عن العميان الذين يقلدون الطرشان

موقع الكتابة الثقافي
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

قبل الكلام

"  من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً".

•لا أحد يريد أن يتحمل ثمن قرارته أو اختياراته .. لكل شيء ثمنه ولا يمكنك أن تقف في نقطتين وعليك دائما أن تختار ، لكن اختلاط الأوراق هو السمة الغالبة هذه الأيام .. حين تحترف لاعبة كرة يد مصرية في الخارج فهذا اختيار تتحقق به مزايا عديدة لنفسها ، و يترتب على هذا القرار تبعات منها غيابها عن مصر وبالتالي عدم تمكنها من الانتظام في التعليم في مصر إلا إذا كان هناك نظام للدراسة بالمراسلة .. وكل هذه الأمور لابد  وأن تكون واضحة في ذهن اللاعبة وعائلتها عند اتخاذ قرار الاحتراف، ولكن أن تختار اللاعبة الاحتراف وتتغيب عن الجامعة المصرية التي تدرس بها ، فتتخذ الجامعة  وفقا لنظامها قرارا بفصلها، فتتباكى اللاعبة وتتمحك في اللعب باسم فنلة مصر وهذا مالا أفهمه كيف تلعب لدي فريق أجنبي بفانلة مصر ، بالطبع هي تلعب بفانلة الفريق الذي تحترف معه – لكنه التماهي والغيبوبة  ثم تلوح بعروض التجنس التي رفضتها من أجل مصر ، ما دخل مصر في كل هذا؟  لا أعرف سوى أن هناك حالة من الاستهبال و اللامنطق أصبحت تسيطر على حياتنا وكلنا يريد عنب الشام وبلح اليمن ورغم أن هذا ممكن  في السوبر ماركت بفضل الاستيراد والتقدم في طرق تخزين الفواكه إلا أنه غير متاح عندما تكون خيارات الحياة محددة ، اذا كان عليك أن تختار فعليك أن تختار ، الحياة ليست مزحة ، بل مسئولية ،  وكل شيء له ثمن علينا أن ندفعه حتى السعادة ففي تقرير الأمم المتحدة عن الدول الخمس الأكثر سعادة جاءت الدول الاسكندنافية في المقدمة  وهي  الدول التي تعمل بعدد ساعات اسبوعية قليلة ومعدل الرواتب السنوية فيها متوازنة. بيد أنها من الدول التي تدفع أعلى الضرائب في العالم، خاصة  الدنمارك وعلى الرغم من عدة استفتاءات حول إمكانية تخفيض الضرائب المرتفعة ، إلا أن الدنماركيون رفضوا الفكرة. يقولون إنه الثمن الذي يجب ان يدفعوه للشعور بالمساواة.

 فإذا أراد لاعب أن يحترف ممارسة الرياضة  خارج مصر فله كل الحق، ولكن عليه إن أراد أن يكمل تعليمه في الخارج أيضا، أم أن تعلم لغة أجنبية  لدرجة تمكن من اكمال تعليمك  في الخارج يحتاج بذل مجهود، والأسهل منه التباكي و السخرية ، وكتابة البيانات على تويتر  وفيس بوك .

و يزداد  في بلادنا اختلاط  الحابل بالنابل  وفي قصة “ياسمين النرش” أو سيدة المطار كما يطلقون عليها ، وبغض النظر عما إذا كانت بريئة  من قضية الحشيش أم مذنبة فإنها  نموذج لاختلاط المفاهيم وضبابية الرؤية الذاتية حيث يفقد الانسان القدرة على رؤية نفسه وتحديد موقعه من العالم ويصبح سلوكه انعكاس لوضعه الاجتماعي والاقتصادي.  فيما مضى كان الأغنياء  يتميزون بالرقي في طريقة الملبس والمأكل والكلام ، قد يكونوا فاسدين ، متعجرفين ،أو مغرورين ، لكن كل هذا مازال موجودا وزاد عليه حالة غريبة من التماهي مع الأوساط العشوائية والتماهي مع الشعبيين في الحركات والألفاظ ، وفيما مضى كان الفقراء وأهالي المناطق الشعبية  يقلدون الأغنياء لكن الآن تبدل الوضع وأصبح أولاد الناس يتماهون مع سعد الصغير ، أوكا وأورتيجا .. وهتحنطر .. و… حالة  من التدني في الذوق .  سلاسل وخناجر ومطاوي في أيدي الصغار في مدارس راقية وألفاظ نابية تنتشر على صفحات الفيس بوك من روائيين وشعراء وشتائم مجانية بلا داع ولا طائل ، الزعيق ، التلويح بالأيدي، كلها أصبحت سمة عصر و يبدو أن كلمات مثل عيب ، ما يصحش تقول كده ، “ده كلام شوارع” كل هذه العبارات انقرضت كما تنقرض الديناصورات.  وأصبح الذوق والاتيكيت  بدعة وضلالة ،  وقد لا حظ الفلاسفة منذ أرسطو أن الفضيلة تقوم على التحكم بالذات ، ومن الأسس القوية للطباع القدرة على تشجيع الذات وتوجيهها ، سواء في أداء الواجب المدرسي ، أو الانتهاء من عمل ، أو الاستيقاظ  مبكر ا، وتعتبر القدرة على تأجيل الإشباعات والتحكم في الاندفاعات  من المهارات الأساسية التي علينا تعلمها كي نحسن للتعامل مع الآخرين ، وهذه التوجهات تؤدي غلى الرعاية والايثار والتراحم ورؤية الأمور من منظور الآخر يحطم الأفكار النمطية والمنحازة ويغذي الاختلافات  وتلك هي الفنون الأساسية للديمقراطية .

لكن أسبابا كثيرة جعلت القيم  الراقية تختفي من الشارع المصري منها  الزحام الشديد في المدن والقرى وزيادة الإحساس بالضيق والاختناق والحرارة الزائدة خاصة في الصيف, إضافة إلى ارتفاع معدلات التلوث السمعي والبصري, كل ذلك أدى إلى تنامي حالة من العصبية وسرعة الاستثارة والعدوان لدى المصريين بشكل لم يكن معهودا من قبل، مع تصاعد موجة  شراهة استهلاكية لدى الجميع .. أغنياء وفقراء وأصبح الفقراء أكثر سفها فيما يخص الانفاق لأنهم يقترضون لا من أجل الأساسيات الحياتية ولكن من أجل الموبيل وكروت الشحن وألعاب الموبيل وأحدث تنزيلات البرامج والأغاني والرنات ، بل و بالفهلوة المصرية أصبح شحن الموبيل طريقة للنصب حيث يدعى أحدهم أنه شحن لك عن طريق الخطأ مبلغا من المال وعلى أقصى تقدير لن يزيد مقدار الشحن عن 25 ، 50 ، 100 جنيه أي أنه مبلغ تافه لن يسمنه أو يغنيه من جوع. لكنها تغيرات ضربت بعمق في الروح المصرية

 وساعدت وسائل الإعلام، وبخاصة السينما والدراما التلفزيونية  في جعل الشخصيات العشوائية نماذج وأبطال.. اللمبي ، الألماني، عبده موتة، قلب الأسد، القشاش، سالم أبو أخته، الحرامي والعبيط، متعب وشادية، القط. كلها نماذج قدمتها السينما ويعاد تكرارها على الفضائيات .. نماذج بلا إطار أخلاقي  تسرق وتطعن وتحرق وتقتل وتتاجر بالأسلحة، والمخدرات وحتى الأعضاء البشرية، وهي ترسخ لمفاهيم الفهلوة والبلطجة والسلوك العدائي والحصول على المال بأقصر الطرق ، أبطال جاءوا من أسر يغلب على نمطها الإهمال و التفكك و العنف وتنتشر الألفاظ النابية و السباب التي يحاول قائلها إثبات وجوده وفرض رأيه لشعوره الداخلي بالضعف والنقص وكذلك لغة الحوار الغير أخلاقية التي تبشر بعدوان و فوضى وتتصاعد تلك السلبيات مع تقدم العمر لتشمل عدم احترام حقوق الغير، وهم بتلك التصرفات والمظاهر الشاذة غير المألوفة يحاولون   لفت الانتباه حتى يظهروا بشكل متميز عن الآخرين للبحث عن «الأنا» المفقودة بسبب الإهمال في الصغر والفقر و الجهل والعنف الجسدي.وهم بذلك ودون أن يدروا يفقدون القدرة على التواصل الإنساني مع الآخرين . ويبدو أن  كثيرين في مجتمعنا وقد أصابهم عجز عن تقمص مشاعر الآخرين ،  فأصبحنا نسمع ونقرأ عن جرائم غريبة وسلوكيات شاذة مثل   التحرش و زنى المحازم ، وتبادل الزوجات .. ومن يقومون هذه الأفعال مصابون بحالة  من  اللامبالاة ،  وهم في الأساس لا يجهلون مشاعر الأخرين بل هم في الحقيقة يجهلون حقيقة مشاعرهم ، فكلما زادت قدرتنا  على معرفة مشاعرنا ، زادت مهارتنا في قراءة مشاعر الآخرين ، والذين يجهلون مشاعرهم الذاتية تماما يجدون حيرة كبيرة في التعرف على ما يشعر به الآخرون من حولهم . وهذا ما يتصف به المجرمون والمتحرشون والمغتصبون ومرتكبي العنف الأسري   حيث يفتقدون القدرة على التقمص ‘ فيعجز هؤلاء عن الإحساس بألم ضحاياهم ،  بما يسمح لهم بخداع أنفسهم بأكاذيب تبرر لهم جرائمهم مثل ” كل امرأة تريد أن تغتصب” ، ” تقاوم المرأة فقط لتثبت أنها ليست سهلة المنال” ، ” كنا نعبر عن حبنا للطفلة ”  وهؤلاء المجرمون  ليس لديهم قلق وهم لا يخشون العقوبات المستقبلية على ما يرتكبونه ، وكذلك ولأنهم لا يشعرون  بالخوف هم أنفسهم ، لذلك لا يفهمون ولا يرحمون الخوف أو الألم لدى ضحاياهم .

•آخر الكلام

يقول الشيخ محمد الغزالي:” الحياة في سبيل الله كالموت في سبيل الله جهاد مبرور، وإن الفشل في كسب الدنيا يستتبع الفشل في نصرة الدين ، إن السلبية لا تخلق بطولة ،لأن البطولة عطاء واسع ومعاناة أشد.”

 

مقالات من نفس القسم