة على استثمار المطابقات العتيقة في اللغة. وهو المصدر الأبرز لعبقريته الباهرة.

……………………..

نبذة عن فرانز كافكا:

 كافكافرانز كافكا (3 يوليو 1883 – 3 يونيو 1924) كاتب تشيكي يهودي كتب بالألمانية، رائد الكتابة الكابوسية. يُعدُّ أحد أفضل أدباء الألمان في فن الرواية والقصة القصيرة، تُصنَّف أعماله بكونها واقعيَّة عجائبية. عادةً ما تتضمَّن قصصه أبطالاً غريبي الأطوار يجدون أنفسهم وسط مأزق ما في مشهدٍ سرياليّ، يُعزى ذلك للمواضيع النفسية التي يتناولها في أعماله مثل الاغتراب الاجتماعي والقلق والذعر والشعور بالذنب والعبثيَّة. أكثر أعماله شُهرةً هي المسخ، والمحاكمة، والقلعة. وقد ظهر في الأدب مصطلح الكافكاوية رمزاً إلى الكتابة الحداثية الممتلئة بالسوداوية والعبثية.

 

مقالات من نفس القسم