طارق إمام: هذا ما تعلمته من رجاء النقاش.. وهؤلاء سبب أزمة النقد

موقع الكتابة الثقافي tariq imam 1
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

حاوره: خالد حماد

استعادة الماضي البعيد، السير في طريق الخرافة صعب، والأصعب استحضار مدينة للخرافة بحوائط لا نهائية، كتابة الموت وجعله جسر لمعرفة الحياة، هو ما يشتغل عليه الروائي الشاب والقاص «طارق إمام»، رحلة لا يمكن وصفها، فبالنسبة لأبناء جيله، هو الأكثر إنتاجًا وزخم إبداعي، مشغول بإذابة المتناقضات وطرح الأسئلة الكبرى، وهذا ما يؤكده الروائي، القاص، الناقد، والكاتب الصحفي، كل هذه مهن أحترفها «إمام» بجدارة.

وإذا وقفنا عند “التجييل”، سنجد أن «إمام» أحد الأولياء الكبار في عالم الكتابة الإبداعية بالنسبة لجيله، وتشهد كتاباته على ذلك الأخلاص الشديد لفن السرد، الذي اتسع  ليطرح فيه أسئلته التي تشاغب، وتلاعبه يطرح أشواقه الشعرية دون مواربة، ولا ينفي أبدًا زحف الشعر إلى أعماله السردية من قصة أو  رواية، خلال أعماله الروائية الـ7، بالإضافة لـ4 مجموعات قصصية، فضلًا عن العديد من المقالات النقدية، مما دفعنا للغوص مع المبدع الشاب داخل أروقة الثقافة المصرية محاولين الحصول على إجابة للتساؤلات المُلحة حول أزماتها المستمرة، وكيفية وضع حلول من خلال الحوار التالي:

حول أزمة الثقافة ومستقبلها والأسئلة العالقة؟

أحد أبرز أسباب أزمة الثقافة المصرية هي غياب وأفول المؤسسات المستقلة، ففي  فترة ظهور وصعود أزمات حقيقية ما بين المؤسسة الثقافية  والتيارات الأصولية، يظهر بشكل جدي صوت المؤسسات الثقافية المستقلة في مواجهة تلك  التيارات. أتذكر أنه في الوقت الذي حوربت فيه الهيئة العامة لقصور الثقافة نتيجة لنشرها رواية  “وليمة لأعشاب البحر”، ونتج  عنها تشديد الرقابة على النشر، ظهرت دور نشر ومؤسسات مستقلة لعبت دورا كبيرا في مواجهة  مقصلة التيارات الأصولية التي تعادي الإبداع والثقافة منها “دار ميريت” و”دار العين” وغيرهما من الدور المستقلة.

يشير “إمام” إلى أن أبرز أسباب أزمة الثقافة المصرية هي أننا لم نشتغل على تطوير أدواتنا في مواجهة الحاضر والمستقبل، ومازلنا نعمل على نفس الآليات القديمة والمكرسة.

وأوضح أن نموذج الإصدارات الثقافية الورقية، والتي ساهمت بدور كبير ورائد في نشر الثقافة المصرية في محيط عالمنا العربي، كان ذلك في الماضي القريب، ولا يمكن التعاطي مع اللحظة الراهنة والمستقبل بآليات الماضي، علينا تطوير أدواتنا للوصول إلى القارئ وهو الهدف الرئيس الذي جاءت من أجله تلك الإصدارات، والتى لا توزع أكثر من3 آلاف نسخة في أحسن حالاتها، ونجد الكثير من مشاكل التوزيع، ماذا يمنع من إنشاء مواقع إلكترونية لنشر مواد تلك الإصدارات؟، مادام هدفنا الأخير هو الوصول إلى القارئ.

وأضاف صاحب “هدوء القتلة”، أثناء عملي مديرًا لتحرير مجلة “إبداع” حاولت مخاطبة المسئولين أكثر من مرة، لتدشين موقع إلكتروني لنشر مواد المجلة حتى يمكن للجميع الاطلاع على ما يتم نشره، ولكن لم يحدث شئ وقوبل عرضي بالرفض، وهذا يوضح حالة الإصرار على العمل بآليات قديمة تجاوزها الزمن، قادتنا إلى حالة جمود ثقافي نعيشه.

لا شك أن حالة الثقافة المصرية لا يمكن قياسها بالوقوف على ما تقدمه المؤسسة الثقافية التابعة للدولة، فالمؤسسات المستقلة في كل مجالات الفنون والإبداع تلعب دورًا هاما في سد الفجوات والثغرات التي تتركه المؤسسات الرسمية.

التضييق على المؤسسات الثقافية المستقلة تحت أي دعاوى يقلص الدورالمنوط بالثقافة المصرية فعله.

منذ أكثر من عامين جاء مؤتمر تجديد الخطاب الثقافي تحت رعاية  المؤسسة الثقافية للدولة.. كيف ترى مثل هذه النوعية من المؤتمرات، وهل تلعب دورًا حقيقيًا في تجديد الخطاب الثقافي؟

دعنى اسألك أولًا مَن سمع عن تجديد الخطاب الثقافي غير صناعه؟.. مادمنا طوال الوقت نشتغل بعمل مؤتمرات داخل قاعات لا يسمع عنها أحد، ونأتي بالأسماء  المعزولة تمامًاعن قضايا الثقافة والمجتمع المصري لن نصل لشيء، مشكلتنا في المشهد الثقافي المصري أن كل شئ يأتي من رأس السلطة الثقافية، لا يأتي من الأرض عبر الأفكار الجديدة المطروحة في كافة مجالات الفنون.

ما يحدث الآن هو صراع أجيال، السبب فيه أن هناك العديد من الشخصيات الثقافية لا تمنح فرصا للآخرين، فكيف يمكن أن نضخ أفكارًا جديدة في ظل الوضع الراهن للمؤسسات الثقافية، وما يحدث من تطوير داخل هذه المؤسسات يأتي عبر مبادرات فردية لشخصيات تدرك معنى وقيمة الثقافة نموذج دكتور جابر عصفور  ودكتور أحمد مجاهد، وهذا يجعلنا نصف الثقافة المصرية بانها رهينة أفراد، ونحن في أمس الحاجة إلى عمل مؤسسات أكثر من حاجتنا إلى مبادرات فردية.

هل هناك إمكانية لاستعادة دورالريادة الثقافية لمصر؟

كانت مصربمثابة المركز الوحيد لإنتاج الثقافة في عالمنا العربي، أما الآن هناك العديد من المراكز الثقافية في محيطنا العربي تنافس بمنتجها الثقافي بحثا عن دور للريادة، فكرة المركز تأخذ بعدًا مختلفًا، من وجهة نظري ليس بالضرورة أن أكون أنا الرائد، ولكن من الضرورة أن أطرح سؤالي أين أنا مما يجري في المشهد الثقافي العربي، وسنعرف وقتها حجم ما نقدمه للثقافة العربية.

يكتب طارق إمام “الحياة عبر الموت” إلى أى مدى  ترى  صحة وصدق هذه العبارة وتطابقها على مسيرتك الإبداعية؟

سؤال الموت والحياة هو السؤال الكبير الذي أشاغبه طول الوقت، هو ذاته سؤال الميلاد الذي يشغلني فقد طرحته في هدوء القتلة، كان البطل متصل بالفكر الصوفي، وفكرة الحلول في المطلق، وكان البطل سالم يقتل من وجهة نظر المخلص ويرى في قتل الناس خلاصا بالمعني الصوفي، ونفس السؤال المهيمن الأرملة تكتب الخطابات سرا، وهي تلك السيدة العجوزة التي جاءت من المدينة لتشتري قبرا، وتبدأ في كتابات الخطابات الغرامية لفتيات القرية ونفس السؤال قائم وبجدية يبحث عن إجابات في ضريح ابي وهو يطرح فكرة الموت كجزء من الحياة.

أبطال رواياتى لهم علاقة وطيدة بالكتابة..  كفافيس هو الشاعر، و”سالم ” شاعر في هدوء القتلة، وكذلك “الأرملة تكتب الخطابات سرا”، كان للسيدة علاقة وطيدة بفن الكتابة  حتي في “ضريح أبي”، ستجد وصية من الأب يتركها لابنه لكي يكتب تاريخ حياته، وبدلا من أن يكتب تاريخ حياة والده يكتب تاريخ حياته.                                                                                                                             

ماذا عن النصوص الشعرية التي تسللت إلى أعمال إمام.. وكيف؟

لا يمكن أصفه بهذ التوصيف “نصوص شعرية”، ولكن لا يمنع أبدًا الإشارة إلى النفس الشعري الذي يشغلها، والحقيقة في الكتابة الروائية المساحة الكافية لكي أسرب أشواقي الشعرية، السرد حل مشكلتي وأشواقي مع الشعر، فأول مجموعة قصصية كتبتها رفض الناشر “حسني سليمان”، أن يضع على غلافها تصنيف “مجموعة قصصية”، وكان يرى أنها شعر ونشرها في هيئة القطع الشعري.

والغريب أن المترجم الكبير محمد عناني، أخذ نصًا منها وترجمه إلى الإنجليزية على كونه شعر، وأضافه إلى بيلوجرافيا شعراء الكتابة الجديدة.

كتبت وقتها غادة نبيل عن المجموعة القصصية، باعتبارها أنه ديوان قصيدة نثر، وهذا يوضح زحف الشعر إلى السرد لدي، لكن مشروع الأساسي في الحياة هو الحكاية، وقد تاتي ممزوجة بالفن التشكيلي وغيرها من الفنون الأخرى، ولإيماني الكامل بإن السرد طريقه مفتوح على كل الفنون الأخرى، أفضل أن أكون الروائي والقاص.

مدينة الحوائط” هل جاءت كـ«رد اعتبار» لفن الخرافة وأسطرة العالم الخاصة بنا؟

الحقيقة آمل ذلك، خاصة أن تلك الإبداعات من ألف ليلة وليلة و”كليلة ودمنة”، هى فنون خاصه بالشرق، واستفادت منها الآداب العالمية.

كانت العودة إلى أسطرة العالم والحكاية الخرافية بمثابة الإختيار الصعب  الذي يلازمنى طوال هذه السابقة عن نشر الكتاب القصصي، وقت أن كان   مسار الكتابة عندي مشغول بالتجريب طوال الوقت، وهذا ما جعلني أطرح تساؤلي هل التجريب يعنى القطيعة مع التراث؟، بالطبع الإجابة كانت حاضرة، بأن التواصل مع التراث وإعادة محاورة النصوص السابقة هو في حد ذاته تجريب.

 يضم 36 حكاية خرافية كتبتها خلال عشر سنوات ما بين أعوام 2007 إلى 2017م، حكايات الكتاب تدور جميعها في مدينةٍ متخيلة، هي “مدينة الحوائط”، التي تمثل مكانًا غريبًا يفوق عدد حوائطه عدد شوارعه، وفيها تعيش شخصيات عجيبة لكل منها حكاية مثل الإسكافي المجنَّح والحذاء الذي يتكلم، القرصانة، الرجل الذي لم يحلم أبدًا، الملاك الذي يعيش بين البشر، المرأة ذات العين الواحدة، وغيرها.

كيف ينظر الروائي والقاص طارق إمام إلى النقد؟

أي حركة إبداعية قائمة على النقاد الأكاديميين لا يمكن أن تفرز ناقد جيد، النقد في العالم كله قام على أيدى مبدعين “ت س اليوت “، “فرجيينا وولف” وغيرهم، وبعضهم كن منظر لفن الرواية، من ينظر للإبداع عليه أن يكون مبدعا، ليس من الضرورة أن يكون روائي أو شاعر، ولكن يجب أن يكون قادرعلى التعامل مع النص الإبداعي.

 النقاد الأكاديميين في غالبيتهم مدرسين لنظريات النقد، يمكن أن أضيف.. أنهم سبب أزمة النقد في مصر، هم الذين ينظرون على النص بمثابة جثة على طاولة التشريح، والحقيقة أن لا سلطة للناقد على النص، السلطة أنتقلت للقارئ، ولو تم مقارنة بسيطة ومحايدة بين ما يقدمه موقع “جود ريدز” من قراءات ومقالات نقدية لقراء عاديين، وبين ما ينجزه الأكاديميين من دراسات نقدية وينشرونها بالمجلات المحكمة، لرجحت كفة قراء “جود ريدز”، والحقيقة أن النقد الأكاديمي لعب دور كبير في خلق مساحة فراغ وصلت إلى عزل القارئ عن الأدب، بإيهام القارئ بان الأدب  صعب، وذلك بسبب الطريقة التشريحية التى يتناولون بها النصوص، لابد على من يكتب تيار أو اتجاه أن يكون جزء من حساسيته.

وماذا عن تجربتك الشخصية في تجربة الكتابة النقدية؟

بداياتي كانت مع أول مقال نقدي عام 1995، وكان عن ديوان “ممر معتم يصلح لتعلم الرقص” للشاعرة إيمان مرسال، وإلى اللحظة الراهنة لم أكتب مقال نقدي، بعيدًا عن تيار الكتابة الجديدة استثناء مقال عن “إبراهيم أصلان، خيري شلبي”، وآخر عن حلمي سالم، الذي لم يكن بعيدًا عن هذا التيار.

وكان لى شرف العمل مع الناقد رجاء النقاش في الهيئة العامة لقصور الثقافة، كنت وقتها سكرتير تحرير”ذاكرة الكتابة”، أعطيته روايتى الأولى  وقرأها وكان معجب بها جدًا، وقال “ماينفعش أكتب عنها، تعرف ليه؟ لاننى  قدمت الطيب صالح ومحمود درويش في وقت مبكر، هم أبناء لجيلي وزمنى وحساسية واحدة في الكتابة، وليس هناك من يستطيع أن يدعي أن يكتب عن كل التيارات”، هذا مايؤكد وجهة نظري أن كل كتابة جديدة تحتاج إلى ناقد جديد مولود معها، يكون ابن لحساسيتها.

…………

*نقلا عن “روزاليوسف”

عودة إلى الملف

مقالات من نفس القسم