عن الظلال واللحن

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

أنتم بالطبع لا تصدقونها تلك العيون البنية الزائغة والجمال الهادئ، شامة الحسن أسفل ذقنها ووجهها البيضاوى، جسدها المكتنز وعظامها الجامدة تعطيك هيبة ورهبة في حضورها ربما تكون تلك الرهبة هي سر جاذبيتها أو ربما صمتها المطبق وشرودها والحزن الذى يتبدى فى خطواتها.

“زينة” لا تبكى ولا ترى أى علامات لخطوط قد ترتسم بين حاجبيها تعبيراً عن غضب أو شجن، بل تعتاد قسمات وجهها وجسدها والتفتاتها وتمايلها فى مشيتها، كانت عادية لا تبدي أي انفعال حتى اذا انفرجت شفتاها عن كلمات كانت تبدو وكأنها تتحرك فى خط مستقيم ينفتح عن همس بشيء فى نبرات محايدة وسرعان ما ينغلق تماما.

كان المستقبل يكاد أن يحتضنها برفق يفتح ذراعيه ببطء ليستقبلها فى صورة انيقة وهى بالبالطو الابيض في سنة التخصص تشق طريقها كى تصير طبيبة، فما الذى أطفأ روحها وقد أضحى عالمها حجرة مغلقة؟، وما الذى حدد خطواتها كي تنحصر كما انحصرت خصلات شعرها الكستنائي بجبهتها الأمامية؟

“زينة” تحب الغروب، تذهب إلى “الغيط” وحدها، تنتقى ركناً غامضاً لتجلس ساهمةً، غير عابئة بظلمة الليل فى المزارع ولا تهاب صوت صرصار الليل الذى يؤنس وحدتها دوما ويصد عن آذانها اقوال العابرين ممن يصفقون بكفوفهم ويصدرون تمتمات الحسرة على البنت التي غدت شبحاً يجلس كمن يغيب عن الوعى، أو ربما يكبتون ايضا خوفهم من عيونها السارحة بنظرتها الحادة وكأنما تقول: “ابتعد ، لا تقترب”!

قالوا ان السبب لابد وانه أبوها الذى هاجر ولم يعد ، لكن أمها أكدت انها طبيعة تماما، تروح “زينة” وتجيء، تواصل القراءة ليلاً، تذهب للغيط صباحا، تنظف حجرتها، وترتب اشياءها، تحرص دوماً على غسل الاطباق ومتابعة غسل الملابس كل يومين، تشرب شاى المساء ثم تمارس هوايتها فى التسكع حول الزرع الذى يحاصر البيت:

ـ “بنتى وانا عارفاها طول عمرها زى ما يكون واكلة سد الحنك، وكنت بقول معذورة أبوها هج وفاتنا، لكن خيبة املى في ابوها شيء، وحسرتى على ضنايا وهى قصاد عينى شيء تانى” حينما تراءت لها تلك الظلال وتناهى إلى سمعها صوت الكمان لم تشعر أن في الامر شيئاً غريباً، بل شعرت بالفرحة تتخلل مسامها وبهواء رطب يتسلل الى فستانها ولفترة اقلعت عن عادة نتف خصلات شعرها الامامية بعدما أجبرها ذلك على ارتداء طرحة مزركشة رمادية .

اصوات الكمان لم تكن عشوائية ، ظلان متعانقان احدهما لا يقارب الاخر فى طوله فهما يتقاطعان فى نقطة ما ، ربما تكون هذه النقطة هى العزف الذى تسمعه ، تكرر الظلال عزف مطلع مقطع “وصفولى الصبر” ، صوت الكمان قريب جدا ليس هو ذلك الصوت الذى اعتادت سماعه من الراديو او التسجيل الصوتى للاغنية ، حاولت ان تتبع الظل لكن لا احد هناك ، بل احيانا يكون الظلام محكم لدرجة لا يستطيع احد فيها ان يميز وجود ظل ، لكنها كانت تراهم بوضوح يتكرر العزف فى نغمة واحدة ، “زينة” كلما شعرت بالسوء تلجأ الى غرفتها التى يتوسطها كرسيها الخوص ثم تبدأ فى دوران صامت حوله ، على الارض مراتب النوم التى تتعثر بها، تدور حتى تغيب عن ذهنها تلك الظلال الغريبة ويصمت الصوت أو يكاد، على اية حال هى تنام منكهة فى النهاية .

ذات مرة أخبرتها أمها بأن اباها كان يحب الغناء فى الموالد والافراح، وانه حينما غاب فجأة وجدت “الأورج” فى مكانه مستنداً على الحائط ، لذلك رحبت “زينة” بالاحتمال الذى راته ممكناً، لماذا لا يكون عازف الكمان هو أبوها يأتى كطيف ثم يذهب ويختفى كعادته دائما؟! بالطبع لم يصدقها أحد ، دورانها داخل حجرتها ومطاردتها للظلال المتنقلة ، ثم نوبات نومها المتقطعة ، اصبحت نغمات العزف تأنّ بداخل روحها فتضطر ان تحبس نفسها حتى تخرج النغم لربما يصمت الصوت بداخلها، ووصل الامر الى ان عرضتها امها على شيخ المسجد المجاور ، فهى ايضا كانت تهاب صمتها ونظرات عيونها الثابتة ، فلربما تلحق البنت بأبيها ، وربما ينوى فعلا اختطافها !

يتطلع الشيخ اليها فى حذر ، يبتعد وينشغل فى حديث مع أمها ، تقرأ “زينة” عيونهما ، هما خائفين ، تتسلل عبر باب غرفتها ، تتسع عيناها وتصرخ ثم تدور فى حلقات متتالية حول الزرع حتى تختفى وراء الظلال!

 

خاص الكتابة

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق