فصل من رواية “لعبة السفر” لـ طارق فرّاج

لعبة السفر
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

مغادرة ووصول

-1-

 

كان عليَّ أن أخرج

من ذلك الباب نفسه

الذي دخلت منه ذات يوم

…،

أذكرُ أني حين دخلتُ،

لم أجد إلا الفراغ

وحين استدرت راجعاً،

لم أجد الباب!!

 

دفع “قاسم” بوابة البيت الثقيلة بقدمه اليُمنى فانفرجت بقدرٍ يسمح له بالدخول بما يحمله من حطبٍ للموقد. في نهاية القاعة الطويلة، لَمَحَ “رشيدة” مُنكفئة على مواعين الماء وثوبها البيتيّ الخفيف ملمومًا بين فخذيها. دقق النظر؛ ساقاها ناصعان ومؤخرتها الرائعة تملأ المشهد الذي لم ينْسَهُ يومًا. تزورهم على فترات متقاربة لتساعد أمَه؛ تغسل وتكنس وتملأ أواني الماء وتأخذ ما قسمه الله لها من طعام. 

كان ذلك الوضع المثير جديدًا على ناظريه؛ فخذان شهيان ينتهيان إلى مؤخرة ذات فلقتين واضحتين ومحددتين بذلك الأخدود الطوليّ العجيب. وقف جامدًا في مكانه حتى اعتدلَت واكتشفَت حضوره وخمنَت ما آل إليه حاله لمرآها هكذا فابتسمت وأطلقت سراح الثوب المعذَّب لينسدل في ليونة لأسفل. في ذلك اليوم، قالت نظراتها كلامًا كثيرًا لم يفهم منه شيئًا، حتى تزوجها. ظلت ابتسامتها عالقة في المسافة الصغيرة الفاصلة ما بين أجفانه لتمنحه، كلما تذكرها، فهمًا جديدًا يضافُ إلى فهمه الذي تعسَّر، تقريبًا، وتباطأ في النمو لسنوات. لم يفكر يومًا في الزواج برشيدة، لأنه كان يعرف مدى ولعها بمغازلة الفتيان لها، ومدى تساهلها حين يلقي أحدهم، في طريقها، جملةً تصف روعة أنوثتها. 

* * *

كثيرًا ما نشبت المنازعات بين “زينب” وزوجها “عبد المنعم الجِنّ”، الذي كان قد وصل به قطار العُمر إلى محطاته الأخيرة، عندما فارت رشيدة وتدوَّر جسدها مزهوًا بثماره الفاتنة. لم يكن الجن جادًا في مغازلاته المتكررة لرشيدة، لكن زينب كانت تغتاظ وكان يحب أن يغيظها. 

تمرّ رشيدة أمام الجَنّ، وهو جالس على المصطبة أمام بيته، ملقية إليه بابتسامة ونظرة، عندئذ يبدأ في ارتجال الكلمات التي يمليها عليه الموقف كأن يدعوها إلى الشُرب من ماء القُلّة البارد قائلًا: “تعال اروي عطشك يا جميل، الميّ دي ترُدّ الروح، اللي يشرب منها مرَّة يرجع لنا ألف مرّة”. ورشيدة تسمعه فتضحك وتتلوى في مشيتها وثوبها الخفيف يبرز تضاريس الجسد الفتيّ، يتنهَّد ويقول “يا بلح يا طايب مَشْيَك عجايب”، بينما تسمعه زينب فتنهره وتعيبه وتزعق من الداخل “امشي معدول يا معووجة”، والبنت تسمعها فتسرع خطاها وتختفي عن الأنظار. 

لم يكن عبد المنعم الجن يخشى الموت وكان يهزأ منه حتى ظن الناس أنه لن يموت. لكنه مات في وضح النهار أثر عضة فأر جبليّ قضم إصبعه الخنصر بينما كان نائمًا، في فناء بيته الخلفيّ. قام فزعاً، يصرخ من الألم. أصابته الحُمى حينئذ، ومات بعدها بأيام. قالت زينب؛ إن زوجها كان نهمًا؛ يعشق الأكل ولا يستثني شيئًا. في يوم عضة الفأر تلك، اغترف غرفة بيده من وعاء الزُبد الفخاريّ وألقاها في جوفه دفعة واحدة، ثم اتجه نحو الفناء مباشرة لينام في ظل شجرة الجميز، بينما كانت أصابعه تبث رائحة الزبد وتنشرها في الأنحاء جاذبة إليه ذلك الكائن الصغير ليقضم إصبعه.  

* * *

كان قاسم يسمع الصغار والكبار، في طفولته، ينعتونه بصفات لم ينسها أبدًا: “معتوه، أهطل، مجنون”، ولم يعد يتذكَّر لماذا لم يدافع، وقتئذٍ عن نفسه. ربما لأنه شكي إلى أبيه سوء معاملة الرفاق، لكن “الحدَّاد” لم يدفع عنه الأذى، بل أرغى وأزبد وقال كلامًا قاسيًا لم يعلق منه في ذهنه سوى إنه أكثر شبهًا بخاله (المجنون) الذي كان يضرب في الأرض هائمًا على وجهه، وأينما حط عليه الليل نام. كان خاله يغيب بالسبعة أيام، لا يعرف عنه أحد شيئًا، ثم يتفاجأ به أهل بيته نائمًا في حجرته، أو جالسًا على المصطبة أمام البيت كأن شيئًا لم يكن. يحادثهم كأنما لم يبرح مكانه. خرج ذات يوم ولم يعد. تتبع بعض أهل الواحة آثار خطوات دابته حتى انتهت بهم جنوبًا، داخلة “وادي النوم”. عندها، خافوا من دخول الوادي وعادوا يبعثرون الحكايات التي اختلقوها عن الوحوش الضارية التي تحرس مدخل الوادي. 

غادر قاسم ابن “عبد الحكم الحدَّاد” الواحة في فجر اليوم الذي جاء فيه “جُنيْد البَرّي” إليها. حط جُنَيْد على أطراف الواحة بمحض الصدفة عندما تراءت له من بعيد كجنّة “عدن”. جاء هائمًا على وجهه، يضرب في أرض الله بعد أن أضحى وحيدًا، بينما غادرها قاسم مسافرًا إلى عاصمة البلاد بحثا عن لقمة العيش. التقيا مرتين، بترتيب الأقدار، لمدة لا تزيد عن الوقت الذي يتقابل فيه قطاران؛ أحدهما انتهى به الطريق إلى محطة الوصول، والآخر يهم بمغادرة المكان منطلقًا نحو المجهول. 

    حدث ذلك في تلك السنوات التي كان فيها اتساع الصحراء ـــ رغم مجاهلها ـــ أكثر دفئًا من حجرةٍ ضيقةٍ مُغلَقة النوافذ. كانت البُقعة الخضراء الملتصقة بقعر المنخفض العميق، وبيوتها القليلة المتمركزة فوق الربوة التي تتوسطها، هي كل ما يعرفه أهل هذه الواحة عن العالم الذي ينتهي ــــ بحسب رؤيتهم ــــ عند بداية الكثبان الرملية المسنونة والمقوَّسة فيما وراء ذلك الحزام الأخضر، ومن ثَم تبدأ مساحة شاسعة من الأراضي القاحلة: ريحٌ ورمالٌ سافية، بقايا أشجار متيبسة منكَّسة الرؤوس، كثبان رملية تتمدد مُسددة أذيالها الطويلة نحو العمران، مثل رسائل غامضة قادمة من كواكب مجهولة.

    تقع البيوت فوق هضبة صغيرة، ذات جوانب لطيفة الانحدار. أنتَ إذا رأيتها من بعيد، رأيتَ طبقاً ضخماً مقلوبًا تبدو المساكن فوق سطحه وعلى حوافه كأنها بُنيت فوق مصاطب متدرجة الارتفاع. يمتد الزقاق الرئيسي ــــ طويلًا ومتعرجًا ــــ من الشرق لينتهي عند أوطأ نقطة في الغرب. تتفرع منه أزقة صغيرة تتلوى هنا وهناك. تؤطر حواف الهضبة وما حولها حقولٌ خضراء ونباتات بريَّة وحشائش تتناثر في عشوائيَّة وفوضى. إن بقعة كهذه، تُعد هامشاً منسياً ما عرف الراحة يومًا وما أوى إلى فراش. لقد انغرست أقدام كثيرة هنا، وما أن تحركت للأمام حتى كنست الريح آثارها. 

 

-2-

قَدِمَ جُنَيْد من واحة “عَنْقِيش”، وقرر أن يحط رحاله عند أول بقعة خضراء يراها، بعد أن طرق أماكن أخرى ولم يلق ترحيبًا. لم يكن يبغي بيتًا يؤويه، بل كانت أقصى آماله أن يُسمح له ببناء “خُصّ” صغير من جريد النخل يمكن أن يستظل به على هامش أية منطقة عامرة. لم يحمل يومًا هَمّ الليل؛ فالسماء سقفًا كبيرًا يحتوي الجميع. 

بعد أن قطع المدق الصحراوي الواقع شرق الواحة، استقبلته شجرة الدوم بقوامها الملفوف وأوراقها الخضراء العريضة. أوقف حماره الأسود ثم تلفَّت متأملًا المكان حوله. لم يكن يُسمع في ذلك البراح سوى رجع صدى لنباح كلابٍ يأتي من بعيد. 

خرج قاسم قبل انبلاجة الفجر، تاركًا زوجته “رشيدة” في البيت الذي أعده له أبوه. حمل أمتعته القليلة وزاده وزوَّاده فوق ظهره، وسار مخترقًا الأزقة ومتأملًا البيوت الطينية الواطئة حتى وصل أول المدق الشرقيّ وتراءت له قمم الربوات وأسنة الكثبان الرملية كالأشباح والعفاريت التي يُحكى أنها تخرج هائمة في الشوارع بعد غروب شمس كل يوم. 

فرَّت الطيور من أعشاشها فجأة، عندما اقترب من شجرة الدوم، وسمع صوت ارتطام أجنحتها بأفرع الأشجار. اقشعرّ جلده وأحس بثقلٍ في قدميه وأصابته رجفة، فتسمر في مكانه قبل أن يلمح الشبحين المنتصبين تحت الشجرة. استجمع رباطة جأشه، مستعيذا بالله من الشياطين والعفاريت ثم زعق: “هُوووي، مَن هناك؟”. وجاءه الرد ممطوطًا: ” أنا غريـيـيـــب يا أهل الكرم”. أخذ قاسم نفسًا عميقًا عندما اكتشف أن الشبح، الذي يقف على بُعد خطواتٍ منه، آدميّ وحماره معه. كان قاسم قد قرر ألا يفتح حوارًا مع الغريب، لكن الفضول دفعه أن يسأل الرجل عن اسمه، وعرف أنه “جُنيد البريّ” فلم يرتح له، وحاول قدر الإمكان اختصار إجاباته ردا على أسئلة جنيد الكثيرة عن الواحة وأهلها. بالطبع، يعرف حكاية “البري” الذي قُبض عليه وسُجن، واستنتج أن الابن الذي يقف أمامه الآن، يبحث عن مأوى.  

-3-

برغم تلك المعزوفة التي انطلقت من الحظائر وأفنية البيوت إلا أنه لم يستيقظ. أعلَنَ نهيق الحمير المختلط بثغاء الماعز وقأقأة الدواجن وصياح الديكة، ونباح الكلاب أن نهارًا جديدًا من عمر هذا الكون قد وُلد للتو. لاح ضوء الشمس شاحبًا في الأفق، بينما امتنع “غانم” و”مسلَّم” عن الثرثرة، وشدا مِقْوديّ حماريهما للخلف، وثبَّتا نظريهما على تلك الكومة الداكنة تحت شجرة الدوم، وعلى ذلك الحمار الأسود المربوط إلى جوارها. أدركا أن ثمة شخص ينام تحت ذلك الغطاء، ومن ثم قررا أن يعودا أدراجهما ليخبرا الشيخ “وَنُّوس” بالأمر. 

* * *

    كان “جُنَيْد البَرِّيّ” شابا قويًا، يستطيع، بلا مبالغة، أن يرفع جوال سُكَّر يزن مئة كيلوجرام من الأرض، ويضعه على حماره الأسود دون مساعدة من أحد. فتى طويل، بمنكبين عريضين، وذراعين قويتين تنفر عروقهما وتتشابك مثل حبلٍ من الليف مُلقى على الأرض كيفما اتفق. قَدِمَ جنيد إلى الواحة فجأة، بعد أن انتشر خبر موت أبيه في سجن المدينة البعيدة حيث ثبتت عليه حادثة سرقة لم تكن الأولى من نوعها في تاريخه كلصّ غير معروف، لكنها كانتا المرة الأولى التي يُضبَطُ فيها متلبسًا. 

عندما علم أهل هذه الواحة، وأهل الواحات الأخرى المتناثرة في الصحراء أن البريّ قد مات في السجن، قبل أن يوفّي مدة عقوبته، ترحّموا عليه وقالوا كلامًا يليق بجلال هذه المواقف، لكنهم أضمروا فرحًا عظيمًا في مكنون صدورهم، كان ينعكس، بين الحين والآخر، في أحداقهم.

عند مجيء جُنيد، كان قد مرَّ على زواج “قاسم” بـ “رشيدة” ما يقرب من ثلاثة أشهر. تزوجها مرغمًا؛ لأن والده “عبد الحكم الحَدَّاد” أراد ذلك، وما استطاع أن يتفوّه ولو بكلمة، بل ظل مُقيدًا طيلة اليوم في العمل الذي طالما كرهه ولم يجاهر بكرهه؛ جمع الحطب، مطرقة الحدادة، خبث الحديد، لهيب النار، وأوامر أبيه التي لا تنفد. 

     عبد الحكم “الحدَّاد” رجل فظ، لا تعرف البسمة لوجهه طريقًا وما استطاع أحد أن يقبض عليه متلبسًا بالقهقهة ولو مرة واحدة. قدماه الحافيتان على الدوام، تزينهما شقوق غائرة كأودية جف ماؤها واحتلتها الرمال… بعد أيام من وصول جنيد إلى الواحة، قابله الحداد مصادفة في أحد الأزقة وتعرَّف عليه على الفور ــــــ حيث كانت حرفته تضطره للتنقّل بين الواحات لبَيْع الفؤوس والمناجل وعَلَّاقات الحديد والمسامير الحدَّادي ــــــ فقد التقاه أكثر من مرة في واحة “عنقيش”، والواحات المجاورة لها. 

    عندما التقيا في الزقاق، صدمه الحدَّاد بكلام قاسٍ قائلًا إنه يعرفه جيدًا ويعرف أباه الذي سرق ونال ما يستحق. بلع جُنيد، على مضض، كلام الحداد وظل صامتًا، بينما الأخير يتوعده بأنه سوف يُخرجه من هذه الواحة بفضيحةٍ إن هو فكّر في المضيّ على خُطى أبيه. لم يشك جنيد، ولو للحظة، أن أباه مات مظلومًا؛ ظلمته الحياة، وظلمه قهر البشر. 

    ها قد أمسى وحيدًا، وما من شك في أنه ـــ فيما سيأتي من أيام ـــ سيتجول مُفردًا، وعليه أن يختار الطريق بكامل إرادته. لكن جنيد لم يختر، وقتئذ، طُرُقًا، بل قادته فطرته نحو التجوال. فكل ما يعرفه، أنه يتحتم عليه أن يتجوَّل، يطرق الممرات ويختبر الدروب، ولتضعه الحياة والناس أينما يريدون، فلن يهتم. ما من سبب مهم يدعوه للاهتمام بما هو قادم، فلم يعد هناك – بعد موت أبيه – ما يخشى عليه. 

لِمَ الخوف، وقد تحوَّلت الحياة التي كان يأملها إلى كومةٍ من الأحجار!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فصلٌ من رواية “لعبة السفر” .. صادرة مؤخرًا عن دار المسار ـ معرض القاهرة الدولي للكتاب 2023

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق