عن البدايات وراوية الأفلام..

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 

نهى محمود

أجرب أن أبدأ الكتابة بفعل "مراوغة" .. أبقيه أمامي وأتأمله . ثم ابتسم له ولقدرته على توصيف حالتي.

في كل مرة ابدأ في قراءة كومة الكتب التي تندرج تحت بند الإلزام .. أتسرب منها كأني قبضة ماء في يد طفل .. أنسكب على أرض رملية وأترك أثر أرنب على الأرض قبل أن تجففه الشمس سريعا ويتلاشى.

وتبقى لفظة مراوغة حاضرة وقوية ومؤثرة.

 

كان يشغلني كثيرا في الفترة الماضية الأشياء الأولى التي سأفعلها في بيتي الجديد . الفيلم الأول الذي سيجئ على قناة أفلام وأشاهده على أريكتي الرمادية الجديدة .. صنف الطعام الأول الذي سأطهوه .. دور الشطرنج الأول ونتيجته .. قطعه الموسيقى التي ستنساب في عقلي لتذكرني بأيامي الاولى الجديدة..

كثيرة هي أشياءنا الأولى ، والأشياء الأولى التي تجئ بعد الأشياء الأولى ، والأولى التي تبدو أخيرة ثم تصبح مجرد أولى أخرى .

وطبعا الكتاب الأول الذي سأقرأه في حجرة المكتب الجديدة .. التي كلما جلست فيها وسط الكتب المختلطة لي ولزوجي ووالده الراحل اشعر بطاقات وعمر وحكايات صاخبة تشتت طاقتي عن فعل القراءه والكتابة وتحثني على الصمت لأسمع نداءات المجهول والأرواح .

خلال أيام اعتدت الطاقات غير المرئية ، وتعودت هي على وجودي .. وبدأت العمل

شاهدت أكثر من فيلم لكني لا أذكر ترتيبها في عقلي فقط فيلم عن سجن روسي كان به عنف أكثر مما احب في العادة لكننا كنا نشاهده محمد وأنا  بحماس من يشاهدون مراهنة ديوك في قصة لماركيز .

شاهدناه مرة أخرى في الإعادة .. وأصبح هو الفيلم الأول رغم اننا شاهدنا قبله بعض الأفلام لكن حاله النشوة التي أدخلنا فيها الفيلم أزاحت ما قبله وتركته يحمل الذكرى الأولى  . 

الكتب التي جهزتها بشكل إلزامي للعمل والقراءة استعرتها من مكتبة محمد حملتها برفق ورقة تستحقها ووضعتها على مكتبي وقلبت فيها قليلا بحكم رغبتي في التورط ، لكني كالعادة كنت أراني أتسرب من العمل واسحب كتابا أحبه وقرأته عشر مرات على الأقل لأعيد بعض مقاطعه من جديد

يئست أن أخطو خطوة واحدة نحو شئ جديد .. أدور في دائرة مفرغة من النوستاليجا

أؤنب نفسي وأعاتبها ما الذي قد يحثك على القراءة أكثر من الأعمال الكاملة لتشيخوف في أربع مجلدات فخمة وقديمة ومكتوب في نهاية كل منها .. ” إلى القراء .. ان دار ” رادوغا” تكون شاكرة لكم اذا تفضلتم وأبديتم لها ملاحظاتكم حول موضوع الكتاب ، وترجمته ، وشكل عرضه وطباعته ، وأعربتم لها عن رغباتكم .

العنوان : 17زوبوفسكي بولفار – موسكو . الإتحاد السوفيتي ” 

كيف يبدو الدخول لكتاب يظن ان الإتحاد السوفيتي لازال قائما ويمكنني مراسلة الدار على العنوان ، شغلني ذلك التساؤل أكثر من القراءة ، واثار في نفسي بعض الرهبة .. من القصص القصيرة التي أخافها على كل حال .

 في المكتبة كنت أبحث عن رواية صديقي الجديدة .. كانت تلك هي المرة الأولى التي ادخل فيها مكتبة بعد عودتي من الإجازة ، لم أجد الرواية وقبل أن اخرج وقعت عيني على كتاب صغير بغلاف عليه طفلة وثلاث أسطر

راوية الأفلام – إيرنان ريبيرا لتيلير – ترجمة صالح علماني

لا اذكر أني انحنيت لألتقط الكتاب من على الرف لكنه كان في يدي وانا اخرج من باب المكتبة ملفوفا في كيس المكتبة ومعه قسيمة الشراء

فكرت ان أهديه لرجل احبه لأنه عن السينما التي نحبها ، سيكون طبعا عن السينما

عن اي شئ ستكون رواية اسمها راوية الأفلام وكتب على غلافها الخلفي ” بطلة الرواية طفلة أشتهرت بقدرتها الساحرة على إعادة سرد قصص الأفلام ”

كنت طوال الطريق أفكر كيف سيكتب الكاتب الذي سمعت عنه هنا للمرة الأولى هذه الفكرة في مائة صفحة فقط ، وفكرت انه ربما سيعرض لنا عدد من الأفلام التي اختارتها ذائقته وربما تكون غير ذات دلاله لديّ كنت أتلهف في الحقيقة للقراءة .

في أقل من ساعتين ودون توقف لالتقاط الأنفاس قرأت العمل .. وفي يومين بعد القراءة ظللت أحتفظ بالنسخة في حقيبتي وجوار الفراش دون أن أعيد قراءة اي شئ فيها أنا فقط أحملها معي ، وهي عادة سيئة اكتسبتها من ولعي بالكتب التي أحبها . حملت ميراث الخسارة لديساي كيران شهورا وكذلك العالم لمياس وحملت حصاد الأيام  لإيزابيل أليندي عاما كاملا في حقيبة يدي دون أن أنساه مرة واحدة.

فعلت ذلك كثيرا مع كتب كثيرة .. حتى ظننت أني لن أصادف كتابا جديدا أحمل له هذا الشغف .

فيصبح الكتاب الأول الذي أقرأه .. هو كتاب يملئني بشغف جديد .

راوية الأفلام كتاب على لسان صوت نسائي وحيد .. يحكي لنا كل ما حدث ويحدث في منجم ملح البارود من البدء وحتى النهاية . 

تبدأ بتصدير لشكسبير ” إننا مصنوعون من مادة الأحلام نفسها ”

تذكرني الرواية بمزاجها ورماديتها بجيشا لأرتر جولدن ، لغتها عذبة تشعر كأنها مكتوبة على وتر مشدود بلا لفتة واحدة زائدة .. تفكر كيف هي بسيطة وعميقة لهذه الدرجة .. ما فعلته مائة صفحة صغيرة في غلاف فاتن رقيق جعلني أفكر أن كتابا أول جديد يعيد الحكايات ويصلني مع عالم أحبه و انتمي له .

أمضي في الشوارع برهبة طفلة ، وشغف مخبولة تحمل في حقيبتها كتب كتمائم ترسم لها بدايات جديدة .

ــــــــــــــــــــــــــــــ

نهى محمود

روائية وصحفية – مصر

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

خاص الكتابة

 

مقالات من نفس القسم

محمد العنيزي
كتابة
موقع الكتابة

أمطار

موقع الكتابة الثقافي art 27
كتابة
موقع الكتابة

تأملات