فصل من رواية “أيـــام الجنّة” .. لأحمد عبدالمجيد

أيام الجنة
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

أحمد عبد المجيد 

اغتيال السادات لم يكن مجرد حدث كبير سنربطه بحياة حمادة لنتذكّر أين نحن، بل حدثًا مزلزِلًا في الأسرة.

قبلها بيوم سألت ماما إن كان بالإمكان أن يقيموا لحمادة عيد ميلاده مبكرًا! رمقها بابا مستغربًا، فقالت له بعصبية إن حمادة يستحق أن يقيموا له عيد ميلاد كلما أكمل شهرًا جديدًا. ماما في هذه الفترة كانت تعاني من الملل بسبب سفر بابا الكثير، كلُّ بضعة أسابيع تأخذ حمادة وتعود إلى بيت ستو، فتشعر بأنها عادت ماما العادية، الأخت الثالثة بين أربعة أبناء. تخجل من الاعتراف بهذا؛ لكنَّها كانت تشعر بتميُّزها لأنها تزوجت وأنجبت في هذه السن المبكرة، وفي بيتها كانت تشعر بسلطتها. صحيح أنها لا تمارس هذه السلطة سوى على بابا وحمادة، ولا تبذل جهدًا في هذا، فالاثنان يطيعانها تحبُّبًا، ولو اعترض أحدهما لوجدت نفسها تُذعِن لما يريد، وهو الأمر الذي لم يحدث لحسن الحظ. حالة الفراغ هذه جعلتها تتذكَّر بشيء من الحنين عيد ميلاد حمادة الأول، وشعرت بالأسى لأنه لم يدرك شيئًا من الجهد الذي بذلته فيه لصغر سنه، وهو الأمر الذي سنكتشف بعد قليل أنه غير صحيح.
في ذلك اليوم الرائع جاءت خالتو سوسن وفريدة، وساعدتا ماما في صنع ثلاث تورتات كبيرات، وزيناها بكلمات جميلة مثل: “سنة حلوة يا حمادة”، و”كل حمادة وأنت حمادة”، وأخيرًا: “حمادة حمادة حمادة”، كي لا يضيع الكلام فيما لا يفيد. لم تدعُ ماما كثيرين، فقط ستو وخالتو سوسن وفريدة وخالو إبراهيم، وعمو أحمد فايز وزوجته وأبناءهما الثلاثة، وطنط أم يوسف جارة ستو وابنها، وستي سميحة وبناتها الثلاث، أخوات بابا، وأربعة من أبناء عم بابا، وسبعة من الجيران الذين لم تكن قد تعرفت عليهم بعد، وخمسة عشر شخصًا لا تذكر ماما من كانوا، وإن كنت أُرجِّح أنهم في الغالب من زملاء بابا وخالتو سوسن في المدرسة.

ظهرت ماما متألقة وهي تحمل حمادة الذي ألبسوه بذلة صغيرة جعلته متأنقًا كقزم صغير، وفي الصور بدت مبتسمة بسعادة بينما حمادة يرمق ما حوله مذعورًا. وضعوه بين التورتات الثلاث الكبيرات والتقطوا له الكثير من الصور، وحوله زجاجات الكوكاكولا والكندا دراي، كان الجميع سعداء مبتهجين بالحلوى والمياه الغازية، ما عدا حمادة الذي كان ينتظر أن ينتهي كل هذا ليتناول رضعته.

أحبَّت ماما اليوم والصحبة، أحبَّت أن يرى الناس حمادة متألقًا هكذا، واشتاقت ليوم آخر مثل هذا، لذلك صارحت بابا، مساء 5 أكتوبر 1981، بفكرة أن يقيموا لحمادة في الغد عيد ميلاده مبكرًا. تركها بابا تثرثر ولم يَردّ عليها، فقد كان مشغولًا بالتفكير في سفره بعد غد، طلبوا منه أن يحضر لاجتماع جديد بعد انقطاع عدَّة أسابيع.

لذلك في اليوم التالي، وبينما ماما متضايقة لأن بابا لم يتحمس لفكرة عيد الميلاد المبكر، وبابا منشغل بالتفكير في سفره، انقطع بثُّ الاستعراض العسكري فجأة، بعد أن اهتزَّت الكاميرا، وبدا أن هناك عطلًا فنيًّا.

ضرب القلق بابا، وعندما بدأت الأخبار تتناقل عن إصابة الرئيس، والتلفزيون يُذيع آيات من القرآن الكريم، اغتمَّ وفهم ما حدث وإن لم يصارح به نفسه. لم يحزن بابا على الرئيس السادات، بل أصابه الذعر، فالرئيس السادات بشكل من الأشكال كان صديقه!

بدأ الأمر قبل عام، جاءت الدعوة لبابا بصفته واحدًا من أنشط أعضاء الاتحاد الاشتراكي في سوهاج، وإن لم تُفصح عن المطلوب بالضبط: هناك اجتماع ما في القاهرة من أجل شيء ما مع شخص ما. ذهب إلى الاجتماع، ووجد نفسه في قاعة متوسطة ومعه ما يقرب من أربعين شخصًا آخرين، لم يعرف بينهم سوى ثلاثة التقاهم من قبل في اجتماعات الاتحاد الاشتراكي على مستوى المحافظات، أحدهم من قنا والاثنان الآخران من أسيوط. فتشوهم جيدًا قبل الدخول، وصادروا قصَّافة أظافر كانت في جيب أحدهم، فشعروا بخطورة ما هم مقبلون عليه. جلسوا على كراسي خشبية، ولحسن الحظ كانت الحرارة قد انكسرت في هذا الوقت من شهر أكتوبر، وإلا لما استطاعت المراوح المثبَّتة في السقف أن تفعل شيئًا. مضت نصف ساعة، ظلُّوا خلالها يتحدَّثون عن غلاء الأسعار الذي لا يتوقف، وظروف المعيشة التي لا ترحم، وسعر الدولار في البنوك الذي قفز العام الماضي من 40 إلى 60 قرشًا مرة واحدة، قال أحدهم إن هذا لا يُرضي الله، يرتفع الدولار خمسين في المئة مرة واحدة! تكلم أحدهم عن تجارة العملة فنهره آخر وذكَّره بأين هم وبمن سيلتقون، فصمت الجميع. مضت نصف ساعة أخرى، ثم فوجئوا بحسني مبارك، نائب الرئيس، يدخل عليهم!

كان يرتدي بذلة صيفية قصيرة الأكمام، ويبدو نشيطًا بقامته المتوسطة ووجهه المربع. قال لهم إن الرئيس سيقابلهم خلال دقائق، ثم تركهم ومضى دون أن يقول المزيد! الرئيس؟ السادات بنفسه؟ يقابلهم هم؟ ظنُّوه اجتماعًا دوريًّا من اجتماعات الاتحاد الاشتراكي، أو ربما هو أعلى مقامًا بقليل، لكن أن يلتقيهم السادات، دون الإعلان عن ذلك، دون أن تكون هناك صحافة وتلفزيون، فهذا شيء غريب جدًّا. توتَّروا، ولعبت الهواجس برؤوسهم، بابا فكَّر أنهم قد ارتكبوا خطأ ما، الاتحاد الاشتراكي من بقايا عبد الناصر، فما يدريهم أن السادات لن… وومضت في ذهنه مذبحة القلعة، محمد علي والمماليك، لكن… لكنهم لا يملكون سلطة، لا حول لهم ولا قوة، ولم يفعلوا شيئًا. ثم إن الأمور اختلفت في عصر السادات، لم تعد هناك اعتقالات ولا سجون. ربما فقط اعتقالات بسيطة هنا وهناك لمن خرجوا في مظاهرات ضد اتفاقية كامب ديفيد طوال العامين الماضيين، طلبة وأعضاء نقابات وما شابه. وهو لم يعترض، اغتمَّ وأبدى امتعاضه، وشرح لماما وخالتو سوسن وفريدة أن تلك الاتفاقية لا فائدة من ورائها، مجرد قربان منحه السادات للغرب ليسمحوا له بدخول معسكرهم، لكن مقابلها خسرنا العرب. لم يفعل ما يستدعي نقمة السادات!

مضت الدقائق التي أخبرهم عنها النائب مبارك، ومضت بعدها ساعة، قبل أن يسمعوا جلبة تقترب، وينفتح باب القاعة ويندفع عبره عدَّة أشخاص يرتدون نظارات سوداء، ثم يعبر السادات من بينهم ملوِّحًا لهم بيده وكأنهم جماهير اصطفَّت على الجانبين لتحيَّته، من قبل حتى أن يستوعبوا وجوده بينهم، فيبادلوه التحيَّة.

جلس أمامهم في صدر القاعة، بعد أن وضعوا له مقعدًا وثيرًا مبطنًا بالجلد، واضعًا ساقًا على ساق، وظلَّ دقيقة يرفع يده محييًا، ويبتسم للهتافات التي أخذوا يرددونها تحيَّة له. بابا جلس مبهوتًا يرمق الرئيس، لم يصدِّق أنه لا يفصله عنه سوى ثلاثة أو أربعة أمتار، يراه حقيقة وليس على شاشة التلفزيون. بدا له السادات في الحقيقة مختلفًا عن الصور، في الصورة التي يُعلِّقونها له في المدرسة يطلُّ عليهم شابًّا ممتلئ الوجه وفي عينيه لمعة، أما من يراه أمامه الآن فقد غزا الشيب شعره وصار وجهه نحيفًا ممصوصًا مليئًا بالتجاعيد والإجهاد ظاهر في عينيه، ظهر وكأنه شاخ فجأة، وإن كان لديه حضور مختلف، أو هذا ما بدا لبابا وقتها.

ظلَّ السادات يردُّ على مجاملاتهم العالية بهمهمات غير واضحة، ولمح بابا في الخلف، عند بابا القاعة، حسني مبارك وقد وقف يرمق الرئيس وكأنه ينتظر شيئًا ما. سألهم الرئيس عن رأيهم في الأوضاع الجارية، ففهم بعضهم أنه يقصد الأوضاع الداخلية، فقام أحدهم وهتف مهنئًا الرئيس على تعديل الدستور، قال إن الشعب كان ينتظر بلهفة إنشاء مجلس الشورى، والأمة الإسلامية كلها تابعت بفخر إقرار الشريعة الإسلامية كمصدر رئيس للتشريع، وفي النهاية هتف بأن تجديد مدَّة الرئاسة لأكثر من مرة لا يكفي، وأنه يطالب بمبايعة السادات رئيسًا مدى الحياة. وقام آخر وقال إن إجراءات تبادل التمثيل الدبلوماسي بين مصر وإسرائيل جرت في بداية العام على أفضل ما يكون، واستنكر ثالث محاولة اختطاف السيدة الأولى جيهان السادات في الدانمارك، خلال حضورها المؤتمر العالمي للمرأة، وندَّد بالفلسطينيين الذين اتُّهموا بالمحاولة، وأن ذلك لن يوقف عملية السلام، فوقف أحدهم وصحَّح له أن المحاولة كان الهدف منها إجبار مصر على طرد شاه إيران الذي استقبله السادات، ما أثار غضب إيران، وأنهم لو انتظروا قليلًا لما أحرجوا أنفسهم، فالشاه تُوفِّي بعدها متأثرًا بمرضه، وعزَّى الرئيس في وفاة صديقه.

رفع السادات يده، فساد الصمت، وسألهم بلهجة جادة إن كان لدى أحدهم سؤالًا عن الأوضاع الجارية، فقام رجل كان يجلس في نفس الصف الذي يجلس فيه بابا، وزرَّر بذلته وسأل الرئيس عن الحرب بين العراق وإيران، التي اندلعت الشهر الماضي. اتكأ السادات في مقعده ومطَّ شفتيه وقال إنه لن يشمت فيما حدث، لأنه لا شماتة في الحروب، لكنَّ العراق وسوريا قادتا المطالبة بمقاطعة مصر بعد كامب ديفيد، والآن صدام جرَّ بلده إلى حرب لا لزوم لها، كان بالإمكان تحقيق نفس أهداف الحرب من خلال المفاوضات، أما حافظ الأسد فسيأخذ جانب إيران نكاية في صدام. وعلى ماذا كل هذا؟ من أجل منطقة شط العرب؟ لا، الصراع الحدودي مجرد ذريعة، لكن صدام والخميني يريد كلٌّ منهما تكسير الآخر، الخميني لم ينسَ لصدام أنه طرده وأرسله لباريس عندما كان لاجئًا في العراق، ولن يهدأ له بال قبل أن يُسقط صدام، والأخير لن يقبل بتصدير الثورة الإيرانية إلى العراق، مع وجود كل العراقيين الشيعة حوله. لكنَّ الحرب لن تستمر طويلًا، العراق تقدَّم في الأراضي الإيرانية وحقَّق انتصارات سريعة خلال أسابيع قليلة، وكارتر غاضب على الخميني بسبب احتلال السفارة الأمريكية في طهران، لذلك فالخميني أيامه معدودة.

سأله آخر عن الانتخابات الأمريكية ومن سيفوز، فصمت السادات قليلًا ثم قال إن الأمر يعتمد على تحرير الرهائن الأمريكيين في السفارة، وفشل كارتر في إنقاذهم في إبريل الماضي خفض أسهمه كثيرًا، لكن من يدري من سيختار الناخب الأمريكي الشهر المقبل، كارتر أم ريجان. قال إنه متعاطف مع كارتر، فهذا العام معقرب ومليء بالبؤر الساخنة، هناك الاجتياح السوفييتي لأفغانستان واحتلالهم لكابول، نصف العالم قاطع الألعاب الأوليمبية المقامة في موسكو، لكن بريجنيف ما زال ماضيًا في غِيِّه، وفي لبنان الأوضاع تسوء، بشير الجميِّل نجح في إزاحة خصومه وصار المسيطر الأوحد على القوات المسيحية هناك، وتفرغ لقتال الفلسطينيين وحلفائهم.

ثم قال لهم ضاغطًا على كلماته وهو يُلوِّح بيده: “عارضوا مصر وقاطعوها، والآن يعيشون في حروب وقتال مستمر، ومصر تنعم بالسلام!”

انطلقوا يصفِّقون وأطلق بعضهم صفارات مشجِّعة من فمه، وبعد دقيقة رفع السادات يده ليصمت الحضور، وبان الجدُّ على وجهه، فعرفوا أنه سيحدِّثهم في سبب وجودهم فساد الصمت القاعة. أخذ نفسًا عميقًا وسألهم بجدِّية وببطء، وهو يضغط على حروف كلماته، ويهزُّ رأسه مع كل كلمة، وتتَّسع عيناه بخطورة:

“هل يمكنني الوثوق بكم؟ هل أنتم رجال شجعان؟” اندفع الجميع يهتفون بحياته ويؤكدون له أن رقبتهم فداؤه وفداء مصر، فابتسم وقال: “دعوتكم اليوم لنتشاور معًا في مستقبل هذا البلد، البلد مقبل على منعطف خطير، وأنا انتويت، من الآن فصاعدًا، أنني لن أسكت أبدًا -ورفع صوته ولوَّح بيده من أعلى لأسفل مع الجملة الأخيرة- من يريد بنا السوء نردُّ له الصاع صاعين!” ثم صمت وهو يرمقهم بنظرات نارية ويهزُّ رأسه: “لا مساس بمقدَّراتنا ولا بمستقبلنا، انتويت أن تكونوا أنتم -وأشار إليهم بطول ذراعه- عكَّازي الذي أستند عليه، لن نسمح لأحد مطلقًا أن يختطف إنجازاتنا!”

هنا حدث الشيء الذي لم يحكه بابا لأحد فيما بعد، إذ فجأة، وربما نتيجة للتوتر وهيبة الموقف، أصيب بابا بالزغطة بينما الرئيس يُمهِّد للكلمة الخطيرة التي سيلقيها عليهم. القاعة صامتة، لا صوت فيها يعلو فوق صوت الرئيس، بما تحمله نبراته من خطورة وأهمية، ورغم ذلك سمع الجميع صوت زغطة بابا التي انفجرت فجأة، فصمت الرئيس وتطلَّع إليهم مستغربًا، وتلفَّت حرس الرئيس حولهم بحثًا عن مصدر الصوت.

– “هذه الخطوة كنت أفكِّر فيها من فترة طويلة، لكنِّي لم…”

كتم بابا صوته محرجًا، وتوقَّع أن الموضوع انتهى، وتظاهر بمتابعة كلام الرئيس، لكنَّ الزغطة الجديدة داهمته ولم يستطع كتمها، فخرج الصوت من جديد. التفت الرئيس إليه، فاحمرَّ وجهه وشعر برغبة مُلحَّة في دخول الحمام، لكنَّه فوجئ بشبح ابتسامة يلوح على شفتي الرئيس ويعبر عينيه سريعًا، قبل أن يشيح بعينيه عنه ويعود لكلامه. في تلك اللحظة شعر بابا بالامتنان لزغطَّته، لأنها لفتت نظر الرئيس إليه لثانيتين، والعجيب أن الزغطَّة توقفت هنا، وكأنَّها جاءت مرتين فقط لتمنح بابا الفرصة في أن تقع عليه عينا شخص عظيم ومشهور ويعرفه الجميع، كالرئيس السادات، ذلك أن بابا لن تُتاح له فرصة مماثلة بعد ذلك أبدًا.

أما الرئيس، فبعد اطمئنانه إلى أن الزغطَّة لن تُقاطعه مرة أخرى، اتَّكأ على ظهر مقعده، وقد ارتخت يده اليسرى بجواره، وانطلقت اليمنى تُلوِّح في وجوههم، واسترسل في الكلام. الشارع المصري، من وجهة نظره، يسيطر عليه تياران، الأولاد اليساريون والناصريون من جهة، وهؤلاء موجودون منذ أيام المرحوم جمال، ومع الديموقراطية التي أصرَّ الرئيس أن تكون أساس عهده؛ أطلَّ الأولاد بتوع الجماعات الإسلامية برؤوسهم، وانطلقوا يعيثون فسادًا، والرئيس لن يسكت أمام طغيان هذين التيارين، هل يُلقي بهم في السجون كما فعل غيره؟ مطلقًا، هذا عهدٌ مختلف، لذلك قرَّر أن يظهر تيارٌ جديد ليعدل الكفَّة، تيار حقيقي وله جذوره على الأرض، ويزاحم هذين التيارين.

– “نزنقهم في الحيط، فلا يستطيع هؤلاء الأولاد التنفُّس!”

كان يصمت ما بين جملة وأخرى ويتطلَّع إليهم وكأنَّه يبحث عن تأثير كلماته فيهم، ثم أكمل ما صاروا يعرفونه: “ستكونون بإذن الله نواة تنظيم جديد، يتبعني مباشرة، ستعملون على إنشاء هذا التيار على الأرض!” انتظروا أن يُوضِّح لهم ما المطلوب منهم بالضبط، لكنَّه أخذ يُحدِّثهم عن جمال المستقبل الذي ينتظر مصر، كان يرمق نقطة ما في سقف القاعة وترتسم على عينيه نظرة حالمة وكأنَّه يرى ما لا يرون.

– “النائب حسني مبارك سيُوضِّح لكم التفاصيل، وفقنا الله وإياكم!”

ثم نهض واقفًا وأسرع يُغادر القاعة، وهو يُلوِّح لهم دون أن ينتظر ردَّ فعلهم. أغلبهم أسرع يقف محييًا الرئيس، لكنَّه كان قد غادر القاعة قبل أن تكتمل الوقفة، فظلوا متجمدين وهم منحنين فوق مقاعدهم، وكأنهم لقطة من فيلم توقفت بينما يهمُّون بالجلوس.

لقاؤهم بالرئيس لم يتجاوز نصف الساعة، ولم يُوضِّح لهم النائب مبارك بعدها شيئًا. بعد مغادرة الرئيس عاد إليهم وشكرهم بطريقته الآلية على وجودهم، ووعدهم بأنهم سيتواصلون معهم خلال الأسابيع المقبلة لبدء العمل، وطلب منهم كتمان الأمر وعدم إطلاع أحد عليه.

فهم بابا أن السادات يريد أن ينشئ تنظيمًا أشبه بالتنظيم الطليعي الذي أنشأه عبد الناصر من داخل الاتحاد الاشتراكي في أواخر أيامه، وسرَّه أن يتم اختياره، ولم يُخبر أحدًا بما جرى سوى ماما، وندم بعدها لأنها ملأته قلقًا بهواجسها: “افرض غضب عليكم وسجنكم؟ افرض لم تقم بالمطلوب منك كما يحب، افرض استفزَّ ما تفعله الجماعات الإسلامية وخطفوك كما فعلوا بالشيخ الذهبي؟”

في البداية كان بابا يحكي القصة بضمير “نا” الفاعلين، “قال لنا الرئيس السادات”، “التقينا بالرئيس السادات”، “الرئيس السادات يريدنا أن نقوم بشيء ما”، ثم مع الوقت تحوَّلت “نا” الفاعلين إلى ضمير المتكلم: “قال لي الرئيس السادات”، “طلب مني الرئيس السادات”، “الرئيس السادات يريدني أن أساعده”. ومع الوقت، وفي ذهن بابا، تحوَّلت علاقته بالرئيس السادات إلى علاقة شخصية، واستقرَّ في اعتقاده أن الرئيس كان يخاطبه هو ويعتمد عليه هو. حتى عندما استدعوه فعلًا بعد أسابيع، ولم يجد الرئيس في انتظاره، بل محاضرين من جامعات مختلفة، أعطوه ورفاقه دورات في مخاطبة الجماهير والتأثير فيهم، حتى النائب مبارك لم يظهر على مدى اللقاءات الكثيرة التي كانوا يستدعونهم إليها كلَّ عدَّة أسابيع، سوى مرتين أو ثلاث ولعدَّة دقائق، يسألهم عن الأحوال ومجريات الأمور، ويخبرهم بأن الرئيس السادات يتابع ما يفعلونه بنفسه، ويشكرهم على تعاونهم.

وفي كلِّ اجتماع كان بابا يتوقَّع أن يأتي الرئيس في أيِّ لحظة، لكنَّه لم يظهر، ولم يره بعدها أبدًا، إذ توقفت الاستدعاءات والاجتماعات منذ أغسطس 1981، وشعر بابا بمدى مشغولية الرئيس مع اعتقالات سبتمبر، اعتقل السادات مئات من معارضيه مرة واحدة، وظهر في التلفزيون بعدها في خطاب طويل أوضح فيه للشعب المدى البعيد الذي ذهبت إليه المعارضة، وما اضطرُّوه لفعله، فالتفت بابا لماما وقال لها بلهجة العالم ببواطن الأمور: “أغضبوه فعلًا، اليساريون الناصريون والجماعات الإسلامية!”

لكنَّ بابا كان يدرك في قرارته أن الأمر أكبر من ذلك، المعتقلون ينتمون لمختلف التيارات، فبعيدًا عن البابا شنودة الذي عزله السادات من منصبه ونفاه إلى دير وادي النطرون مع مجموعة من أساقفة الكنيسة القبطية، هناك أيضًا محمد حسنين هيكل، ميلاد حنا، لطيفة الزيات، صافيناز كاظم، فؤاد سراج الدين، نوال السعداوي، جابر عصفور، عبد المنعم تليمة، ومئات غيرهم، أكثر من ألف وخمسمئة شخص، ليسوا جميعًا يساريين ناصريين أو إسلاميين، بل كانوا يشكِّلون مختلف أطياف المجتمع المصري!

وفي أكتوبر، وعندما تأكد بابا من الأخبار أن الرئيس فارق الحياة، لم يشعر بالحزن، بل بالذعر. في البداية لم يكن واضحًا من الذي فعل هذا، هل انقلب الجيش على قائده الأعلى؟ هل هم الإسلاميون، أم هي مؤامرة من أمريكا وإسرائيل؟ هل هو القذافي أم الخميني؟ هل فعلها تيار من التيارات التي زجَّ الرئيس برجالها في المعتقل الشهر الماضي؟ السادات صار له أعداء كثيرون، وربما عدم اغتياله هو ما قد يدعو للدهشة!

ثم اتضح الأمر عندما حاول الإسلاميون السيطرة على أسيوط واحتلوا مديرية الأمن فيها، الأمر جدٌّ إذن، أسيوط على بعد ساعتين من سوهاج، هل سيمتد العنف إلينا هنا؟ لكنَّ الأمور هدأت سريعًا، نجحت قوات الجيش والشرطة في السيطرة على الوضع، وأخمدوا التمرد قبل أن يقوى وينتشر.

لكنَّ بابا لم يهدأ، طوال العام الماضي ظلَّ يتعامل، حتى بينه وبين نفسه، وكأنَّه ذراع الرئيس اليمنى، مفتاح المستقبل القادم، فماذا سيحدث له وقد انتهى العهد الذي كان أحد رجالاته، وجاء عهد جديد لم تتضح معالمه بعد؟ يتذكَّر النائب مبارك ببذلته الصيفية، في الدقائق القليلة التي التقاهم فيها لم تظهر شخصيته، بدا له شخصًا عاديًّا لا يملك ميزة ظاهرة، لا يُشعُّ بالكاريزما كما كان الرئيس رحمه الله. وأكدت ماما هواجسه عندما سألته والقلق في عينيها: “هل سيقبض الجديد عليك؟!”

ولم لا يفعل؟ كلُّ رئيس يبدأ عهده بالقضاء على رجال سلفه، ألم يفعلها السادات نفسه مع رجال عبد الناصر في 15 مايو؟ مات الرئيس، عاش الرئيس!

ظلَّ بابا لمدَّة شهر كامل في قلق، ينتظر في أيِّ لحظة أن يأتوا ويعتقلوه، ماما انطفأت، ترمقه طوال الوقت بحزن ولمعة الدمع في عينيها، فيزداد قلقه على نفسه، وصار يتجنبها لأنه رأى في وجهها وجه أرملة محتملة.

لم يطمئن سوى عندما شاهد في التلفزيون معتقلي سبتمبر يخرجون من السجن، وهيكل يقف أمام الكاميرا مبتسمًا، بعد لقائه بمبارك، ليؤكد للمراسلين أننا في عهد جديد، وأنه يثق بالرئيس.

تابع بحيرة خطاب مبارك في مجلس الشعب، كان يتحدَّث بلهجة تقطر بالألم وهو يرثي الزعيم الراحل، ويؤكد أنه سيسير على دربه، سمعه وهو يقول بلهجة مؤثرة: “هكذا جاء قدري، أن أقف أمامكم في هذا المقام في غيبته”، وتهدَّج صوته، فاندلع التصفيق من أعضاء مجلس الشعب، ودمعت عينا بابا تأثُّرًا. لكنَّ تأثره بكلمة مبارك العاطفية لم يمنعه من تذكُّر خطاب السادات بعد رحيل عبد الناصر، عندما جاء جلَّ كلامه عن الزعيم الخالد، وكأنه لم يأتِ سوى ليكون سكرتيرًا لغائب لن يعود، أليس هذا نفس ما يقوله مبارك الآن؟ يُنكر ذاته أمام عظمة السادات؟ ألن يفعل مثلما فعل السادات وينقلب على سلفه عندما يُسيطر على أوصال الدولة؟

مبارك يفتقد كاريزما عبد الناصر والسادات، شعر بابا بأنه لا يطيق رؤية هذا الرجل مكانهما، ولم يستطع تخيُّل أنه سيُكمل في منصب الرئيس لست سنوات قادمة. حتى الناس في الشوارع لا يأخذونه بجدِّية، يتندَّرون حتى على ابتسامته وفمه الواسع، يلقبونه بالبقرة الضاحكة “لا ڤـاش كيري”! يذكر كلامه معهم في الاجتماعات، لم يبدُ أبدًا سياسيًّا أو رجل دولة، فقط موظف كبير يعرف كيف يُنجز المهام التي يُكلَّف بها. وانتظر على مدى الأسابيع التالية أن يُظهر مبارك توجُّهًا أو سياسة بعينها، لكن لم يبدُ أن لديه شيئًا يقدِّمه سوى السير على خطى السادات. ربما يتخلَّى عن المنصب بعد شهور قليلة، أو حتى بعد إكمال مدته. أجل، هذا ما يصلح له: مُسيِّر أعمال خلال فترة انتقالية، إلى أن يُسلِّم السلطة إلى حاكم حقيقي. ربما للفريق أبو غزالة، الذي عيَّنه السادات وزيرًا للدفاع منذ أشهر قليلة، أو شخص آخر لم يظهر بعد.

في الأسابيع التالية سمع بابا مبارك وهو يؤكد لمن حوله أن الكفن بلا جيوب، للتدليل على أنه لا يطمح في الحكم ولن يأخذ شيئًا معه إلى قبره. كل أقواله وتصرفاته تدلُّ على أنه شخص بسيط ومتواضع تورَّط في الحكم دون أن يسعى إليه، يحاول أن يُقدِّم أهل الكفاءة ويتعلَّم منهم. مع ذلك ظلَّ جزء بداخل بابا قلقًا ينتظر مجهولًا لا يدري ما هو، انتظر أن يُعيِّن مبارك نائبًا له، فهذا سيُوضِّح اتجاهه وما يُفكِّر فيه، لكن مضت الشهور دون أن يفعل. سأله أحد الصحفيين لماذا لا يفعل، فقال إنه سيُفكِّر، ثم عندما سأله آخر بعد فترة أجابه بأنه لن يعين نائبًا بل سيترك الأمر للشعب والمؤسسات الدستورية، حتى لا يقال إنه اختار خليفة له! هل ينوي أن يمكث طويلًا إذن؟

انتظر بابا أن يستدعوه لاستكمال اجتماعات التنظيم، التي انقطعت قبل اغتيال السادات بأسابيع، فلم يصله شيء. أرسل لمن يعرفهم من زملائه، فأخبروه بما يعرفه، لم يصلهم أي شيء، الرئيس الجديد تخلَّى فيما يبدو عن فكرة تنظيم السادات الجديد.

ظلَّ بابا مشغولًا بكلِّ هذا، ثم نسي الموضوع تمامًا مع عيد ميلاد حمادة الثاني، وزال تمامًا من تفكيره مع استعادة سيناء كاملة في إبريل، والاحتفالات التي واكبت هذا، والبهجة التي انتشرت مع الأغنية التي غنتها شادية، والتي جعلت مصر تبدو فعلًا وكأنَّها في عيد. لم يبدُ لبابا أن الرئيس الجديد من النوع الذي يتخذ قرارات درامية، مضت شهور دون أن يفعل شيئًا، الحكَّام الجدد في العادة يبذلون وسعهم في أسابيعهم الأولى ليُثبتوا للعالم جدارتهم، بينما هذا لا يفعل شيئًا سوى تسيير الأمور. بل أكثر من ذلك، رقَّى منافسه الأول الفريق أبو غزالة لرتبة المشير، وكأنه يقول إنه لا يخشى منافسة أحد، من يريد الشيلة فليأخذها إن شاء!

وعندما رأى نظرة القلق في عيني ماما كما هي، قال لها مطمئنًا: “هذا رجل طيب، كلُّ همه أن يمشي، وتمشي البلد، جنب الحيط”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روائي مصري ـ والرواية تصدر عن دار الرواق ـ معرض القاهرة الدولي للكتاب 2023

مقالات من نفس القسم