فراغٌ بين كُرْسيّين

محمد ممدوح
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

محمد ممدوح

أتخيّل الفراغ كائناً هشّاً ليّناً تُشكّله أصابعنا المحمومة بأوامر غامضة من عقولٍ مشوّشة لا يعلمُ أصحابها، معظم الوقت، ماذا يريدون من أنفسهم ومن العالم الذي يزدادُ غموضاً كل يوم.

نُشَكّل الفراغ في حجرةٍ، شارعٍ، ميدانٍ، مدخل بيتٍ، أو ممرٍّ ضيّقٍ لبنايةٍ قديمة، لنُزاحمه بعد ذلك بأجسادنا، وبالصخبِ الذي يحملُ أرواحنا البدائية المُختبئة تحت الجِلد، بانتظارِ اللحظة التي تُعلن فيها عن نفسها.

أتخيّلُ الفراغ يُحب صخباً “خفيفاً” كريح هادئة تجعلك تغلقُ عينيك وتبتسم فقط، دون أن تقتلعهما من مِقلتيك، وبالمثل يُحب الفراغ في “الشخص”، الذي يملأه في حياةِ “إنسانٍ ما”، أن يتّصفَ بُنبلٍ ما وحُبٍّ حقيقيٍّ لذلك الإنسان؛ حتى لا يندمَ الأخيرُ أنّه أقلقَ راحة الفراغ، وملأَه بإنسانٍ مُزيّف.

الفراغُ مُراوغٍ، أو هكذا نعتقد.

لكن هل المُراوغة نتاج خياله الحُر، أم نحن من نصنعها دون أن نقصد تحت منطق عقلانيّ يضمنُ استمرارية الحياة وانسيابيتها في حدّها الأدنى!؟.

أسمعُ ضحكة الفراغ الآن أثناء راحته المؤقّتة في شارعٍ جانبيٍّ لهذا السؤال؛ لأننا في الحقيقة من نصنع الفراغ لتستمر الحياة كما أشرنا أعلاه؛ فعندما نُنشئ طريقاً جديداً علي جانبيّ صفّيّ عمائر أو صحراء موحشة، فإننا نصنعُ له امتداداً هائلاً يمنحنا الوصول إلي أماكننا بسهولة، ليترك فيها قطعةً من جسده ليُكمل تجواله في العالم. 

يتسلّلُ الفراغ إلي مساحات خضراء تفصل بين بنايةٍ وأخري؛ حتي لا تختلط أحلام ساكنيها أثناء المنامات الطويلة، إلي المسافة التي تفصلك عن عُمق النهر وأنت لا تجيد العوم، وبين جسدك وحاجز شُّرفتك الكبير ليمنعك من السقوط أسفل أقدام المارة، هو المسافة بين حافة سريرك والأرض؛ فلا تسقط أثناء النوم، إلاّ إذا كنتَ مُتشائماً أكثر مما يجب، هو الأمان بين قدميك وحافة جبل.

  أُحب النظر إلي الفراغ بين كُرْسيّين فارغين في أي مكان، فوق رصيف مقهي، في شُرفة صغيرة لبيتٍ قديم، قد تتوسطهما مِنضدة عابرة، أو كلبٍ شارد.

أُفكّر في هذا الفراغ كحياةٍ سرّية ذات شفرةٍ خاصة للشخصين اللذين نهضا عن الكُرسيّين، بعد شجارٍ حاد، ربما، أو علي وعدٍ بلقاءٍ في مكانٍ آخر، جائز، والأسوأ أن يكون النهوض بعد تمرير  رسائل مُضمرة عن عظمة وتفوّق إحدي الشخصيّتين علي الأخري، بتوجيه الكلام إلي شخصٍ ثالث ليس موجوداً، مُرجّحٌ جدّاً.

كُرْسيّين بينهما فراغ: هُما تعبير عن حالة إنسانية خاصة سلباً أو إيجاباً.

فراغٌ بين كُرْسيّين بالنسبة إليّ كالمسافةِ الحميمة بين سطرٍ وآخر، بين جُملةٍ وأخري علي صفحة وورد شاسعةٍ كصحراء، يُحفّز المُخيّلة لخلق جُملةٍ أقوي من سابقتها، قبل الاصطدام بالسطر التالي، أو بفراغٍ أكبر.

عندما أفتحُ باب حجرتي برفقٍ يجذبني هذا المشهد:

ضوء نهارٍ رقيق يُنير سطح مكتبي بقوّة، وفراغٌ شبه مُظْلِم يمتد بين حافة المكتب، والكُرسيّ الخشبيّ العتيق الذي أزحته بالأمس إلي الخلف عندما غلبني النوم، كان هذا الفراغ نداءً خفيّاً لأملأه بتقريب حافة المكتب من الكُرسيّ، أن أجلس وأبدأ جُملة أكتشف بها العالم من جديد، كما كان يفعل أبي في بعضِ مساءاته.

كان الفراغُ وتلك الذكري دافعان لأن أكتب عن “الفراغ بين كُرْسيّين”. 

 

مقالات من نفس القسم