عن حوارات الكاتب مع نفسه.. السير في الحقول الآمنة

مريم الساعدي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

مريم الساعدي

من الممكن الآن أن أخرج من هذا المكتب المعتم عديم النوافذ للجلوس في مقهى مشرق يطل على البحر، أو أن أجلس في مكاني أفتح ملف الرواية التي لم أعمل بها منذ سنتين وأعاود استكمال الكتابة لعل الشمس تشرق عليّ من هناك.. من نافذة الكتابة. أبحث دومًا عن النوافذ، المكان الذي تدخل منه أشعة الشمس؛ الشمس التي هي دلالة على استمرارية الحياة وأن الكوكب يسير في الاتجاه المعهود لم يصطدم بأي كوكب ولم تحصل أي كارثة كونية، وأن الأمور بخير والحياة لم تنته بعد، لا زال هناك يوم آخر جديد. ولا زلنا نحن بخير، نحن البشر، نسير على أقدامنا، والأرض أمامنا منبسطة، ونستطيع أن نرى الطريق وما يحتويه. ماذا ينقصنا إذًا كي نشعر بالاكتمال، أو بالاكتفاء؟

أبحث دومًا عن إشراق الشمس، أقول حتى تشرق روحي فأستطيع الجلوس للكتابة، والجلوس للكتابة يحتاج أولاً الوقوف للحياة التي تشرق عليها الشمس. ولكن… ربما يجب أن نعمل ونحفر في النفق المظلم حتى نصل لإشراقة الروح، بدل الجلوس في انتظار الشروق قبل العمل. أي ربما حال نجلس للعمل، تتوثب الروح واقفة؟  

أسئلة كثيرة، لا أمتلك لها أي إجابات لفترات طويلة، كل إجابة عمرها قصير تموت سريعًا حال يتكشف حال جديد، والنفس أحوال. ربما مهمة الإنسان في الحياة هي أن يكون الآلة المولّدة للأسئلة، وأن أزمته الوجودية تكمن في محاولات تعطيل هذه الآلة وتجريم كل تلك الأسئلة.

البعض يعمل في الغروب، لكن هذه أوقات أجواء الخارج، أتحدث عن أوقات النفس، يحصل أن تشرق شمس الروح في الليل. لكن يحصل -في خضم الغفلة- أن نعوّل كثيرًا، أكثر مما يجب على أجواء العالم الخارجي، في حين أن العالم، كل العالم هو في داخل الانسان ذاته، في داخل كل فرد، في داخلي.. مثلاً.

بعد كل هذه المناورة النفسية أقرر الخروج للنهار، الرواية يمكن أن تنتظر، حتى آتيها بروحي الذاهبة في الزوايا بحثاً عن إشراق.  في المقهى المشرق. يجلس جماعة أوروبيين، شقر ملونين، يرتدون ملابس زاهية، يضفون إشراقًا مضاعفًا للمكان. هناك شيء بشأن هؤلاء الناس القادمين من الغرب يجعل الأجواء أكثر خفة، يجعل الأوقات أكثر رحابة، ربما هالة “الحرية” المحيطة بوجودهم، الهالة التي التصقت بهم من هناك، من تلك الأجواء الباردة الكاشفة لصراعات النفس دون وجل، أشخاص نشأوا في محيط من الحرية واحترام الخيارات الفردية، يفعلون ما يشاؤون، يرتدون ما يحبون، يقولون ما يعتقدون، لا يشعرون أنهم مضطرين لقول شيء عكس ما يشعرون به، مثل أفراد الشرق الساجدين في محراب الجماعة ليل نهار على مدى قرون هي تاريخ وجودهم. الأقوال التي ننطقها عكس ما يدور في عقولنا من أفكار أو في قلوبنا من مشاعر أو حتى تلك التي نكتمها ونسير بها في أعماقنا دون أن نمتلك جرأة تحريرها إلى الهواء الطلق، تجعل وجودنا ثقيل، ففي أعماقنا تكمن مقبرة الأقوال المقتولة بدافع الخوف والتردد والرجاء والرغبة في القبول. تتشكل حولنا هالة سميكة من الثقل… فتصبح طاقة الأماكن التي نرتادها خانقة. نقول “إنه الحر والشمس” أو “البرد والمطر”، ولكن منذ متى كانت عناصر الطبيعة عدوة لإنسان عرف صداقة نفسه؟!

طال الصمت، فلم يعد أحد يهتم بقيمة الكلام. لا أحد يتكلم، “في الصمت السلامة” كما يتواتر عن الأولين، يتصادق الناس مع التطبيقات الالكترونية، الألعاب المسلية المذهبة للتوتر والخالقة له والقاتلة للوقت، “نتفلكس”؛ مكتبة مليئة بالأفلام والمسلسلات العالمية، “شاهد” مكتبة مليئة بالأفلام والمسلسلات العربية وغيرها وغيرها…يصبح الوقت مشغولا، مأخوذا، مخطوفا، وأنت إنسان مخطوف، لست هنا، لكن هناك، في اللامكان. فمن يحتاج للكلام مع الناس؟ كلمة قد تخرج فيندم عليها صاحبها، عواقب تلك الكلمة، كل ذلك التفكير في النتائج والمآلات يجعل الصمت خيار حكيم، لكن الصمت يطول ويتراكم ويتكاثف ليتحول إلى خرس. ويصبح كل الكلام الذي يمكن أن يقال مجرد دردشة ثقيلة مملة حول الطقس والطعام واللباس وأسئلة “كيف الحال” التي لا تنتظر إجابة. ثم تحيّن الفرصة للتملّص من هذا الكلام السمج بداعي المجاملة والواجب، إلى ونس التطبيقات، وإلى الناس في الأفلام والمسلسلات، هم أشخاص مألوفين، هم “الأصدقاء”، نعود إليهم كل مساء، أو نلجأ إلى رفقتهم وقت الغداء، هم أهلنا على مائدة الطعام، هم معنا، ونحن معهم، بكليتنا، هم يقولون كل شيء، ونحن نسمع ونضحك ونحزن ونفرح ولا لوم علينا، نحن فقط جمهور طيب صامت، من يحتاج للرفقة الواقعية؟ قد تقول الكلمة بدون تفكر كثير، مجرد تنفيس ولكن كيف الشخص الآخر لا يفهمك! إذا تحدثت يغضب، أو يكتمها في نفسه، وهذه أشد. يكيد لك، الكيد في النفوس يصلك، تشعر أن العالم يضيق، لا تعرف بالضبط لماذا، لكن هناك أشخاص ألقيت في حضرتهم مرة كلمة تعبر عن “رأي” بحسن نية صاروا أعداء متربصين، العداوة.. تلك الطاقة المجانية المهدرة، طاقة العداء الموجهة نحوك، تصل، تشعر بها، ولا تفهم لماذا كل هذا الشحن النفسي ضد وجودك الذي يمكن ألاّ يعني أحد. كنت فقط تريد أن تكون نفسك، لم تكن معنيًا بالإساءة لأحد، لم تفهم أساساً لماذا كل شيء يعبر عنك بشكل طبيعي يمكن أن يُشكّل إساءة لآخر. يبدو الآخر مهمومًا ألاّ تختلف عنه، يهمه أن تشبهه، في كل شيء سلبي، تشبهه في العجز عن التعبير عن ذاته، في العجز عن الحياة وفق هواه، في العجز عن التفوق الذاتي في الحياة، في العجز عن الإنجاز وفق رؤيته الخاصة، وليس في جمال هيئته وملبسه ومأكله ومشربه ومسكنه بالطبع، في هكذا أشياء يهمه ألا يتفوق عليه أحد؛ في أشياء “الظاهر” عليه أن يكون الأجمل والأكمل والأفضل، “فالظاهر” هو كل ما يمتلك بعد أن أعمل في باطنه جرّارات المسح البيولوجي النفسي التامّ لكل شيء حي وجوهري ومتألق، ذلك الألق الذي يتدافع إلى القلب فيملأه بالحب وينعكس في العيون لمعة حياة أخاذة تنشر طاقة الود والصداقة والمحبة وفضول المعرفة. من المهم أن تظل العيون جوفاء، حدقات فارغة من المعنى، “المعنى”! آه.. يا لهذه الكلمة الشريرة، إنها النوع من الكلمات الذي يشذّ عن قاموس المجتمع الطيب الصالح المتآلف على نوعية كلمات معينة محددة ومتفق على معناها منذ الأزل، أن تبحث عن المعني أي أن تبحث عن كلمات مختلفة عمّا ألفته الأذن الصماء. عليك أن تظل هناك واقفًا بصمت مثل فزاعة حقل؛ كومة أقمشة بدون روح تطرد طيور المعاني الحرة عن الحقول الخرساء الصماء الآمنة.

مقالات من نفس القسم