عِقاب 2013

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

هاشم تايه

نُفِّذ عقابي في مدخل زقاق ينشقّ عن ساحة (الأم بروم)، وفي ساعةٍ مبكّرة من الصباح، الساعة التي تشرع فيها دكاكينٌ الزقاق أبوابَها وتُخرج ألوانَ بضاعتها إلى نور يومٍ آخر من أيّامها... كنتُ قد قطعتُ نحوَ ثلاثين متراً داخل السوق الخارجية تقودني قدماي تجاه ذلك الزقاق كما تفعلان في صباح كل يوم من أيّام ذهابي إلى عملي... كنتُ في قميصٍ أبيض وبنطلونٍ رماديٍّ مكويين بعناية.. ذقن حليق، وقلب مايزال غاطساً في هناءة نومة الليلة الفائتة العميقة، ونفس فكرتي عن السّوق كمعرض للجثث- جثث انتزعت من الطبيعة، أو استفرغت من بطون المصانع- كانت تسرح في عقلي، ولم يكن لديّ ما يُبطل فكرتي تلك ذلك الصباح أيضاً...

معرض الفناء، كنتُ أسمّي السوق التي تطفلّت على أشهر الساحات في مدينتي….  كنتُ أشعر بالزهو لاختراعي هذه التسمية مع كلّ خطوة لقدميّ… (شبحٌ من دخان يتملّص من بطن قِدْر تغلي بدهنٍ ثخين في أحد مطابخ السّوق السّافرة، وينفلت طائراً كما لو أنّه أنقذ نفسَهُ من الفناء)…. الأشياء من حولي، كلّ الأشياء المعروضة بروائحها الداكنة كانت تتنافس بتصميمٍ، وضراوة، لتستفرغ لها موقعاً في معنى الفناء الذي أطالعُه….. خطوة بعد خطوة يستكلبُ عقلي وهو يمشي معي بلا قدمين بين البسطات المكتظة، ليطلعني على انشقاقه عن فكرتي قائلاً: ليست السوق! بل الحياة هي معرض الفناء… ومع هذا الانشقاق الذي أفرطَ في تطاوله تحوّل شعوري بالزهو إلى شعورٍ بالسموّ فوق أشياء رُصَّت على بسطات الفناء

في فم الزقاق الذي حدثتكم عنه فوجئتُ بالمرأة الضامرة التي يبدو أن الطبيعة وهبتها، في تلك اللحظة، روحَ صقر تنهضُ بثيابٍ رثة من ظلّ أحد الدكاكين، وتهجمُ عليّ بفم صارخ وعينين غاضبتين لعلّهما لم تكونا تريان أحداً سواي لتصريف عاصفةٍ شُحِنَ بها القلبُ المسكين للمرأة المتربّصة… لعلّ ريحاً رفعتها عن الأرض وأهوت بها عليّ، وإلاّ كيف قُدّر لذاك الكيان البالي أن ينقضّ، بمثل تلك الخفة المباغتة، ويستولي على كياني ملتصقاً بجنبي مثل قرادة… وجهٌ متجلّد لم يُفلح في تغطيةِ نقمةٍ مختنقة، وسحنةٌ مبقّعة بذاك اللّون الذي يتخلّف، عادةً، عن القير على صفحة شارع أجرد ………………

كأنني شعرتُ بأنّ العالم الذي أعيش فيه سوف يختلّ اختلالاً فظيعاً، وأن الأرض والسّماء المحبوبتيْن سوف يتحطّم قلباهُما وتسخطان، وسوف أكون، أنا، مرتعَ سخطهما لو أنني لم أخلّص هذا الكائنَ المشحون بالغضب من صاعقة غضبه بتصريفها في جسدي… لم يكن أمامي إلاّ أن أستسلم كما يستسلم طفل لعقاب أمّه بمجرّد شعوره بأنه أغضبها… وسرعانَ ما صرتُ رهينة طيّعاً للمرأة التي استولت عليّ… سرعانَ ما تجلّى في قلبي الإيمانُ المثالي بالعقاب للطفل الذي كنتُه… كنتُ في خشوع (ذلك كان أقربَ وصف إلى حالتي) …. ولستُ أدري كيف أمكنني، في تلك اللحظة، أن أحشوَ فمي بمثل تلك الابتسامة التي لا أتذكّر، الآن، من أين انتزعتُها… كانت الأظفارُ التي تغلغلت في لحم ساعدي الأقرب إلى معاقبتي، ورشقاتُ الصفعات بالكفّ المتيبّسة التي انهالت سريعة متلاحقة على ظهري أهونَ عليّ بكثير من هولِ الصرخات المفزعة من الفم المشرع على الوجه المتشنّج الذي أوشك أن يلتصق بوجهي… كنتُ أشعر بلذع الهواء الحارق الذي يجرّ قطارَ الصرخات من محطّات النقمة والألم ويضرب به وجهي… كان الفمُ المعذّبُ كلّما عجز عن أن يقول شيئاً توحّش صراخُه وتمدّد…. كم كان قاسياً أن أتقبّل جرعات عقابي مع كلّ خطوة لقدميَّ في زقاق مديد… أكانت نهاية الزقاق قد ختمت عقابي بآخر الصرخات، ومعها أفلتني الكائنُ الغاصبُ واختفى سريعاً عائداً إلى الجحر في طبيعةٍ جدّ قريبة؟

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق