فصل من رواية ثؤلول

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

ميس خالد العثمان

في الخفاء كنت أوَشْوِشُ صغيري : " علينا أن نبرع في الحفاظ على ربيع أيامنا، فلا يحزن أحدنا الآخر يا حبيبي" وجابر لم يخذلني أبدا. كان طفلاً ذكيا بعينين يشتعل بهما النزق، يملأُ حوض استحمامه الأزرق بالماء والصابون، ويصنع رغوة كثيفة/كبيرة، يحتضنها على ساعديه، ويأتيني راكضا ليريني سحابته البيضاء بفرح الصانع! يقول : " يبتها من السما .. حقّك"! 

يفاجئني كل لحظة لعب، بفرح مغلف بالحب. أتذكر حينماكان صغيرا جدا وبحجم كفي مجتمعتين، راقبته طويلا لأكثر من ساعتين، تابعت تنفسه السريع مثل قطة حديثة الولادة، وبدأتُ في البكاء! وحين كبُر َقليلا وخرج للشمس والنور والأشجار، لاعَبَتْهُ القطط وزقزقت له العصافير، وبكيته أيضا! فاستحال فتى يافعاً/ مشرقا بعينين ساحرتين برماديتهما وشعر كاللّيل، تلَقّفَتْهُ أرضُ الله وسماؤه .. بكيته كذلك! راضية بشقائي الصغير ، بل مستمتعة به، لولا الآخرين .. لولا الآخرين. فالآخر، مهما يكن هو تهديد لك، يَسلب حريّتك ، مُحِباً كان أم عَدُوا. ففي “نهار جُمعة”جديد،طُرق الباب مبكراً، جابر بسنواته الخمس يقضم خبزة طازجة، وممسكة بــه، فتحتُ الباب. كانت والدة سحـر التي نسيتُ ملامحها من وراء النقاب الأسود،تُسلّمُ عليّ بحرارة وصوت مشتعل بالبهجة التي لم تستطع مداراتها، وهي تسألني عن أمي مرات متتاليات،أشرتُ لها بالدخول أولا، وحين أَخَذَتْ مكانها المعتاد في صالة بيتنا،حيّتها أمي، فاحتضنتا بعضهما بحرارة خالصة لم أفهم سببها، حتى رفعت نقابها،كاشفة عن وجه معبّأ بالانفعال والاحمرار،وأخبرتنا بينما أصابعها تداعب جابر بقرص خديه : ” اليوم فرحة عمري،يا أم سالم،اليوم عقد قران سحر، في بيتنا بعد صلاة العشاء، يارب تفرحون بهالصغير وأولاده، لا تخلّون! حياكم الله

هكذا دَلقَتْ بشارتها في وجوهنا وأخذت تُقبّل جابر من خديه فرحاً بالدنيا التي ابتسمت لها، وغادرتنا بينما تعيد ربط نقابها بإحكام قاس على وجهها، فيما كان جابر يمسح بكفه الصغيرة مكان قبلاتها من خديه بانزعاج، وأنا أُكَرْكِرْ بصوت عال/ أردد جملتها : ” اليوم فرحة عمرها يا أم سالم … فرحة عمرها …”! ساهمة أمي في الشباك تشيعها بنظراتها، وهي تردد ” أوّل الله .. الله يتمم عليها“. لكن الفرحة لم تكن كاملة، لأن تاريخنا المشترك يفيض علينا بالمواجع، فإن الفترة منذ 1991 حتى 2003، كانت سنوات متكررة “السيناريوهات”، سخية جدا بالتهديدات من “الآخر/الجار”، فكم من المرّات منذ نيلنا الحرية أُحكمت الشبابيك باللاصق الشرس، و انغمست قلوبنا بالدعوات، وتآلفت الإذاعات بالنصح وحُسن التصرّف، والدفاع المدني يضمد خيباتنا لخسائر محتملة أقل في الوطن والأرواح. “صَدّام يهدد” في كل مرة نتبادلها، ولا يكف الأذى يكشف عن طرقه الخبيثة في الإرهاب.

صيف 1995ممسكةُ بصفحة الجريدة المطوية على الفرح، أركضُ باتجاه باب بيت سحر، أرنّ جرسهم بثلاث مرات متتاليات، رنّتنا السرية هي وأنا، تماما كما كنا نفعل “قبل الغزو”، وأردفها بـــجواب على استفهام الصوت المشوّش من وراء السماعة “منو”؟! أرد بــــــ “أنا سلوى، أبي سَحّورَة”! ويُفتح الباب على وجه لا أميّزه، خطوتان للوراء ، أداري خجلي وسنواتي الـــ 17 المبتهجة بـــما بين يدي، أسأل : “وين سحر”؟العين الغريبة ترصدني من الأسفل أولا حتى جبيني المندّى بالاندهاش، يطل فجأة وجه مألوف لي، “أم سحر” : “هلا هلا سلاّوي تعالي يُمّة حَيّاجْوتوشوش الغريب ” هذه سلوى بنت جيراننا أم سالم، صديقة سَحَر“. والوجه الغريب بلحية كثّة صعبة بحرارة الصيف،ووجه لا يتذكر الابتسامة، وعينان تحققان في وجهي! أخيرا،وحين تصادَفتُ بسحر في صالة بيتهم، وضعت الصفحة المطوية من الجريدة بين عينيها، حتى احولّتا! “أسامينا هنا يا حلوة ! أنت أدب لغة انكليزية ، وأنا علوم المكتبات” . لم أنْهِ عبارتي ولم يهدأ مهرجان فرحي الذي نثرته في بيت سحر، حتى تَحرّك الجبل الغريب : ” سحر لن تدخل الجامعة” . للحظات صمت بقيت أتأمل في كادر العزاء المنصوب الذي أقف وسطه مجنونة بالفرح، في لحظة شعرت بأن العالم قد فقد ألوانه واكتفى بلون واحد. والدة سحر طيف أسود. وسحر مغطاة به من رأسها حتى قدميها، وهذا الغريب لحيته شجرة سوداء! كسرتُ الصمت ، ” اختاري مستقبلك“.

ولأنني اخترت ما أحب، قبّلني والدي قبلةً طويلة على رأسي، طويلة جدا عمرها خمس سنوات من البُعد، وأزهَرَ شيء متبرعم بداخلي. فأمضيت النهار كله بغناء مزدوج مع جابري، صنعنا الحلوى ونفخنا البالونات الصابونية، وفكرت طويلا، ماذا سأرتدي في يومي الأول في الكلية؟

ليلا، هاتَفَتْ أمي أخي سالم. أخبرته بقبولي في كلية علوم المكتبات،ولعله تمني في سرّه الخير، لكنه تساءل لماذا المكتبات؟؟صغت له سؤالا سرّيا، وصنعت له الإجابة افتراضيا، لأنني أهرب منكم جميعا نحو الكتب، نحو حكايات الناس وتاريخهم، ولأتعرّف بمن هم أكثر شقاءً مني. أقرأ تاريخا محتشداً بالأعاجيب التي أصدقها وحدي، وأعيد تشكيل وقائعها أحيانا بالمقلوب، لأنني ألوذ بالمكتبة كلما تعثّرَتْ خطاي نحو الخارج، وأدّعي بأن هناك بحث عميق ينتظرني لأنهيه! أجمع كل العناوين التي تصب في لُبّ “البحث المتخيّل” وأتنقّل بين المعارف وأغيبُ في عوالم ما كنتُ أعرفها،أعيد سَرْد التفاصيل لجابر الصغير حين يتعذّر عليه النوم،فيخلد للراحة ممتلئاً بالقصص،فهل أحلى من الكتب؟على الأقل، هربي حميد ويمتّعْني. أما هربك يا سالم، فلا معنى له إلاّ التّواري.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 روائية من الكويت

 الرواية تصدر قريبًا عن دار العين 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق