عندما كانت الأفلام تذاع بدون فواصل فكنا نفكر في الفيلم بعد الفيلم لا أثناء الفيلم

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

كنا قد رأينا في الثمانينيات على الأرجح فيلم "العدالة للجميع" الذي ينتقد النظام القضائي الأمريكي، والذي ذكرني وقتها بجملة كنت قد سمعتها من قبل في فيلم "قصة حب" الشهير، حيث قال أستاذ القانون لطلبته في أول يوم لهم في الكلية ما معناه "أنتم هنا لتتعلموا القانون لا لتتعلموا العدل".

في اليوم التالي، لم يكن من حديث في السوق أو المقهى أو مكتب البريد أو البنك الزراعي أو أي من مجتمعات القرية إلا عن الفيلم. انبهرنا جميعا بالقاضي ذي الميول الانتحارية، تحديدا، بجلسته أعلى المحكمة، على إفريز يسهل فعلا أن يزل من عليه وينتهي عذابه. كان ذلك على وجه التحديد ما ينقصنا: عذاب الضمير. ولكننا قلنا عن الفيلم أي كلام.

نحن بحاجة إلى نظام قضائي يقوم على وجود قاض وادعاء ودفاع، وأيضا على وجود محلفين. قلنا إن المحلفين هم الجزء الأهم في النظام القضائي، ليس فقط لأنه تطبيق مباشر ـ وطفولي، ينبغي أن أعترف أنا على الأقل ـ لمبدأ السيادة للشعب، ولكن لأنه يجعل من كل فرد في القرية شريكا حقيقيا في القرية. إنه قاض سابق أو محتمل. إنه الحَكَم. إن كل واحد في القرية يستحق من الاحترام مثل ما يستحقه لا القاضي، بل القانون.

واخترنا من بيننا محمد القاضي، ليس فقط لأن اسمه يتطابق مع الوظيفة، ولكن لأنه كان يتعب في عمله أكثر مما ينبغي.

لم تكن لمحمد القاضي مهنة معروفة. وبالتالي لم يكن له مصدر رزق، فاتفقنا على أن يتولى كلُّ فرد في القرية دفع راتب لمحمد في يوم معين، وبالترتيب، وفي مقابل ذلك لا يعمل محمد لدى هذا الشخص، بل يعمل بتكليف منه. وجرت العادة على أن تكون التكليفات رمزية:

ـ محمد، اكنس تحت هذه السحابة.

ويسمع محمد التكليف، ويرى ابتسامة الحنان التي ارتسمت على وجه من كلفه. ويمضي النهار كله يتنقل في شوارع القرية عينه على السماء ويده تحركان المكنسة في الأرض.

فكانت لنا وقفة. لقد بذل محمد في ذلك اليوم جهدا يتوزع، في العادة، على عشرين من عمال البلدية. وانتهينا إلى أن التكليفات يجب أن تكون بسيطة وواضحة. ومضى محمد القاضي يوما بعد يوم يتلقى التكليفات. فتبيَّن لنا، بينما الدور في التكليف ينتقل من واحد إلى آخر، أن الأمور البسيطة قليلة جدا، تكاد لا تكون موجودة أصلا. لأن محمد القاضي تكشَّف عن شخص تنقصه المرونة تماما.

أنا شخصيا أعطيته أجره يوما وكلفته أن يدخل البسمة على قلب يملؤه الخير. فكانت النتيجة مأساة حقيقية لا أجد أي داع لإزعاجكم بتفاصيلها. فقط أطمئنكم إلى أنه لم يشق قلب أحد. ولكن طريقته في العثور على شخص خيّر كشفت لنا جميعا أشياء لم يكن مطلوبا أن نعرفها عن أنفسنا.

هكذا كان محمد القاضي، غير مستعد إلى القبول بحقيقة اللعبة: أنها قناع للتكافل. كان كل يوم يحاول أن يثبت جدارته بأجره، ويصر أن يتعب للحصول عليه. وكان في أغلب الأيام يرد الأجر لمانحه

يقال له في الصباح: افعل أي شيء تراه مفيدا يا محمد

فيرجع في المساء ليقول: لم أستطع أن أصنع فيتامين سي.

ـ ساعد المرأة الفلانية في رمي قمامتها

ـ المرأة الفلانية لا تعرف قمامتها الحقيقية

ـ خذ الولد لو سمحت إلى المدرسة

ـ ضميري لم يسمح لي

ـ ساعد شخصا أعمى في عبور الشارع

ـ هل كنت تقصد عبوره بالعرض؟

ومضى يهزل أمام أعيننا، يوما بعد يوم، حتى وجدنا الحل في صباح يوم أحد مبارك، أو ربما في الليلة السابقة، ونحن نشاهد فيلم العدالة للجميع بدون فواصل إعلانية على الإطلاق، فيا لها من أيام! قررنا أن يكون محمد القاضي هو القاضي محمد. وهكذا تستقيم بعض الأمور بقلبها رأسا على عقب.

ثم إن عقولنا تاهت عن كل ما جرى بعد ذلك، فكأننا سكارى، وما نحن بسكارى، ولكننا نقابل بعضنا البعض منذ ذلك الحين فيقول الواحد للثاني “القضاء عليكم” ليرد الثاني “وعليكم القضاء”.

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق