عنقود حناء

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 

 

قصة : الطاهر شرقاوي *

بجوار الباب الكبير المغلق، لجامع " سيدي التايه "، كان ثلاثة عجائز، مقرفصين على الأرض، يتناولون " المضغة "، ويبصقون بين أحذيتهم القماشية المفتوحة، وبين وقت وآخر، يمسحون بأطراف أكمام جلابيبهم، شفاههم وذقونهم البيضاء النابتة. ظلوا لفترة، يتابعون بنتا طلعت من الباب الجانبي للجامع، وهى تحمل فوق رأسها سطل ماء، وقليل من التراب والقش، لاصق بمؤخرتها الممتلئة، التي كانت تهتز مع خطواتها البطيئة. بعد أن ابتعدت قليلا، قال أوسطهم :

ـ ده كلام ما ينفعش.. لزمن نشوف صرفة .

رد الذي على شماله، والأقرب لي :

ـ ده جامع ربنا.. اللي يدخله لزمن يكون طاهر.

تابع الأوسط :

ـ طبعا.. ممكن يكون عليها ضهرها، ولا حاجة كده يعنى.

قال الأقرب لي :

ـ نكلم رجب .

رد الأوسط :

ـ أنا عارفه، موش حيعمل حاجة ... كفاية عليه لم الفلوس والخيرات منهم .

واصل الأقرب لي :

ـ ده على طول مع النسوان في المقام … وده ما يصحش كمان .

لم يكن الرجل، الذي على يمين الأوسط، يشاركهم في الحوار، كان مشغولا بردم بصاقه البني، بطرف عصا رفيعة في يده، ومتابعة الناس القلائل المارين من قدامه، مستمتعا باستحلاب المضغة، المتكورة في جانب فمه، ثم رفع قصابيته لأعلى، وشد تكة السروال قرب عينيه، وأخذ يبحلق فيها، وهو يدعبس في طياتها بأصابعه .

صعدت ثلاثة سلالم حجرية متآكلة، ولجت من الباب الجانبي المفتوح، المؤدى للحمامات. فتحت إحدى الحنفيات على الآخر، انتظرت نزول الماء البارد، وشربت حتى اكتفيت.

قدام حنفيات الوضوء، توجد مساحة صغيرة، أحيانا يصلى فيها بعض الناس، كانت مفروشة بحصر الحلف، التي تآكلت أطرافها، واخضرت بفعل المياه، المتقاطرة من أيدي وأرجل المتوضئين. كان الباب الداخلي ذو الضلفة الواحدة، والذي يربط بين الحمامات وصحن الجامع مغلقا. أربعة أبواب من خشب الأبلكاش، متراصة بجوار بعضها، ومدهونة حديثا بلون أخضر قاتم، الأول هو الحمام المفضل لدى، كان أوسعهم، يوجد به حائط قصير بالداخل، يبدو أنهم كانوا يفكرون في إكماله للسقف، ثم صرفوا نظر، عندما وجدوا أن الحائط الخارجي للجامع يكفى. دخلت، شممت روائح مكتومة تنبعث من حولي، ملأت طاجن الفخار المسنود تحت الحنفية مرتين، وصببته على الأرضية الأسمنتية، كان الماء يجرى، آخذا معه الطين الذي خلفته الأحذية، والبراز المحيط بالفتحة المسودة. كنت أفضل الاستحمام هنا، حمامات اللواء لا تفضي أبدا، كما أنني لا آخذ راحتي فيها، أخرجت الصابونة من جيبي، ومن الفراغ الكائن بين الحائطين، أدخلت يدي، وسحبت قطعة خشب عريضة، خلعت هدومي، وضعتها مع مخلة البريد والبيادة فوق الحائط القصير، ووقفت على قطعة الخشب. كنت منتشيا وسعيدا، والماء يقطر من شعري، متدحرجا إلى كتفي وظهري.

قررت عدم ركوب سيارة أجرة، وان آخذ المسافة حتى مقر اللواء، سيرا على الأقدام، تقريبا ثلث ساعة، بعد أن أترك كتلة البيوت القليلة، وجامع سيدي  التايه خلف ظهري، حتى وصولي إلى اللواء آخر المدافن، والذي تسبقه أيضا كتلة أخرى من البيوت، وأن كانت أقل عددا، طريق جديد مترب، يفصل بينه وبين الخط الإسفلتي، صف من المدافن، التي تتخللها حدائق صغيرة للمانجو والنخيل، وتنتشر به الكثير من القباب، والزوايا الصغيرة، والقليل من    الأسبلة المبنية بالحجارة، كل سبيل له شباكان رفيعان، وكوزان من الصفيح، مربوطان بخيطين في مسمار، يجاوره بئر محاط بسور قصير، وتعلوه بكرة خشبية.

طلعت من الحمام، وجدت الباب الداخلي مفتوحا، بصصت منه، كان الشباك العالي فى اخر الجامع مفتوحا، والمروحة التي فوقه شغالة، أمسكت البيادة بيدي ودخلت.

كانت حافة الشباك السفلية عريضة، ومساوية لأرضية الجامع. جلست بجواره وأنا أتطلع من خلال عيدان الحديد البنية.. توجد ثلاثة شبابيك فقط من هذا النوع، متراصة بجوار بعضها، على الحائط القبلي، وترتفع لأعلى إلى ما قبل السقف بقليل.

كل شباك له أربع ضلف خشبية، الضلفتان العلويتان من المنتصف وحتى فوق، مغلقتان دائما. أما الضلفتان السفليتان، فهما مفتوحتان على مساحة صغيرة، خالية، تقع خلف المقام، الذي له باب منفصل خاص به، مزروعة فيها شجرة حناء، تلامس أفرعها حديد الشباك المشغول، وثلاث نخلات صغيرات، كان عنقود الحناء الأبيض، يفوح برائحة ذكية خفيفة، أتت نحلة ووقفت عليه، قلت فى نفسي :

ـ الله … دى الجنة.

بصصت على عنقود الحناء وأنا أنهض، كانت هناك نحلة ثانية، قد انضمت إلى أختها. 

في الخارج، كان العجائز الثلاثة، قاعدين في مكانهم، وهم يبصقون على التراب، والرجل الأوسط يقول :

ـ دى جوزها تور … أكيد ما لحقتشى تستحمى الصبح … ازاى تدخل جامع ربنا .

رد الذي على شماله :

ـ رجب ده موالس معاهم.. لا حيصد ولا يرد .

كان الرجل الثالث، الذي لم يشاركهم في الحوار، قد أسند ظهره على حائط الجامع، ومد ساقيه للأمام، مشغولا بمراقبة المارة القلائل. وعندما مر من قدامهم الولد النحيل، وهو يرتدى جلباب كستور، مخططا رأسيا بخطوط حمراء رفيعة، ومقطوعا عند الكوعين، ضيق عينيه وبحلق فيه، ثم قال :

ـ يا ولد.. أبوك خلص ولا لسة.

توقف الولد، بص عليهم قليلا، رد :

ـ لسة .

ـ هو مين اللي مات النهاردة .

ـ الراجل الكبير يا جدي.

ـ الراجل الكبير مين.

لم يرد الولد، شاط علبة سجائر فارغة، مكورة على الأرض، اندفعت قدامه، جرى وراءها، أخذ يصفر ويشوط فيها، حتى أبتعد عنهم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* قاص وروائي مصري

 

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق