ظل وحيد يمشي على الحائط

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 

أثناء عودة بهاء من عمله وقت الظهيرة ، باغته ظِله بحجم أكبر من حجمه . قرر ألا يعود لمنزله إلا بعد مُتابعة الظل، سار وراء الظل، برأس محنى مُتابعا ً تكوينه الجسدي الذي لا يبين منه سوى كتلة هلامية تسير على قدمين .

يومها عاد للبيت مُتأخرا ً عن موعده ، فواجهته زوجته بوجه عابس ، لم تسأله أين كان كل هذا الوقت ؟ أو لماذا تأخر ؟ دخلت حجرة النوم و أغلقت الباب بقوة في وجهه ، فنام ليلته في الصالة بملابسه التي لم يُبدلها . قبل أن تغفو عينيه واجهه ظله النائم ، تَقلب فتَقلب الظل ، أعجبته اللعبة ، أن يظهر له قرين يُماثله في الحجم و يؤدي أفعاله مثلما يفعل . ردد مقاطع من أغنية ليلى مراد " سنتين و أنا أحايل فيك ... ودموع العين تناديك ... ياسبب تعذيبي  والأسم حبيبي ... اه سنتين " أنتظر أن يُردد الظل وراءه كلماته ، لم يسمع صوتا ً ، فأستسلم للنوم مودعا ً ظله الذي ظهر له فجأة . 

 

أستيقظ صباحا ً على ضوء النهار الذي عبر زجاج النافذة ، أتجه للحمام ، نظر لذقنه النابتة ، مَرر يديه عليها ، تحتاج للتنعيم، أمسك بالموسى ، وبدأ الحلاقة ، طالعه على الحائط ظله ، نظر له مُبتسما ً ” بالتأكيد يحلق ذقنه مثلي ” هتف لنفسه ” . خشى أن يدخل حجرة النوم ليبدل ملابسه بأخرى نظيفة حتى لا تستيقظ زوجته و يتجدد الشجار بينهما  . سوى ملابسه و قرر الذهاب لعمله بنفس ملابس اليوم السابق . عندما فتح باب الشقة ظهر ظله بين فرجة الباب ، خشي أن يعبر فوقه حتى لا يتألم! ، فقفز فوقه متجاوزا ً أياه .

وصل لعمله في موعده ، أثناء صعوده السلم مُتجها ً لمكتبه في الطابق الرابع ، فوجئ بظله أمامه تسبقه خطواته ، أسرع من صعوده السلم ليسبق الظل . كلما زاد من سرعته كلما أزدادت سرعة الظل ، احتار ، قرر أن يُلاعبه ، فأخفض من سرعته كأنه يصعد مُتمهلا ً ، فأبطئ الظل من خطواته مثلما فعل ، فجأة زاد من سرعته ، فأسرع الظل مثله تمامًا، حتى وصل لباب المكتب و هو لاهث الأنفاس فجلس على المكتب وصدره يعلو و يهبط من التعب ، نظر له زملائه باندهاش، ابتسم لهم قائلا ً “المصعد مُعطل” .

بعد الظهر بقليل استدعاه مديره في مكتبه ، المدير في الطابق الثالث وعليه أن ينزل طابق ، قابله ظله على السلم ، تلك المرة لم يرغب في دخول سباق معه ، وصل للمكتب بعد دقائق ، فوجد النافذة مواربة و كتلة الظل الهلامية تجلس على الكرسي المقابل لمكتب المدير . دخل مهرولا ً و جلس على نفس المقعد ، دون أن يعبأ بظله الجالس تحته . بدأ المدير يُناقشه في بعض بنود الميزانية ، الظل يُبدي تذمرا ً، يرغب في الهروب من أسر الجسد القابع فوقه ، حاول الظل مرارا ً طيلة الجلسة أن يُدافع عن كيانه من محاولة إفنائه المُتعمدة، فمرة يتململ و مرة يحاول القفز و في كل مرة يزداد الثُقل أكثر .

عند دخوله المنزل ليلا ً بعد عودته من العمل و سهرة الأصدقاء على المقهى ، وجد الظل ينام مكانه على الفراش ويده اللامرئية على جسد زوجته مُحتضنة أياها دون أن تشعر ، نظر له بحنق و غيظ ، أندفع تجاهه، نام عليه مُحاولا ً التخلص منه نهائيا ً ، لم يبق سوى يده التي لازالت مُحتضنة زوجته ، وضع بهاء يده عليها واحتضنها بشدة جاذبا ً جسدها نحوها ليحميها من خطر مجهول مُحدق بها . استيقظت مفزوعة قائلة له و شعرها مشعث … “ده وقته!” ، حاول إفهامها أنها لم تفهمه بشكل صحيح فردت عليه بغيظ  “وكمان فاهمة غلط” . أثناء الشجار تزحزح إيهاب بعيدا ً عن زوجته فنجح الظل في الهرب و نام على الجهة الأخرى بجوار زوجته، احتار ماذا يفعل؟  حاول النوم وكلما أغمض عينيه مُستجلبا ً شبح النوم تُفاجئه يد الظل أمام وجهه فيحلم بها أنها تُحيط برقبته و تُخنقه ، فيستيقظ لاهث الأنفاس باحثا ً عن اليد ليكتشف أنها لازالت على جسدها .

في اليوم التالي أثناء لعبه الشطرنج على المقهى بصحبة أصدقائه ، أكتشف وجود الظل أمامه مُباشرة ، وكلما أتجهت يده نحو إحدى قطع الشطرنج يسبقه الظل و يمسك يده بقوة و يدفعها لتُمسك بالقطعة الخاطئة ، فاضطربت تحركاته و أصبحت المُباراة شبه محسومة لخصمه الذي اندهش من ضعف مستوى بهاء على عكس أدائه المُعتاد .

دخل حجرته قبل مُنتصف الليل، كانت زوجته تنتظره بقميص نوم مثير ألتمعت على أثره عيناه، طلب منها أن تنتظره بعد أن يستحم و يحلق ذقنه. خرج من الحمام مُرتديا ً البُرنس و زوجته أمام المراّه، و ورائها الظل تجوس يده بشعرها دون أن تشعر، اهتاج و اندفع يُغلق الشيش لكنه تذكر أن الوقت ليلا ً، أغلق النور حتى لا يرى الظل ، لكنه بوغت به أمامه شفافا ً يكاد يضئ . فتح النور و الخيبة تعلو وجهه، وزوجته صدرها يعلو ويهبط بعد أن فشلت ليلتها، فسحبت الغطاء و نامت مُكدرة المزاج .

وقف أمام المراّه يغسل وجهه اكتشف أن قامته لا تصل للمراّه اضطر أن يقف على أطراف أصابعه وبالكاد بلغت فروة رأسه حافة المراّه، قابلته زوجته بوجه عابس ثم ضحكت فجأة و هي تُشير له مُستهزئة بتضائل حجمه المفاجئ . أغتاظ منها ، فكر أن يلطمها على وجهها ، لكنه حين اقترب منها اكتشف أن قامته أقصر من قامتها بالكاد تصل عند خصرها . فتح باب الشقة و اندفع للشارع بعد أن تذكر تأخره على عمله . وصل مكتبه حاول أن يصعد على مقعده المرتفع عن الأرض قليلا ً ، فارتقاه بصعوبة ، بُمجرد أن رآه زملائه على هيئته الجديدة كتموا ضحكاتهم بالكاد. أشعة الشمس تطل من فرجات شيش المكتب فارتسم الظل أمامه على الحائط لكن هذه المرة بحجم أكبر من حجمه المعتاد كأنه تضخم فجأة .

احتار الأطباء في تفسير حالته ، تضائل حجمة المفاجئ أثار الحزن في نفسه ، لكن ما أثار حنقه وغضبه أكثر هو التضخم المستمر للظل . يوما ً بعد يوم يتناقص حجمه حتى أصبح حجمه أشبه بحجم طفل  لم يتعدى سنواته الأربع . ابتعدت زوجته عنه تركت له البيت ، بعد أن اشمئزت منه ، كلما نظرت له أدارات وجهها للناحية الأخرى . أصبح وحيدا ً لا يؤنسه سوى ظله المتزايد دوما ً .

كلما أغمض عينيه مُستدعيا ً النعاس كلما جافاه النوم أكثر ، تقلب ثم نام على ظهره موليا ً وجهه للحائط ، فواجهه الظل بحجم أكبر من آخر مرة شاهده فيها ، فرفع الغطاء فوجد قامته تقلصت عن المرة الأخيرة . اهتاج وقرر أن يسترد حقه المسلوب . وقف على الفراش أمام الظل يقفز عاليا ً ثم بدأ يوجه له اللكمات، اندفع تجاه الحائط بجسده الضئيل، فهرب الظل للجهة المُعاكسة، اندفع مُجددا ً تجاه الجهة الأخرى فهرب منه الظل عكس اتجاهه . سقط على الأرض من فرط التعب . ثم قام مجددا ً تلك المرة لم يحاول ضرب الظل بجسده إنما قرر أن يقضي عليه بطريقة مُغايرة، أمسك بدلو الماء ثم قذفه على الحائط . فتبلل الجدار، و أصبح الظل باهتا ً ، لكنه سرعان ما عاد إلى طبيعته مرة أخرى، انحنى بهاء مُحاولا ً أمساك قدم الظل، فشل في الأمساك بها بعد أن هرب إلى الجدار المقابل .

وقف بهاء أمام الجدار لاهث الأنفاس ناظرا ً له بحنق بالغ ، ابتعد بهاء عن الجدار فتضخم الظل فجأة حتى أوشكت رأسه أن تصطدم بالسقف ، ارتعد . انكمش على ذاته وهو يخطف النظرات على الظل الذي استكان الاّن ، وجد الظل فاتحا ً ذراعيه ، تقدم بهاء في البدء مُترددا ً ثم أندفع بقوته نحو الظل فتلقفه الظل بين ذراعيه ، ثم رفعه على رأسه حتى بلغ السقف.

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق