صوتٌ .. وظل!

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

نورهان القرم

بيدي اليُسرى، خاتَم الزواج.. أتذكّرُ حين وصل إلى يدي ك ظِلّ، يُخفي الضَوء، يتسرّبُ إلى إصبَعي مُستديراً، وحلزونياً.. لأسفل! باتجاه المعصَم.. كثُعبانٍ ثقيل يدُّس السُّم بقطعةٍ لامعةٍ من الظّلّ.

في شُرفةِ منزل أبي.. استدار حازم برقّة شديدة، مُغمِضاً عينيّ؛ أبي غائب، مات منذ بلوغي الخامسة.. أمي غائبة، أقعدها المرض حتى انتهت إلى الإنتحار بحبوب المُسكّن، مُفتَرَض أن يُسكِّن الآلام بصورة مؤقتة، ولكنّها اختارت راحتها الأبدية، والإنتهاء إلى كونِها عدَم..

رمادٌ يتبخّر..

العُلبةُ الحمراء، طريقة الفتح، وفراشاتُ النور التي بُعِثَت من عَينيَّ.

يُحبُني!

يَرغبُ في البقاء على تلك العَلاقة، مُنزهة عن شكوك الناس، عن أعينهم، عن جيراني حين يُشاهدونه في ذات الشُرفة ببنطالٍ قصير، ثَوب قصير الأكمام، شَعرٌ أشعَث، وأعيُنٌ لا تَنُّم سوى عَن وَجه استيقَظ لتَّوه!

نظرات الإمتنان من جانبي، نظرات الحُب من جانِبه.. وضَّمة اقتلعَت بقوّتها جذور قلبي حتى كاد يتوقّف عن النبض.

ليلى.. !

بصوتٍ جَهور، يُنادي من مِخدَعِه..

لا زِلتُ أحدِّق في الظِّل.. لا زِلتُ أراقب لمعان الذهب، الضَوء العاكِس..

عقلي يُترجِم الصَوت، عقلي أيضاً يرفُض أن يَستجيب..

الصَوت يُكرّر، بدَورٍ مُزدَوج؛ ليلى.. ! كان صَوتُه جَهورياً، وفجّاً.. ليس حازم أبداً، ليس الفتى الرائع في عاديّتُه، لم يَكُن مُميّزاً أبداً.. فقط كان عادياً، يُمرِّرُ السُكرَ إلى أصابِعي في كل مرّة أطلبُ بِها فطائر اللّحم التي أفضِلها بعد يَومٍ شاق من العمل كملاكٍ مؤّقت! كرسولٍ للرَحمة التي ما استطعت إيصالها إلى أمّي، فأتقَنتُ إيصالِها لُغرباء المشفى لأنّه لا صِلَة دّم بيني وبينهم.. الدّم يُفسِد الترابُط، تتسارع كُراتُه مُكرِرّة أن لا توازي، يُمكنها أن تتقاطَع فتُشكِّل أم، وإبنة، وبعض الخَوف على هيئة مِلح أبيَض؛ يتناثَر فوق جسدي ليصنَع جِلداً مُشابِه.. الطينة واحِدة؛ وإن اختلفت.. فعليها أن لا تشِّذ كثيراً.

الصَوت يُكرّر، هذه المرّه هو صَوتُ دواخِلي.. يُخبِرُني أن حازم ليس مُخطئاً، أنا التي فقدت ظلّها، وأنا التي ما استطاعَت أن تتأقلَم مع الشيطان القابِع بالخاتَم.. ما جدوى أن تَملُك شيطاناً إذا تّم حبسُه؟ الشيطان لا يُقيّد.. وإلتفاف الخاتَم حول إصبعي كان بمثابة حبلُ مِشنقة؛ يتقلّص تدريجياً نَحو مركزه.

كان الشيطانُ حُرّاً، يتجوّل ليلاً بدراجة نارية تُصارِع الهواء، لتصل إلى وجهتها.. أو لا وِجهتها؛ بتعدُّدها أصبحت وِجهات مُشتّتة، لا مركز، لا طريق، لا زمن.. الشيطان، والهواء، ومَن يكسب الصِراع في كل مرّة يُحدّد الهدف.

عندما تَكُن الوِجهة أنا؛ يتسرّب السُكر من يديه.. وللحّظ، يداي دائماً ما كانت مُستعدّة لإستقباله بدلاً من مَنحِه.. ولكن هذه المرّة ليس على هيئة أنبوب بلاستيكي يَحوي البِنج.. هذه المرّة كانت السرنجة أعرَض، وأكبَر، وعلى هيئة يَد مُحمّلةٌ بفطائر اللحم التي أُحِب!

بالتَكرار.. وبضرورة إمتزاج الظلام بالنور، كان على الشيطان أن يُعانِق ملاكاً.. وكان الملاك مُضطرّاً لتجربة العتمة..

العتمة تتماهى مع الظّل، والنور يمتزج بالظلام فيتشكّل الرماد.. وما إن تشكّل؛ أصبحت الأشياء إعتياديّة، لا أبيض، لا أسود.. نفحات مُتكررّة من الرماد العالِق بالشُرفة على أمل أن تَفصِله ذرات الهواء، وعلى أمل أن يحّن الشيطان إلى الصراع، وأن لا يستَكِن إلى الظّل.

يُنادي حازم مرّة أخرى.. كان عليّ أن أستجيب؛ عقلي يُردِّد..

ترتفع قدمي اليُمنى فوق سور الشُرفَة، ومعها يرتفع الصّوت بداخلي.. عليكِ أن تنتحري كملاك، حلزوني لأسفل.. يطير!

عليّ أن أنتحر كظّل.

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق