فصل من رواية “لوز هندي”

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 42
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

إيمان علي

على الطريق الصحراوي الطويل بين خيبر والمدينة المنوّرة؛ امتزجتْ مراهقتُك بالسخونة والجفاء. أحلامك اتّخذَتْ ألوان الأصفر والأحمر والأبيض في الرمال. على جانبيّ الطريق تناثرت صخورٌ ضخمة، تستقبل المسافرين بالسيارات وشاحنات ناقلي البضائع. من فرط ضخامة هذه الصخور وانحنائها المهول يُخيّل للرّائي أنها على وشك السقوط. بعضها يصير مدبّبا فيتلاقى ويلتصق بطرف صخرة من الناحية الأخرى، تبدو كبوّابة لمدينة سحرية، أو قرية أشباح.

كان “الحِصن” بثقوبه المحفورة من أثر القنص بالمنجنيق هو المكان الأثري الوحيد في المدينة السعودية التي فيها وُلدتِ وعشتِ، قبل العودة إلى مصر لاستكمال دراستك الجامعية.

يقعُ الحصن على أطراف البلدة. قيل إنه استُخدم كقلعة حُفرتْ في الجبل احتمى بها يهود خيبر. حدودها هي مدينتهم وحُجُراتها منازلهم. ثم شهدتْ المنطقة أقوى وأدمى معركة دينية حدثت في التاريخ قبل الحروب الصليبية. صدفة نادرة تلك التي جعلت مسرح المَقتلة الجماعية لليهود هو نفسه المكان الذي نحر روحك.

التقى الخروج اليهوديّ النهائيّ من شبه الجزيرة مع أقسى خبرة أُضيفت إلى ذاكرتك يا ليلى.

خرجتِ من ذاتك إلى ذاتٍ أخرى.

ولأنّ الحصن يُشرفُ على مساكنَ مأهولة؛ فمع الوقت اتّخذتْه العائلات مضطرّة نُزهة للأطفال والتجمّعات مع الجيران في أيام العطلات الصيفية. هو المكان الوحيد الذي يوفّر الخلاء اللازم للَهو وجري الأطفال. الأمر الذي شوّش على وحشة المكان وحوّله من مكان مُقفِر في صحراء متطرّفة إلى ملاهي أطفال من رمال. لم يحظ الأثرُ في الماضي بتأمينٍ من سلطات المركز الأمنيّ التابع للمدينة الصغيرة ولم يكن يقف على بوّابته أيّ حرّاس. عكس ما فاجأك الوضع تلك الليلة مع صالح. تحوّل المكان إلى مزار، ضمن مهرجان خيبر للتراث.

 في ذاكرتك ظلّ الحصن في الليل محتفظا بوَحشته وبرودته وهياكل غُرفِه كأنه وحشٌ ساكنٌ يطلّ على المدينة حتى تغفو من شدّة الرعب. أمّا في النهار، فتسمح الإطلالة من أعلى نقطة في الحصن النظرَ إلى أبعد نقطة في المدينة، وقد تحوّلت بيوتها إلى مكعّباتٍ حجرية بنيّة تائهة وسط أدغال النخيل الكثيف.

ذكّرتْك هذه الإطلالة مع صالح قبل وقوع الجريمة بمشهدٍ مُشابه أشرفتِ فيه على ربوع القاهرة من سفح المقطّم. كانتْ أوّل مرّة ترين فيها جبل المقطّم. لم تُزوريه بعدها أبدا. تُعانين من فوبيا المرتفعات، لكنك جاهدتِ خوفك يومها وأنتِ تستندين بيديْك على حافة شُرفة الكازينو مُطلّةً على القاهرة من أعلى. انقباضةُ قلبٍ مُباغتة اعترتْك. عادة ما تختبرينها في مثل هذه الحالات. لكنّ كفّ صالح الممتلئة كانت على كفّك الصغيرة تحتويها. تُدفئها وتُطمئنها. تماما كما فعل ذلك النهار على سطح حصنك المنيع في خيبر.

اقترن المقطّم في المسلسلات المصرية التي كان التلفزيون السعودي يذيعها، بالملاهي الليلية وحوادث الخطف والقتل والاغتصاب والسرقة. المقطّم هي الكلمة المفتاحية لصفحات الحوادث كما تندّرْتِ في مرّة. لكنّ كعادتك؛ أضفْتِ بُعدا أسطوريّا لهذا الاستدعاء في ذاكرتك، بالمقارنة بين الحصن والجبل.

صورةُ الجبلين أو الهضبتين المصرية والسعودية تستدعي لديك معاني الانعزال والهيمنة على المشهد الكامل من فوق. لهضبة المقطّم رافدٌ إسلامي أيضا. مدفن عمرو بن العاص. هناك حِمل تاريخي آخر. من فوق الهضبة صوّب بونابرت قذائفه باتجاه منازل المصريين. مجزرةٌ أخرى أورثت المستعمر التعطّش لدماء القارّة.

من الممكن التفكير – مجاراةً لفلسفتك يا ليلى – بأنّ لديك دوما ذاكرتيْن؛ واحدة هنا والأخرى هناك. نادرا ما التقتا. وكان هذا مَكمن عذابك. أو تيْهك إذا ما تخفّفنا من مُبالغتك المُعتادة.

.

لم تكن تلك الليلة هي زيارتك الأولى له. لكنها زيارتك الأولى مع صالح. تعرفين هذا الحصن جيّدا في طفولتك. منتصف التسعينيات، بعدها لم تقوَي على الاقتراب منه ثانية. لمّا دخلتما المكان ذلك اليوم، كان قد مرّ أربعٌ وعشرون عاما على آخر مرّة رأيتِه فيها. كان مُوحشا في الماضي، وارتياده الدوريّ بصحبة والديك – اللذين كانا يستغربان عدم استمتاعك به – كان ثقيلا على قلب طفلة. كيف يمكن أن تستمتع بمكانٍ كلّ ما فيه عبارة عن رملٍ وصخور وغرفٍ مثقوبة؟ لكن معه كنتِ كأنّك تختبرين حصنا آخر.

هكذا أوهمتِه وأنتِ تتلمّسين التكوينات الحجرية لغُرفِه المهجورة منذ أزمان بعيدة. وفي قرارة نفسك كنتِ لا زلتِ تحتفظين بنفس الصور المقبضة، وتتذكّرين خبرةَ الخوف بنصفِ ابتسامة.

زيارةُ الحصن في الماضي كانت تتطلّب التأهّب والاستعداد. حاملين الأمتعة تفوح منها رائحة المأكولات المنزلية الطازجة. تماما كرحلتك الشهرية مع الأسرة إلى السنترال الوحيد في المدينة آنذاك. يبعد مسافة كيلومترات عن الحصن. كان سنترالا كئيبا يقع على تلّة. لهذا تستلزم زيارته كلّ مرّة الصعود على منحدراتٍ رملية كثيفة اعتدتِّها، لكن لا تفلحين في الوقت ذاته في تفادي التصاق النباتات الصمغية المقزّزة بساقيْك على طول الطريق.

ذلك اليوم الذي شهد الحادثة المروّعة، اختفتْ النباتات ذات الصمغ المقزّز. كما لم يكن هناك أثرٌ للسنترال. لم تُمهليه دقائق للاستراحة. ظلّ يدور معك حول المكان قبل أن تدلفا إلى داخل الحصن. بالكاد تسنّى له التقاط أنفاسه. وعلى وجهك – في اللحظات القليلة التي أمكنه النظر إليك – لاحظ وجوما مفاجئا.

***

كأنّها تذكّرتْ شيئا. طوال الجولة داخل الحصن. كانت إمّا تُباغته بتنهيدةٍ يسمع صوتَها وهي تسبقه بخطوات لاهثة مثل جملٍ شاحب في سباق الهجن. أو تمشي في إثرٍ شيء لا يراه. تتوقّف فجأة ولا يعود يلْحظ إلا بعد وقت أنّها صارت خلفه بمسافة بعيدة. لم تنطل عليه الأسباب التي شرحتْ بها رغبتَها في تلك الزيارة.

يعرف تماما غرضَها. ألم يُدرّبها على مواجهة الألم!

ترغب رانيا في استعادة خبرات ماضيها بحيث تُضيف صالح إلى الأماكن ذاتها التي عرفتها والأحداث ذاتها التي عاشتها، فيتبدّل إحساسُها بها. ستكون المحطة الأخيرة، وسأعود بعدها بلا حنين. قالتْ والشرطيّ مُحدّقا من مكتبه. في غرفةٍ واسعة مؤثّثة بالكامل. ذوقُها الفاخر لا تُخطئه العيْن. يُواجهها بالأسئلة المتدفقة. كتفان عريضتان تحتويان بذلة بنيّة غارقة في الشارات ووسامة شديدة. تسمع الداخل والخارج ينادونه الرقيب خالد.

  أكثر من مرّة، ارتسم سيناريو زيارة الحصن في مُخيّلتها وأحلامها. تعرفه من طفولتها بخيبر قبل الانتقال إلى جدّة والالتحاق بالمدرسة المتوسّطة. صالح طبيبها بعد أقلّ من شهريْن من وداعها اليمن نهائيا. فجر الخميس السادس والعشرين من مارس ٢٠١٥ تاريخٌ لن يُمحى أبدا. تغيّرت بعده حياة رانيا التي نجتْ بالهروب مع أهلها من قصف صنعاء. نجاةٌ بطعم الخوف والمهانة وهشاشة الحرب. نجتْ بنفسها وخسرتْ حبيبها الذي كانتْ تستعدّ للزواج به. الوقت تحت القصف لا يتقدّم. ثقيلا بطيئا. حربٌ طويلة ومفتوحة سرقتْ من عمرها أربع سنوات إلى الآن. دفعها أملٌ إلى جلسات صالح. عبر المسافات وإشاراتٍ لاسلكية يتحكّم الإنترنت في جودتها يستقبلها. يقول لها أنّ الحياة ما تزال ممكنة، وأنّ الأشياء التي نكرهها هي التي تغيّرنا للأفضل.

تقشعرّ إلى الآن إذا ما سمِعتْ أزيز طائرة. سيذكّرها فورا بعدْو طائرات التحالف. أقدامٌ تُهرول تضرب الأرضَ في ذُعر. الحفرة مرّة أخرى. صراخٌ وتمتمات أدعية بالنجاة. خمس عشرة ثانية كافية للاختباء قبل دويّ القصف. وقذائف العصابة الحوثية بالمرصاد تقضمُ البلاد.

يُنازعها شعورٌ متناقض. وُلدتْ رانيا في السعودية. في خيبر، أوائل الثمانينات. يمنيّة لا تعرف من اليمن إلّا خبرة عشر سنوات فترة الجامعة وما بعدها.

لا يسعها الندم على أيّ حال، فاليمن لم يكن يوما بلدا متجانسا. اليمن الجنوبي بالتحديد. حضرمية تشرّبت لاحقا من التنوّع. يُصبِغها بانفتاحٍ وثقافة مُتجاوزة. لكن ما تزال غصّة الهجر والمنفى في حلْقها وكوابيسها.

الكارثة بداية التغيير والأمل. تُحاول مواساة نفسها. لابدّ أن نسير باتّجاهها. نُرحّب بها. ما يحدث لها اليوم وهي متّهمة بقتل حبيبها وطبيبها النفسيّ ليس أقسى مما حدث للعدنيّين في الماضي. أواخر السبعينيّات.. اليمن اشتراكيّة حتى النخاع. أبوها عضوٌ بارزٌ، أُرغم على ترك عمله النضاليّ في جبهة التحرير، إحدى جبهات الحزب. هجر مع أسرته إلى هنا ورانيا لم تُولد بعد.

ليلة الحادثة، نظرتْ إلى المكان المُقفِر إلى جوار الحصن الذي شغله السنترال في الماضي. التلّة ما تزال موجودة وإن زاد ارتفاعها قليلا، والباقي أطلال. تليفونات السنترال التي كانتْ على ما تذكُر تعمل بالعُملة تبقّى منها هياكلَ صدئة منصوبة في عمق الأرض. تفزعُ منها بضعةُ أسلاكٍ مُهترئة مُلتفّة على بعضها، كأنّما لغمٌ انفجر هاهنا. البعض الآخر من الأسلاك تمدّد كطُعمٍ لنفايات.. أكياسٍ وأوراق قذفت بها الريح. ذكّرها هذا بآخرِ يومٍ تركوا فيه المدينة، والفيات الحمراء التي تقلّهم إلى جدّة تشقّ طريقا ضيّقة طويلة حُفرت بين الجبال. الهواء الساخن يلفح خدّها الأيمن وهي تسنده على زجاج باب المقعد الخلفي. تُردّد بصوت عبدالله الرويشد “قلبي معك يا مِشغل البال مِلتاع”. كانت الأغنية الأولى على التلفزيونات الخليجية قبل حرب الكويت. بعدها اضّطرب سوق مطربي الكويت في “مستعمرة” صدّام لسنوات. الحماسة والشغف هي الأغاني والموسيقى بالنسبة لرانيا. وَعْدٌ بالخلاص وملاذٌ للمُقاومة. لا تُكملْ أغنية الرويشد المشهورة حتى تقفزَ فورا نحو “البُلبُل” نبيل شعيل. سرسعة صوته تُقلّدها في “ما أروعك”.. “أعجب وأغرب م الخيال”. في هذه الأثناء كانتْ بقايا قمامة وزلط مفتّت تلطمُ زجاجَ وهيكلَ السيارة بصخبٍ. واجهتها بوجهها المُلاصق للزجاج في استسلام. مثل آخرِ جنديّ يستقبل على أرضه أفواج العدوّ ولم يخسر بعد بسالته. أعداء الطريق في هذه البلاد كانت جيوشا زاحفة من الطوب يُحارب من كل صوب الفيات الحمراء. أهوَن على أيّ حال من الجِمال المُتهادية بين الطرق البريّة. حاصدةُ أرواحٍ تُباغت الراكب على الطريق السريع.

في الطريق يمرّون بالسنترال. لا تنسى التفاصيل يوم يأتون إلى السنترال ويقضون ساعاتٍ طويلة مُملّة في انتظار الدَوْر من أجل مكالمةٍ للعائلة قد لا تستغرق أكثر من ربع ساعة.

كان السنترال مُلتقى المغتربين.

 تقتضي طقوس التأقلم التي مارسها والدُها على وجه التحديد بجديّة ودأب؛ أن تُعاونه ابنتُه البِكر بأن تَعقد سباقا مع عدّاد العُملة والزمن. لهذا تمرّنتْ على إحصاء الوقت بدقّة، واكسبها ذلك حساسية تجاه الزمن من دون إرشاد ساعة أو ضبط هاتف. يُمرّر أبوها عبارات التحيّة والاشتياق والسؤال عن الأحوال. يُلخّص دوما الأخبار والمستجدّات. كل هذا دَفقة واحدة، بسرعة فائقة تُربكها. في جملةٍ واحدةٍ طويلة وغير مفهومةٍ غالبا تمضي الدقيقة الأولى. يمدّ إليها يدَه النحيلة لتناوله عملةً أخرى. دقيقة ثانية ويحتاج الهاتف المعدني الصلب إلى دَفع عُملة جديدة. على قدر العُمْلات ذلك اليوم من الشهر؛ تَطول أو تَقصر مكالمات الأهل والأحباب.

لم تر رانيا هذا السنترال في حياتها في النهار قط. كانوا يضطّرّون للذهاب مرّة أو مرّتين في الشهر إليه في الليل بعد انتهاء دوام المدرسة. عادة ما يكون ذلك اليوم هو نهاية الأسبوع، فلا حاجة إلى العَجَلة في الرجوع إلى البيت واللحاق بموعد النوم للاستيقاظ مبكرا من أجلِ يوم دراسيّ جديد.

في ذلك اليوم، تذكّرتْ. كانتْ خلف السنترال غابة نخيل. أو هكذا كانت تظنّها. لم ترها أيضا إلا في الليل. أصرّت عليه أن يدخلاها قبل مَغيب الشمس ومن ثمّ يكسوها الظلام.

لم يكن ثُخن سيقان النخيل وعُلوّها الشاهق هو ما يُخيفها في طفولتها، بل تلك النبتات الشوكيّة وهي تكسو المنحدر المؤدي إلى عمق الغابة وأوّل ما يستقبلك إذا هممتَ بالدخول إليها. لم تكن نباتات. بالأحرى أشجارٌ صغيرة شيطانية ما إن يضغط أحدٌ على أغصانها أو أوراقها حتى تنزّ منها مادّةٌ لزجة في لون الحليب. ليلة وقوع الجريمة هالها أنها لا تزال موجودة. والحليب المُعكّر لم يزلْ يقطرُ من أطرافها.

………………………

*فصل من رواية قيد الإصدار

 

 

 

 

 

 

مقالات من نفس القسم