عادة ما ينحنى الطيبون

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

منذ البدء وأنا فى علاقة غير منسجمة مع ملامحى التى أصنفها ويصنفها من يعرفنى بالطبع على أنها ملامح وديعة، بالفعل عندما ترانى لا يشغلك كثيرا سوى وجه يبدو "طيباً"، وحينما تجتمع صفة "الوداعة" مع "الطيبة" اسمع "كلمات سبارتاكوس الأخيرة " :والودعاء الطيبون هم الذين يرثون الارض فى نهاية المدى، لأنهم لا يشنقون

فعلّموه الانحناء !”

وأنا انحنيت يا سبارتاكوس، فأين إذن نهاية المدى؟!

كنت أسير صباحاً على مقربة من مكان عملى، أسلي نفسي بسماع تراك موسيقى للراحل “عمار الشريعى”، والموسيقى هى مقطوعة رقيقة جداً مزيج ما بين الكمان والبيانو هى جزء من “دموع فى عيون وقحة”، وقبل أن ترتفع الموسيقى والتى تثير فى نفسي الشجون –رغم جمالها- بشكل خاص جداً، استوقفتنى لمسة من سيدة ترتدى الأسود، فى البدء لم أر ملامحها بوضوح لأنها كانت امرأة ذات ظهر محني للغاية، أزعجتنى لمستها حيث ربتت بكفها على كتفى فأحسست بيدها ثقيلة وأنا عادة ما انزعج من لمسات الغرباء، إذ يعنى ذلك أن مساحتى قد تم اقتحامها بشكل ما فيرسل عقلى إشارات الخطر إلى باقى أعضائى فأبدو منكمشة وقد يعنى أيضاً أن أحدا ما يتوسل إلى وأنا ضئيلة أيضا للغاية فمن بوسعه التوسل لى؟ ومن أجل ماذا؟، أنا كائن دقيق جداً من المنطقى أن يتوسل إلي الآخر، ذلك الآخر الذى يفتح ذراعيه وحضنه الدافئ وطوله الفارع حتى أرتمى به فى نوم أو موت عميق، ذلك الآخر الذى لم اجده ابداً، فمن هى ذات الظهر المحنى إذن؟!

بعدما انزعجت التفت وأنا حريصة على ألا أدع موسيقى عمار التى تحمى روحى صباحا من الذبول والانزواء عادة فتجعلنى هكذا أكثر توافقا وتناغماً مع منغصات اليوم، كانت السيدة المنحنية قد انخرطت فى نوبة بكاء وجلست على الرصيف بالقرب من ميدان سموحة، ومن موقعى هذا أرى اللوحة قد أكملت من انحنائها، حيث زاد وسع الميدان وازدحامه من ضآلتها، اقتربت ودخلت معها فى اللوحة بعدما انتزعت منى سماعة واحدة، فأصبحت الموسيقى الخلفية بيانو كمان بكاء كلمات سبارتاكوس صوت السيارات.

حين اقتربت كانت السيدة رغم انحنائها وجلوسها تستوقف المارين، بالطبع كانت اللامبالاة هى رد الفعل المناسب غير أنها لم تكن تطلق دعوات إلى السماء حتى يرمى أحدهم بالنقود إلى جلبابها الاسود حيث تجلس مستندة إلى جزع شجرة ضعيف، بل إنها كانت رغم بكائها تتجه إلى العيون التى تنتبه لصوتها وتسأل فى نبرة ما بين الاستكانة والحدة:

من فضلك بس يا بنى، ممكن تقولى فين بالظبط ربنا”؟!

سأعترف الآن، ابتعدت فى البدء عنها لأنى لا املك سوى عشرين جنيهاً، ولازال أمامى أيام عديدة والأسوأ أني لا أعلم مداها أو نهايتها، بالطبع كنت أحقد عليها، هى امراة عجوز  تبدو فى مظهر ضعيف، ربما تملك المبرارات المنطقية التى تجعلها تقف فى لوحة كهذه ويتعاطف معها احدهم فتجلب النقود ببساطة، اما انا فابدو انيقة للغاية بالوان الازرق والفوشيا التى ارتديها –كلما كنت حزينة كلما بدوت اكثر اناقة ربما- من بامكانه ان يتعاطف معى وانا اربط شعرى بايشارب حرير مزين بورود ملونة كلوحة تجريدية؟

من الجيد انى لم اقترب كثيرا اذن، هذه سيدة يائسة قد انحنى ظهرها من صلواتها لله ثم ما لبث ان انحنى للبشر فى النهاية، ارى هنالك فتاة تعطيها نقودا فى صمت وتمضي، جميل ان تنحنى اذن ربما تجد هنا  أجراً فى النهاية !

لكن لن يجيب أحد على السؤال ولا حتى أنا،

كانت الأجوبة كلها مخزية كأن يقول العابرون:

سيبها على ربنا

ربنا يحنن عليكى

الله يرزقك يا حاجة“!

الأغبياء لم يفهموا بعد ، السيدة تسأل فى وضوح “اين تحديداً يقف الله؟!”

شعرت بالامتنان فقط إلى موسيقى عمار الشريعى وإلى اللون الازرق وإلى كتاب ديوان شمس التبريزى الذى لولا اشتريته لكان معى الآن خمسون جنيهاً إضافية، وقبل أن أعبر إلى الجهة الاخرى كان القط الذى اعتدت على إطعامه مثلث الجبن يموء جوعاً، أتعسنى مشهده وهو يتوسل لى بعينيه وصوته الذى زاد من حدة ازعاجى حيث يتعلق بأظافره فى شنطة يدى، ودون أن افكر احتضنته وعدت به سريعاً حيث تجلس السيدة بطلة اللوحة ، جلست بجوارها ووضعت القط بجانبي وأنا أردد معاها السؤال :

ـ ترى، أين يقف تحديدا الله؟

وكان الميدان قد تحول الى بقعة صغيرة تضم انحناءات متساوية مع ضجيج السيارات حولنا.

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق