فصل من رواية “عين من زجاج”

عين من زجاج
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

فكرى عمر

(6 ديسمبر 2011م – الثانية والربع صباحًا)

رنينٌ متواصل..

بيدٍ لا تزال متراخية، من أثر النوم، مَدَّ أصابعه وسحب تليفونه من فوق مكتبه الخشبي القديم. رقمٌ غريبٌ يبرق أمامه على الشاشة الصغيرة. رأسه يدور. يُفضِّل أن يتخيل المتصل، أو المتصلة، والخبر السعيد الذى يحمله من أن يفتح الهاتف ليتفاجأ باتصال خاطئ. كل ليلة كان يقرر أن يغلق هاتفه المحمول حتى يستيقظ، أو يجعل استجابته مجرد وميض ضوئي دون صوت، فلا يزعج نومه، ثم يتراجع عن كلا الخيارين. ربما تأتيه محادثة مهمة تُنسيه قلق النوم الذى لا يأتي إلا لمامًا، وبالصدفة، مثلما حدث في مرات معدودة. أحيانًا يكون المتصل شخصًا يعرفه، وقد بَدَّل خطه، ليبلغه بالرقم الجديد.

“هناك ما يسمى بالرسائل، لماذا لا يستخدمونها؟!”.

الرنين يتوالى في إلحاح. هل يكون مسؤول دار النشر الكبرى التي تَقدَّم إليها بروايته منذ شهور ثلاث؟ يُخبره بالموافقة على نشرها، وربما يتدخل، كما عرف من بعض أصدقائه، في طلب بعض التعديلات. سوف يراوغ بالتأكيد. لا يريد أن يُغيِّر مما سبق له أن راجعه أكثر من مرة، ورضى به. يَحلُم أن يراها على رفوف المكتبات، ولدى باعة الصحف بعد أربع سنوات من المشقة، لكن أي منطق في تَخيُّل الطرف الآخر رجلًا كهذا في تلك الساعة؟!

ربما يكون أحد معارفه من الكُتَّاب الجدد مثله. قرأ له قصة منشورة حديثًا في إحدى صفحات الثقافة بالجرائد، ويود أن يبلغه بالخبر السعيد، ثم يناقشه في التفاصيل. حدث ذلك في أوقات مختلفة، بل إن القانون الثابت للوسط أنه لا قوانين سواء في مواعيد المكالمات، أو المدى الوقتي للمناقشات، أو الانفعال الفجائي وقلب الطاولات لمجرد نظرة، وموقف غير محسوب.

من المحتمل أن يكون واحدًا من أصدقائه الذين لا يأتيهم النوم ساعة إلا ويستيقظ، يفتح التليفزيون؛ ليتابع الأخبار. هو نفسه يفعل ذلك؛ كل ساعة معبأة بصدام جديد، ودم ساخن على الشاشات، والإسفلت.

يفيض جسده بالضجر. لا حل للأرق الذى يصاحبه الخوف إلا في الحبوب المنومة كما نصحه البعض، وحذره البعض الآخر، فحسم الأمر مقررًا الامتناع عن تلك الخطوة. لا يود أن يسقط في نوع جديد من الإدمان حتى لو كان سيمنحه الراحة، وبعض الطمأنينة؛ فلن يستطيع الإفلات منه.

الروح أيضًا رفيقة الصحو المُؤرق، والهواجس المؤلمة المؤنبة. لا تغادره أحلام اليقظة في ليالي الوسن إلا منهكًا بالتطلع للمستحيل، والإفراط في التشهي الذى يتركه جسدًا هامدًا مُبتلًّا على فراشة حتى ظهيرة اليوم التالي. نصحه الأصدقاء في فترات متباعدة بالتقليل من تناول القهوة، والشاي بعد السادسة مساءً. كان يطيع أحيانًا، ثم يطيح بها في نوبة يأس أخرى لما يرى أن النتيجة واحدة. تعاطِى الذكريات، وأحلام اليقظة أكثر إشعالًا لليقظة بالليل، والشرود بالنهار من كل فناجين القهوة، وأكواب الشاي.

حين يستيقظ بعينين تُفتحان وتغلقان فوق أهلة زرقاء عميقة وفى رأسه بقايا مشاهد ممزقة من الأحلام يعرف أنه راح في رحلة النوم ولو لساعات قلائل، ساعتئذ يظفر ببعض الرضا.

ثلاثة اتصالات سابقة من نفس الخط حسب ما رأى بعد ذلك. عاد إلى عالمه المُشوش، وأجنحة عصافيره المجهضة على حواف الأحلام التي تأتى له بأشخاص انقطعت علاقته بهم. إما لموتهم، أو لأسباب ما، وما أكثرها، كخلاف وجهات النظر السياسية، أو الفنية التي تنتهى بفتور العلاقة من الناحيتين، ثم ثباتها فوق شعرة رفيعة، لا هي تنمو وترجع مودة طاغية، ولا هي تموت مُخلفة ذكرى شاحبة لأزمنة لن تعود. أحيانًا تصل الأمور إلى مجرد متابعة ما يكتبه الصاحب على حسابه الاجتماعي “الفيس بوك” دون أن يضع “رشدي صلاح” تعليقًا، أو علامة زرقاء دليل المرور والقراءة، والصاحب يبادله تجاهلًا بتجاهل. ليس معنى ذلك أن تعليقاته على منشورات لأصدقاء له على الصفحة، أو لمجموعة دُعي إلى الانضمام إليها مع شباب قريته تشى بعلاقة حميمة من أي نوع. هو غالبًا يُعلن كل حين أنه لا يقبل أنصاف الحلول، وأنصاف الثورات، وأنصاف العلاقات. لو تُرك للحظات غضبه لخسر الدنيا كلها.

تصله تهديدات صريحة على الرسائل من حسابات بأسماء مستعارة لشبان، وفتيات. “الجبناء، لو يعلنون عن أنفسهم بقدر ما يعلنون بتبجُّح عن آرائهم”. يقول لنفسه شاعرًا أن من واجبه كمثقف حُرَّ لا يتبع حزبًا، ولا جماعة، ولا شيخًا أن يستمر في طريقه. صحيح أن العيون المغمضة عن المعرفة التي تجلب البصيرة والهم معًا كانت لا تقبل منه ذلك، فهي لم تعتد سوى الكلام المُسكِّن، ولا ترفض من نفس الشخص فعله الشائن طالما ظل سريًا، لكنه ظل يُعلن عن ذاته دون خوف، ولا مواربة مدركًا أن نصف ثورة هي مشنقة لكل الثوار كما قرأ وتابع، وأن نصف صداقة هي مضيعة لكل الوقت، وأن نصف علاقة هي سحق لكل مشاعر الحب تحت أقدام من لا تستحق؛ لذلك لن يتنازل عن فقرة واحدة بالرواية، وأن اُضطر لطبعها على نفقته طبعة محددة يوزعها على الأصدقاء، ورفاق الوسط، والنقاد.

“ألم يحدث المستحيل في بداية هذا العام؟ لم الخوف من بعض الوصف الحسى الكاشف لطبيعة الشخصيات، وبعض المراجعات التي تجريها على فكرة الدين، وأساسه التاريخي”.

نظرته المُبتكرة والمُجربة للأمور كانت تثبت صحتها مع الوقت. أَلِف مقابلة أحدهم ومبادرة الآخر لـ”رشدى” بالقول: “إن وجهة نظرك صحيحة، وكلامك كأنى أراه ماشيًا أمامي على قدمين من قوة تحققه”. ويكون نفس الشخص قد قاوم تلك الآراء من قبل!

في لحظات الرنين الأولى دق جرس الباب في الحلم، قام من مكانه، ليفتح الباب أكثر من مرة، لكن الصوت لم يكف عن استفزازه؛ حتى استيقظ مرغمًا، أدرك بعد ثوانٍ أن تلك الحيلة اللا واعية قد فقدت جدواها أمام الحقيقة. طرح البطانية عن رقبته ونصف صدره، حرك رأسه، وأمال مخدته قليلًا على شباك السرير رافعًا شاشة التليفون بمحاذاة رأسه دون أن يقرر ما سيفعله بعد. اللحظات تمرُّ مقلقة، ثقيلة. عاد الرنين للمرة الرابعة. رفع رأسه لأعلى قليلًّا حتى تَحَوَّل من الاتكاء إلى الجلوس المُتحفز.

– آلو.

– آلووووو.. مساء الخير يا فيلسوف.

فترة انتظار.. لم يعرف بم يرد.

– من حضرتك؟

– يا رجل! ألا تعرف صوتي؟!.

“المتصل السمج لا يكفيه أنه أطار نومًّا عزيزًا من رأسك، بل أتى ليكمل وصلة السخرية التي تحيط بك”. وبصوت حقنه “رشدي” بنبرة استفزاز هذه المرة:

– من حضرتك؟!

تمالك نفسه؛ كي لا يسُبُّ المتحدث على الناحية الأخرى. كثيرًا ما يفعلها مع الآخرين في أحلام يقظته، أو يقتلهم ممزقًا إياهم لعشرات الأجزاء الصغيرة حتى لا يتعرف عليهم أحد، فيضيعون تمامًا بين الحياة والموت.. “أنت!”. الذى يهاب مناظر القتل على الشاشة، ودماء المواشي المذبوحة في الشوارع! في البداية كانت تلك المشاهد تزوره في الأحلام على فترات متقطعة. تأتى يومًا في الشهر تقريبًا، ثم يومًا في الأسبوع، حتى تتابعت على رأسه. صار يعيشها كلما راح في النوم ظهرًا، أو أثناء الليل.. يرى كتلة آدمية في ظلمة الليل. يكون قمر السماء مختبئًا خلف سحب رمادية وسوداء، وثمة جسد آدمي مُعلّقٌ من قدميه بخطاف يتدلى من السقف، يداه مرتخيتان في استسلام إلى أسفل، والكرة المرتعشة التي هي رأسه مشدودة بخيط سميك إلى كتفيه المقلوبين. يعطيه المنظر الانطباع بأن الرجل المُعلَّق عاش الجحيم طوال الساعات المنقضية عبر حفلة تعذيب باللكمات، والأقدام، والجلد بالسياط. يتردد صدى الأنين الموجع، يكسر سكون الكون وراء الزجاج. حين يفلت القمر لثواني من الحصار ينسل داخل الحجرة ضوء خفيف، يحدق في وجه الآخر، فيرتج في مكانه.

يفاجأ “رشدي” بعمق معرفته به، وطوال الليل يبدأ في إدراك الحقيقة شيئًا فشيئًا.. إنه هو بنفسه من كان يمارس على الضحية دور الجلاد بإصرار غريب. يلف وجهه الغاضب إلى ركن الحجرة، فيشاهد والديه اللذين كان يسبهما، ويكدرهما كمجرمين أيضًا.. تَجرُّ المعلومة أختها، ويمطره المشهد بمشهد آخر، ويملأ النور المفاجئ حجرته السرية بالأجساد المعذبة، والصرخات. حينئذٍ يُحسُّ أنه لو ظل ينظر إلى الأركان لرأى المشاهد تكر أمامه دون توقف، وجثثًا لأقرباء، ومعارف تتهاوى تحت قدميه دون رحمة.

“أي ألم جبار ذلك الذى يسيطر عليك بعد أن تفتح عينيك إثر الحُلم! من يُصدِّق أنك قد تؤذى نملة بإرادتك، وأنت المعروف بهدوئك وبشاشتك حريصًا على تلقِّى الصدمات، والجحود بصمت ملتمسًا العذر للآخرين: “إنهم لا يقصدون بالتأكيد”، أو “من يعلم صعوبة الظروف التي يمرُّون بها”، أو “التسامح صفة النبلاء”؟ لا تتحمل أمام نفسك قبل أي أحد آخر أن ترتكب جريمة في الدنيا مهما كانت أفعالهم ضدك ذات يوم”.

أيقظه الصوت الخشن من خياله مرة أخرى بعد دقيقة من الترقب:

– ستعرف حالا. المهم أن لك عندي خبر العُمر.

– طيب. من أنت؟

– تعرف تخمن يا صقر الفلاسفة؟! ها ها ها.

الكثير من أصدقائه، ومعارفه يفعلون ذلك. يكون الرقم غير مسجل لديه باسم معين، والصوت ليس صوت أحد من أقرب أصدقائه. يفعل هذه الحركة ثلاثة على الأكثر، لكن لا يخاطبه بكلمة “فيلسوف”، أو “حكيم” أو “مغرم بالأساطير” سوى شخص واحد له نفس نبرة الصوت التي بدأ “رشدي” ينتبه إلى وقعها على أذنيه، ويستعيد وعيه بالماضي تمامًا..

– جابر؟!

صمت الآخر طويلًا على الجهة الأخرى، ثم انفجرت ضحكة عالية، و”صباح الخير، فالساعة قد تجاوزت الثانية صباحًا”. كح “رشدي” بقايا البلغم والقلق في حلقه، ليُحدِّث صاحبه بصوت لين.

– خير؟ خير يا عم جابر؟

– خير كبير، قل مفاجأة لك أنت بالذات. سمر موجودة في مكان قريب منك، تريد أن تراك.

لم يفكر “رشدي” في الطريقة، أو الزمن الذى تعارف فيه “جابر” بها، بل ولا مُسوِّغ حمله رسالة منها إليه؛ لأن جراحه عادت لأنينها الصاخب طاردة دماءً كثيرة على رقعة الماضي. كاد أن يلعقها كذبابة وهو يسأل “جابر” عن تفاصيل كثيرة بتوسل غريب. لم يرحه الآخر؛ انتظارًا للغد، وانتهت المكالمة. 

………………………..

* صدرت الرواية في طبعتها الأولي عام 2022م عن دار “الفاروق للاستثمارات الثقافية”.

 

مقالات من نفس القسم

تشكيل
تراب الحكايات
موقع الكتابة

المعرض