عندما مات العالم

عندما مات العالم
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

حنان فاروق

عندما مات العالم ذلك الصباح، كانت هي مازالت تفتح عينيها، تتجنب الضوء المقتحم غير المعتاد للذي ظنته الفجر، لم تكن تستخدم الستائر أبدا، فقط تترك الظلمة والشمس يتبادلان دوري المنوم والمنبه لحياتها.

في الفصل تقف أمام السبورة، تمسك بالطباشير، وتكتب عنوان الدرس وتستدير.

مائتا عين تحدق فيها وهي تسحب نفسا طويلا من هواء الغرفة  إلى صدرها قسرا لتبدأ الشرح، في البداية كانت تلك العيون تثير الفوضى كلما همت بالكلام،غير أنها تعلمت بالتدريج أن تخبئ ارتباكها وترتدي الوجه (الجبس) قبل أن تستدير وتقف صامتة وهي تنظر إليهم بثبات نظرتها المعتادة الخالية من كل شيء فتجبرهم على السكوت نهائيا، لا تتذكر بالضبط أين تعلمت هذا، لكنها فقط وجدت نفسها هكذا.. تبدأ في الكلام فيتعمق الصمت.. نادرا ما كان يستوقفها أحدهم ليسأل.. أو يستأذن ليدخل ( الحمام).. لم تعد تحب الأسئلة.. ولم تكن توافق على أذون الخروج من الحصة لأي سبب.. تعرفهم جيدا.. لا يهمهم إلا الخروج من بين الجدران إلى أي براح.

عند انتهاء الحصة تلملم أشياءها وتخرج إلى غرفة المدرسين، بالكاد تتكلم غير أن  قاطني تلك الغرفة مختلفون، يصرون على أن يتكلموا جميعا وأن يقتحموها بحياتهم وهي لاتجد إلا هزات رأس ملول وابتسامات فارغة  ترد بها لتنهي اليوم، أن تعيش حياة لم تخطط لها ولم تكن على خريطة روحك تلك كارثة، لم تكن تتعذب، ولم تكن تشعر بالسعادة، حالة لاتشبه الموت ولا الحياة.. اتفقت مع نفسها منذ زمن بعيد أن تحياها كما هي بلا أية شروط. عندما يصيبها الضجر تقف في المرآة وترفع كتفها وهي تقول: وضع مؤقت، مجرد مرحلة… وسـ …..

تفاجئها كل الطلبات والنداءات التي تمنعها من أن تكمل الحديث مع نفسها. لاوقت لهذا الهذر. لاوقت لأي شيء.. ولا للاشيء..لاوقت..

حين استيقظت ذلك الصباح كان العالم قد رحل فعلا.. لم يعد هناك تلاميذ… لم تعد هناك مدرسة ولاسبورة ولا زملاء غرفة ولا أرض ولا سماء ولا غرف ولا جدران ولا أي شيء.. ضوء سابغ يغمر كل شيء… لم تستطع أن تفتح عينيها على اتساعهما وجع الضوء جعلها تحاول تغطيتهما حتى تفيق… استطاعت أخيرا أن ترى، غير أنها لم تر أي شيء.. فقط ضوء وصمت.. أغلقت عينيها ثانية.. (ربما يكون حلما) نعم هو كذلك.. ابتسمت.. ( ولم لا… على الأقل لن أكون مضطرة لأي شيء) .. حاولت أن تقوم من مكانها لكنها لم تستطع؟.. لم ترد؟.. لاتعرف بالضبط.. حين طال بها الحال فكرت أن تغير أي شيء.. ستمارس تمارين التنفس وتركز كل تفكيرها فيها وتتذكر شيئا تحبه…

أخذت نفسا عميقا وهي تعد

١  ٢  ٣  ٤  ٥

كتمته

عدّت

١ ٢ ٣ ٤ ٥

أخرجته

عدّت

١ ٢ ٣ ٤ ٥

تسرح.. ترى…

البحر…

تحبس النفس

تنمو جدران بينها وبينه

تهز رأسها بشدة لتنفضها

تكمل العد ٢ ٣ ٤ ٥

السماااااااااء

تراها .. لكن شيئا ما يفصلها عنها

تهز رأسها ثانية

تكمل العد….

صوت الموج…..   

يصمت   ٤   ه

تفتح عينيها

مائتا عين تنظر إليها.. تحدق فيهم جميعا بنظرتها القديمة.. الصمت يخترق كل شيء

تبدأ الدرس….

………..

١٥ مايو ٢٠١٨

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق