عن الغجر.. أبناء القدر

موقع الكتابة الثقافي
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

محمد الفخرانى

"ممنوع دخول الغجر"، تلك اللافتة الخشبية، التى كانت تُثبّت فى قمة جذع خشبى يغرز بالأرض عند مدخل الكثير من بلاد العالم، إلا أن هذا لم يكن ليمنعهم من الدخول إذا أرادوا، الغجر، هؤلاء من لا يفكرون فى الدخول بالأساس، فقط المرور، هذا ما يفعلونه دومًا، المرور بالعالم، فيه، عليه، وحوله، كأنهم قافلة ألوان حرة، أسطورة تجول الدنيا، تلمحهم من نافذة مكسورة لقطار قديم، فتشعر بأنهم المسافرون وليس أنت، هم من يعبر الأرض وليس قطارك، تراهم داخل غيمة من غبار ملون، مطر خفيف، وموسيقا مبهجة، يمرون مثل خنجر حار يخدش كتف ملابسك ولا يجرحك، أو حلمًا يرتدى ألوانًا وموسيقا.

 

 الغجر لا يكشفون عن أسرارهم، حتى إنها ربما تحولت فى جزء منها إلى أشياء تلقائية يمارسونها فى يومهم وإحساسهم العادى، دون أن يفهمها أو يفسرها غيرهم، فصار عدم كلامهم عنها سرًا بذاته، لا أحد يعرف من أين أتوا وإلى أين يتجهون، فالجهات لا تعنيهم بالأساس، العالم كله لهم، هو مكان للمشى والتسكع والسفر، احتوت لغتهم مفردات وألعابًا من كل لغات العالم، وربما يشكّلون مفردة واحدة من كل لغات الدنيا، يحملون ألقابًا عديدة أطلقوها على أنفسهم، أو أطلقها عليهم غيرهم، كلها تتعلق بالقدر والسفر، هم بلا نقطة نهاية، ونقطة بدايتهم أضاعوها برغبة منهم، كأن لم تكن، ليس إلا تلك النقطة التى يضعون فيها أقدامهم، وسرعان ما يغادرونها إلى أخرى، ثم إلى كل نقاط العالم، حتى الوهمية منها، وهى المفضلة.

يتحركون على حواف البلاد، وفى المساحات الفاصلة/ الواصلة بين بلدة وأخرى، بين لون وصاحبه، كلمة وزميلتها، لحن وصديقه، يهيمون فى الفضاء الممتد بين نظرتين من عين لا تتوقف عن التجوال فى العالم، وخطوتين من قدم لا تتوقف عن المشى، يسافرون فى ذلك الهامش الضيق، الوسيع، السحرى، المتنازع عليه والمهمل فى الوقت نفسه، هؤلاء الذين يعشقون الألوان، الرقص، الموسيقا، الأكورديون، الكمان، وتبقى القيثارة آلتهم الموسيقية المفضلة، والحصان حيوانهم المفضل، سيكون موجودًا فى أسفارهم، حكاياتهم، أشعارهم، وأغنياتهم، عندما يحصل الغجرى على حصان فإنه يبتكر لأجله قصيدة، أغنية، رقصة، عندما يريد زوجة جميلة فإنه يدفع لأجلها حصانًا، الحصان هو الكنز، آخر قطعة يبيعها الغجرى، وأول قطعة يرغب فى الحصول عليها.

يظهرون ويختفون فى أىّ مكان بالدنيا، وأىّ وقت، مثل شعاع ملون، يتمشى رهيفًا فى مسافة قريبة من الأرض والسماء معًا، ثم يتكسّر ويخبو تدريجيًا حتى يبدو وكأنه اختفى، ثم من جديد يلتئم ويظهر طافيًا، يتجول لبعض الوقت، حتى يتكسّر ثانية برغبة منه ويختفى، هكذا، طوال الوقت، طوال العالم.

هم من تعرضوا لمحاولات إبادة لسنوات طويلة قديمة، المتهمون دومًا، يُنظر إليهم على أنهم الأسطورة التى قد تدمر من تمر به، اللعنة التى تصيب من تقترب منه، لكنهم أيضًا ذلك السحر الغامض، البهجة المحرضة على اكتشافها، المجهول الذى تعرف أنك لن تخرج منه سالمًا، لكنك لا تقاوم الدخول فيه، وعندما تفعل، فإنك لا تخرج مثلما دخلت، ولكن ما يحدث لك هو دومًا على غير ما توقعت، هم تلك الجمرة المتقدة، التى تعرف أنها ستضرم فيك الألم لو لمستها، لكن لونها المتألق لا يُفلتك، جمرة وحيدة كأنما منبوذة، وفاتنة، جرح وحيد مكشوف، أغنية شاردة، عراء مسكون بالسحر والعفاريت والموسيقا، وخيام خيالية من أوهام وأساطير.

  كأنهم تضاريس طبيعية تتنقل فى كل الأرض، وتتشكل فى تنويعات بلا نهاية على أصلها المتفرد، الغجر مثل قطعة موسيقية متجولة، يخشاها الكثيرون لأنها تنهش القلب، لا يمكن مقاومتها، تلتهم من تمر به، وتجرجره إلى عالمها، لكن، كل هؤلاء الخائفين لا يستطيعون منع أعينهم عن النظر، وقلوبهم عن الاضطراب لقطعة الحياة تلك التى تمر بعيدًا وقريبًا فى ذات اللحظة، لا يمكنهم منع ذلك الجزء الغامض فى أرواحهم من أن يترك نفسه نهبًا لهذا الجمال الوحوشى.

يحصل الغجرى على أكثر من اسم، ربما ثلاثة كبداية، اسم تستعمله الأسرة، واسم يستعمله الأصدقاء وغيرهم، واسم ثالث لا يعرفه غير الغجرى نفسه، يختاره لنفسه فى لحظة كشف بينه وبين العالم، ولا يعرفه أىّ إنسان آخر، اسم يشبه روحه، يكمن فيه سره، ويخصه وحده، حتى بعد أن يموت الغجرى لن يتصادف أن يحمل أحد اسمه السرى، فيبقى هذا الإسم مسافرًا فى العالم بلا نقطة نهاية، كما ستكون للغجرى فى حياته فرصًا عديدة يحصل بها على أسماء متنوعة من الأصدقاء، فتبدو الأسماء مثل أدوات للزينة، يسعد بها، فقط يبقى الاسم السرى الذى اختاره لنفسه، لا يعرفه غيره، لكنه فى نفس الوقت يكون الأكثر وضوحًا، فيحوم حوله طوال الوقت مثل روح، عين حارسة وصديقة يشعر الآخرون بنظرتها، أو طائر يشعرون برفيف أجنحته ولا يرونه، كما أن كل الأسماء التى يحصل عليها الغجرى ليست إلا تنويعات على اسمه السرى، دون أن يعرف ذلك من يطلقون عليه هذه الأسماء المتنوعة، ودون أن يصادفوا اسمه السرى، فربما يموت الغجرى فى نفس الليلة أو النهار لو تصادف وناداه أحدهم به، إلا أن هذا ولحسن الحظ، أو لأنه أحد أسرار الغجر، لا يحدث أبدًا. 

لأنهم لا يملكون من العالم شيئًا، ولا يسعون لذلك، فهم لا يفكرون فى نهبه، أو تقليب أحشائه وتمزيقها، يقنعون منه بأشياء بسيطة، ويمنحونه فى المقابل أشياء بسيطة لا يجدها إلا معهم، ولا ينتشى مزاجه بدونها، لا يحتاجون إلا المساحة التى تطأها أقدامهم، ثم ينسونها بعد أن يرفعوا أقدامهم عنها، مساحة تضمن لهم التسكع والتجوال، هم لم يدخلوا حربًا أبدًا لأىّ سبب، فقط كان يتم الدفع بهم رغمًا عنهم فى حروب العالم القديمة، فيهربون عندما تتاح لهم الفرصة، أو يموتون سريعًا، أو يُلقون بتعاويذ تخصهم تجعل طرفى الحرب غير مرئيين لبعضهما بعضًا، لم يحاولوا احتلال شعب أو مكان، أو بناء أمة على أجساد ضحايا، أو مجد على أنقاض الآخرين، لم يحاولوا تزييف ثقافة، أو محوها، كل الأرض ممشى لهم ومُتسكع، كل جسد تراب، وكل بناء يومًا تحمله الريح.

 الغجرى هو الوحيد الذى يسافر وليس معه إلا حصان وقيثارة، أو أحدهما مؤقتًا، لا يسافر إلا ومعه آلة موسيقية، بلا خوف على نفسه، بلا خوف على شىء، يهرعون من الأماكن الغنية إذا صادفتهم إلى الخطوط الفقيرة، يبيعون الأساطير الصغيرة، والبهجة، تلك التى يُصنّعونها يدويًا، لا يشترون شيئًا من العالم تقريبًا، يمارسون الموسيقا، الغناء، الرقص، المشى فوق النار والأشواك والزجاج المكسور، ألعاب السيرك، قراءة الكف والورق والعيون، السحاب والنجوم، الرمل والتراب، كأنما تهمس لهم الريح والطرقات بما تعرفه.

تتكسّر لافتات “ممنوع دخول الغجر”، ويبقى الغجر مثل أسطورة تجول العالم، يمنحونه بهجة يدوية الصنع، وفى الوقت نفسه يصاحبهم شجن قديم له لون خشن الملمس، يتنقلون بين نقاط الدنيا، ويمرون على نقاط يعرفونها وحدهم وتعرفهم، تظهر خصيصًا لهم، تعثر عليهم أو يعثرون عليها، ثم نقاط ومساحات أخرى وهمية من خيال وحكايات، العالم كله ممشى لهم، بلا حدود أو نهاية، وخلال ذلك، يتناقلون أسرارهم، تراثهم، وأساطيرهم فيما بينهم جيلاً بعد جيل، دون وسيط من أوراق مكتوبة، أو تسجيل لتواريخ، أو رواة آخرين، فقط، مباشرة من دم إلى دم، من روح إلى روح، هكذا، طوال الوقت، طوال العالم.

 

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم