طه حسين من ست زوايا.. كتاب جديد لعمار علي حسن

طه حسين من ست زوايا
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

يستهل عمار علي حسن كتابه “بصيرة حاضرة.. طه حسين من ست زوايا”، الذي صدر قبل أيام في خمسمائة وست صفحات من القطع فوق المتوسط، بمقدمة يسرد في مطلعها حكايته مع كتاب “الأيام” حين تسلمه في أول السنة الدراسية للصف الأول الثانوي، وكيف كان ينظر بإجلال إلى تمثال عميد الأدب العربي الذي يقف شامخا بالقرب من مدرسة كان عمار تلميذا فيها، حيث يعود مسقط رأسه على محافظة المنيا من أعمال صعيد مصر، وهي المحافظة التي ينتمي إليها العميد. ثم يمد الخيط عبر الزمن حتى يرى تمثال طه في مدخل كلية الآداب، جامعة القاهرة، وينظر إليه بإكبار أيضا حين ذهب إلى الكلية قبل سنوات لإلقاء محاضرة عن الأدب والحرية.

بعد هذا المطلع الذاتي ينقلنا عمار في المقدمة، ومن بعدها متن الكتاب كله، إلى دراسة عميد الأدب العربي من مختلف الجوانب، حيث لم يكتف بإحضار مشروعه الفكري والأدبي ووضعه تحت مشرط الفحص والدرس والتحليل، بل يقترب من عميد الأدب العربي كإنسان وفاعل اجتماعي، مارس أدواراً عديدة في الحياة، وأدى حاصل جمع نصه وشخصه إلى إنتاج ظاهرة، علا شأنها، ووصل خبرها إلى الشرق والغرب، ولا يزال الاهتمام بها جاريا وساريا.

ومن يطالع الكتاب الذي صدر عن مركز أبوظبي للغة العربية يتبين له أن الكاتب قد هضم مختلف أعمال طه حسين، وأغلب ما كُتب عنه، ليراه بشموله وتمامه من زوايا ست هي: المنهج، والنص، والذات، والصورة، والموقف، والأفق.

وأراد عمار في ثنايا عمله أن يقيس أثر طه حسين في حياتنا الفكرية والأدبية المعاصرة، وذلك عبر إجراءات محددة هي:

1 ـ معرفة حجم وقيمة ما كتب ويُكتب عن طه حسين حاليا من شهادات وذكريات ومقالات ودراسات وكتب وأطروحات جامعية، وما يقام عنه من ندوات ومؤتمرات.

2 ـ  مدى قدرة ما تركه طه حسين على الاستجابة للتحديات الراهنة، أو الإجابة على أسئلة زماننا، واستمراره في أداء هذا الدور في المستقبل المنظور.

3 ـ ما تحمله خصائص أسلوبه من قدرة على إفادة الجيل الحالي من الكتاب والباحثين، حيث إلهاب الخيال، وإحكام الصياغة، والتعبير عن المعنى بشكل جليَّ، لا غموض فيه، ولا إعوجاج، حتى لو جاء متدثرا بأردية ناصعة من البلاغة.

4 ـ  ما يمكن أن تمدنا به آراء طه حسين وتجربته العملية ومواقفه من رؤى وطرائق تساعدنا على النهوض بالتعليم والثقافة في واقعنا المعيش.

5 ـ ما وقع فيه طه حسين من أخطاء أو مزالق، ويجب علينا أن نتجنبها، بقدر ما نتجنب ارتكاب مبالغة إيجابية أو سلبية، في التعامل معه هو شخصيا، موزعة بين “تدنيس” و”تقديس”، كعادتنا في النظر إلى الماضي، وهي مسألة رفضها طه نفسه، وكان منهجه قائما بالأساس على مساءلتها ونقدها، ثم أعادتها في ثوب عقلاني واضح.

6 ـ ما حدث من تطور لطه حسين في مجال السرد والنقد والدراسات التاريخية وتأريخ الأدب، وما حدث بعده، سواء في النظريات والأطر التفسيرية، أو في مناهج تناول النص والفكر والاقترابات العلمية، التي تجعله ماثلا للأفهام.

 ويقول عمار في مقدمة كتابه ” وفق هذا التصور سأتعامل هنا مع فكر طه حسين وأدبه على أنه شيء حاضر ومستمر، وهذه مسألة تبدو مستقرة وظاهرة لا مجاملة فيها ولا تجوز، فهو نفسه كان يرى أن القديم يجب أن يظل متداولا ما دام نفعه قائما. لذا فإن ما ترك الرجل من تاريخ المعرفة أو العلم، لم ينقض بعد، ولا يبدو أنه سيكون كذلك، إن لم يكن لمنهجه المتماسك، فلنصه المختلف”.

ووزع الكاتب مؤلفه هذا على زوايا ست، ولم يوزعه على فصول كالمعتاد. وفي الزاوية الأولى المتعلقة بالمنهج، ليرى أن طه حسين قد اتبع اقترابا ومنهجا يقوم على “الصرامة العلمية”، وتقليب كل ظاهرة أو حدث على شتى وجوهه، وبناء استراتيجيات ناجعة في الحجاج، ورفع الالتباس عن قضايا شائكة، وعرض مختلف الآراء حوله، وإعلاء قيمة الشك في سبيل الوصول إلى الحقيقة.

كما اعتمد طه حسين طريقة حوارية قامت على التفاعل والمشاركة والحوار، وظهرت معالمها في تعميق وتعزيز أفكاره هو عبر الاستفادة من الانتقادات التي وجهت إليه.

ويرى الكاتب أن منهج طه حسين قام على عدة خصائص هي الحوارية والتعدد، والشك والتثبت، والإفاضة والإحاطة، وتعدد زوايا الرؤية والاهتمام، والتمييز في الدرس بين العلم والدين، بما جعل لمنهجه أثرا يختلف عليه الناس، لكن لا يمكن لمنصف أن ينكر ما جاد به من إيجابيات على التفكير والتدريس والبحث في العالم العربي.

وفي الزاوية الثانية المتعلقة بالنص درس الكاتب أسلوب طه حسين ولغته الشفاهية، بنت الإملاء، التي اعتمدت على آليات التخيل والاسترجاع والتكرار وحضور الموسيقى، وما قام به من تجديد اللغة العربية حجاجيا، وتطويرها بلاغيا. ويرى أن نص طه بكر إذ كان لا يراجعه، ونص مميز يدل على صاحبه بلا عناء ولا عنت، وإيقاعي تحضر فيه الموسيقى، وهو نص تكراري متنوع حافل بالتناص، ويسعى إلى أداء وظيفة، أو ينهض بالمهمة أو الرسالة التي كان يحملها طه حسين على عاتقه.

وتناولت الزاوية الثالثة المرتبطة بالذات نموذج طه حسين كمثقف متكامل، فهو باحث وأديب وناقد ومؤرخ وعالم اجتماع ومترجم وصحفي وسياسي، ارتقى مع توالي إنتاجه ورسوخه، ليصبح مفكرا، بل هناك من يراه فيلسوفا. في الوقت نفسه فهو صاحب الوجوه المتعددة، إذ أنه الأزهري والمدني، والريفي والمديني، وابن الحضارة الشرقية المتحاور بوعي واستقلال مع الحضارة الغربية، يبحث عن الحكمة أنّي وجدها فهو أولى بها.  وهذه الثنائيات لا تزال محل أخذ ورد في الثقافة العربية المعاصرة، يضاف إليها بالطبع تلك المقابلة بين البادية والحضر.

ويرى المؤلف إن طه حسين يمكنه أن يقول عن نفسه: أنا الكاتب الحر، ابن عصره، المنذور لمهمة عظيمة، الذي أكتب للناس لكن لا أتملقهم، وأنا نسيج وحده، المعتد بنفسه، رابط الجأش، المتمرد، والمجادل العنيف، الباحث عن المختلف. وأنا أيضا المعترف بأخطائي، المتشائم الذي يسقط في يأس أحيانا، والمغبون من كثيرين. وهذا ليس افتئاتا عليه إنما استخلاص من سيرته المتناثرة، والتي لم يدونها بعد “الأيام”.

وفي الزاوية الرابعة المتعلقة بالصورة يعدد صور عميد الأدب العربي، فهو قاهر الظلام، والتلميذ النجيب، والأستاذ البارع، وصاحب المكانة الرفيعة، والمجدد، والمتحايل، والذي صار أسطورة، والمواطن العالمي. في الوقت ذاته هناك محاولات متعددة لخدش هذه الصورة، عبر رميه باتهامات كثيرة، ومحاولات أخرى لتقييمها، كي توضع في المكان الطبيعي المستحق، دون تهوين ولا تهويل. وهنا يرد عمار، بشكل علمي ومنطقي، على كل هذه الاتهامات، التي كانت وراءها دوافع سياسية أو إحن شخصية في كثير من الأحيان.

وفي الزاوية الخامسة التي تفحص موقف طه حسين يرى أنه قد جمع بين التفكير والتعبير والتنظير والتدبير، فصار مفكرا عمليا ومثقفا منتميا، إثر خوضه تجربة حزبية، وأخرى تنفيذية حين تولى وزارة المعارف، وثالثة إدارية حين صار عميدا لكلية الآداب ـ جامعة القاهرة، وحين أنشأ وأدار جامعة الإسكندرية، وكانت له تجربة مهمة في المعهد العالي للدراسات العربية، لجامعة الدول العربية. ثم يتطرق الكاتب إلى موقف عميد الأدب العربي من العدالة الاجتماعية، والحرية والديمقراطية، ومناصرة حقوق المرأة، والسلطة والأحزاب السياسية، والعلاقة بين الشرق والغرب، وبين القديم والجديد في الفكر والأدب.

وأعطى الكاتب الزاوية السادسة عنوان “الأفق”، وتحدث فيها عما تحقق من مشروع طه حسين، وما لا يزال ينتظر، ومصيره هو، نصا ومنهجا وموقفا، وهو الرجل الذي كان يخشى “موت الكاتب” بعد رحيله عن الدنيا، أي ضياع منجزه بعد تحلل جسده، ليصير مجرد ذكرى، تستعاد بين حين وآخر، أو لا يلتفت إليها أحد.

وفي خاتمة الكتاب عدد الكاتب ثلاث نقاط رأى أنها تنقص مشروع طه حسين، وهي عدم إعطائه التصوف موضعه في الثقافة الإسلامية، وإغفاله دور الموروث أو المأثور الشعبي في بناء مشروع ثقافي، وعدم وضع منتجنا الثقافي الحديث والمعاصر موضع مقارنة مع الغرب، على غرار ما حدث مع تراث العرب الأقدمين. لكنه لم يقف عند ذكر هذه الأمور التي يفتقد إليها مشروع العميد، بل قدم شرحا وافيا عن أسباب ذلك، مؤكدا أن هذا لا ينقص أبدا من أن طه حسين قد ترك لنا مشروعا عميقا، في الفكر والأدب والإصلاح الاجتماعي، لا تزال عطاياه قائمة بيننا حتى الآن.

وكتاب “بصيرة حاضرة” إن كان قد انصب بالأساس على دراسة مشروع طه حسين، فإن عمار علي حسن يكون قد وضع، من خلال الزوايا الست التي رآى من خلالها العميد من شتى جوانبه، يكون قد وضع إطاراً نظرياًـ وحفر مساراً منهجياً متماسكاً، يمكن تطبيقه في أي دراسة عن مفكر أو أديب بارز، ما يعني أنه قد فتح أفقا لأي باحث يتناول أي من المفكرين والأدباء العرب في قابل الأيام، وهنا يقول: “بوسع هذا المنظور أن يمتد أيضا إلى دراسة الأدباء البارزين، مع استبدال بسيط، يتمثل في إحلال المعمار أو البنية بديلا للمنهج، إذ أن الأخير لا غني عنه لأي مفكر أو فيلسوف، بل هو الذي يميزه عن غيره، ويبرهن عما إذا كان قد قدم رؤية متسقة ومتناغمة أم العكس هو الصحيح”.

وأعتقد أن التصور الذي وضعه عمار في كتابه هذا سيساعد الباحثين مستقبلا على إيجاد بنية أو إطار أو هيكل، أو مقاربة، تمكنهم من دراسة الشخصيات الفكرية والأدبية التي تركت إنتاجا مهما، يستحق المتابعة، لأن فيه دوما ما يفيد.

 

 

 

مقالات من نفس القسم