صورة للذكرى

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

الصورة التى تتصدر الحائط المواجه لباب غرفة الجلوس؛ التقطت لرجل على مشارف الأربعين، كان قد أنجب بنتا وولدين، وأراد أن يترك لهم ما يذكرهم به بعد موته.

شد الرجل رأسه عاليا، وسوى طرفى شاربه، فبرزت رقبة طويلة تتوسطها تفاحة آدم بارزة.. أحكم نظرة عينيه، مطلقا حدة لم تفلح تماما فى إخفاء رقة قلبه. وقبل أن يلتقط المصور المشهد؛ عاد الرجل إلى المرآة، وبرم طرفى شاربه لأعلى، فبدوا كمخلبي صقر مقلوبين. وأكد على المصور أن تشمل الصورة كل جسده، بدءا من الحذاء اللامع إلى الجلباب البلدى الأبيض المكوى بعناية، وانتهاء بالرأس المشدود.

مضى على هذه الصورة ثلاثون عاما، تزوجت خلالها البنت وهاجرت مع زوجها إلى أمريكا، وتوفى الابن الأصغر غريقا، ولم يحصل الأكبر على الشهادة الجامعية، وظل يناور من أجل تحويل نشاط  دكان أبيه ليساير الحياة الجديدة التى لم تعد تستوعب مكواة الرجل. سرق المفتاح من أبيه وهو نائم.. وبين عشية وضحاها كانت واجهة الدكان تحمل لافتة كتب عليها “ست البنات لمستلزمات السيدات”.

سبعون عاما أمضاها الرجل فى الحياة قبل أن يفقد ذاكرته، ويجلس فى البيت وحيدا،  يبحث عن مفتاح الدكان وسط الأوراق القديمة وفى جيوب الصديريات وفوق الدولاب وتحت السرير وفى علب السجائر الفارغة. وبين الحين والآخر يخرج إلى الشارع، يقطعه جيئة وذهابا.. يحملق فى وجوه أصحاب المحال والعاملين فيها ويبحث بين اللافتات عن دكان مكواة الرجل الذى كان هنا وترك لدى صاحبه جلبابا لم يتسلمه حتى الآن. 

ـــــــــــــــــــ

اللوحة للفنان: عمر جهان

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق