صندوق الموسيقى الخرِب

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

رانيا مغاوري 

الساعة تقترب من السابعة صباحاً. الجو شتوي رطب بارد. والشمس تغط في نوم عميق تحت طيات الغيوم، مترددة في الاستيقاظ كعادتها في أيام الشتاء. ينتظرها الناس في تضرع وأمل في يوم مشمس دافيء. يتطلعون إلى صفحة السماء من حين لآخر لعلهم يلمحون إشارة تبشر بقدومها،  يتلمسون دفئها من وراء النوافذ وفي الطرقات. ثم يتحول غيابها إلى ظرف شتوي معتاد. فلا يجدون بُداً من أن يستيقظوا ويغادروا وينتشروا في الأرض.

 

ظهرت من بعيد تشق طريقها عبر الشارع الجانبي الصغير. كانت خطاها الواسعة الثابتة تسابق الدقائق وتتحدى زحاماً بدأ يزحف إلى الشارع الذي أخذ يضيق ليتحول إلى زقاق يفترشه الباعة الجائلون. كان جسدها الصغير مختبئاً تحت طيات ثياب غلفها معطف أسود طويل. بينما استقرت يداها الصغيرتان داخل جيوب المعطف الدافيء. كانت رقبتها مدفونة في الثياب تحيطها كوفية صوف حمراء أخفت أنفها الدقيق الذي جعل يستنشق عطرها وأنفاسها المكتومة. كما اختفى فمها وراء شريط الصوف الأحمر فلم تعد تستطيع أن تنفخ في الهواء مازجة أنفاسها الحارة ببرد الصباح لتصنع قبلات الشتاء الضبابية. تفحصت ماحولها بنظراتها الواسعة الخاطفة. اطمئنت إلى أن كل شيء كما تركته بالأمس. انتبهت لرائحة الطعمية النفاذة. ولمحت الأقراص الشهية تتراقص في طاسة الزيت البني اللون الذي أهلكه القلي. ثم التقط أنفها المطموس رائحة العيش الذي خرج لتوه من فرن المخبز الصغير. وعلى الجانب الآخر من الطريق كانت القطط تتقافز في ملل وضجر بحثا عن الدفء تحت أجسام السيارات وبين أرجل المارة. وعلى بعد خطوات ارتمت الجرائد اليومية على الأرض. تطل أخبارها المكررة بعناوين ملونة عبر الصفحات الأولى. أشاحت بصرها عن الأرض وتأملت الوجوه من حولها؛ وجوه كل يوم التي باتت تحفظها عن ظهر قلب. حتى الأطفال كانوا نفس أطفال الأمس.

 أخيرا نجحت في الوصول إلى زاوية الشارع الرئيسي في زمن قياسي. دارت عيناها الواسعتان تمشطان المكان. الشارع مقتظ بأناس من جميع الأعمار والفئات؛ كبار يقصدون مصالحهم وصغار في الطريق إلى مدارسهم. وجوه ناعسة، ذابلة. عيون نائمة وأخرى مبحلقة تطارد النعاس بينما تبدو الأشياء من حولها غائمة، سابحة في غيابات الضباب والبرد.

كان الزحام في كل مكان. فوق الرصيف، اتخذ الناس أماكنهم اليومية كقطع الشطرنج لايبدون حراكا. وفي نهر الطريق كان سباق المواصلات الجهنمي على أشده. ذلك السباق القصير الذي يمتد لخطوات صغيرة ويستمر لدقائق معدودة يستمتع خلاله السائقون بوهم البراح وجنون السرعة. وسرعان ما يُصاب الطريق بالشلل اليومي فتتوقف السيارات وتفترش الشارع في خضوع واستسلام. ويفرغ السائقون جام غضبهم على كل من يمر أمامهم أو جنبهم أو خلفهم من مارة وركاب وسيارات وسائقين. فتتصاعد السباب واللعنات لتختلط بسحابات العادم الرصاصي الكثيف لتكتم أنفاس الصباح.

 كان المشهد الصباحي كافٍ لاصابتها بنوبة الصداع اليومية. والحقيقة أنها كانت تركز بصرها على السباق الوهمي لكي تلهي نفسها عن مشهد آخر أكثر ازعاجاً. لكن هذا الالهاء لم يفلح. فلطالما هزمها شغفها الطفولي وجعلها تسترق النظر إلى ذلك المبنى القذر القابع في موقع استراتيجي. بقدر ما كانت تتجاهله بقدر ما كانت تطيل النظر إليه وتتفحصه وكأنها تحاول اللحاق بكل ما فاتها من مشاهد مرت عليه. كان يتحداها بكل كيانه وتفاصيله. يتحداها ببقائه عبر السنين منذ أن كانت طفلة صغيرة تذهب إلى المدرسة مارة بالشارع الجانبي الصغير. كان قبيحاً في عشوائيته، فجاً في ألوانه، مبتذلاً في موسيقاه وزواره. لكنه وبرغم صموده كان يئن تحت وطأة السن والمرض. كانت واجهته ملطخة بالألوان والبقع. بينما تساقطت حروف اسمه من اللافتة. وظلت صور فنانيه ثابتة رغم تغيرهم. وقد فُقئت أعين البعض بينما تقشر وجه آخرين. وبدا البناء كصندوق فارغ من الكارتون دهسته الاقدام فانبعج. كما تضخمت جوانبه وظهر فيها نتوءات. كما انفجرت أحشاؤه وتسرب على أحد جانبيه جدولاً من المياه العذبة أخذ يشق الجدار في تأن وصمت. وتحت مصب الجدول جلس بائع الورد البلدي. ذلك الرجل العجوز ضعيف البنية ، رقيق الحال الذي يأتي إلى هذا المكان كل يوم في الصباح الباكر. كان يصل قبلها كل يوم.  يرص ورد بلدي ذا رائحة فواحة وألوان زاهية فوق طاولة قديمة من الصاج الاسود. كان يرتب الورود ويعد منها باقات بسيطة يلملمها ويرحل بعيدا عن الصندوق الخَرِب. كانت ترى العجوز راحلاً كل يوم. مرات معدودات تلك التي وصلت فيها مبكراً وجعلت تتأمله وهو يرتب وروده في هدوء وسكينة وكأنه منفصل عن العالم المجنون من حوله.

كانت الأغاني الهابطة  تتعالى لتشق هدوء الصباح في جنون لتختلط بأناشيد المدارس وأصوات أطفال يؤدون تحية العلم. ومن موقعها كانت ترى البوابة السحرية التي تحمل نقوشا وطلاسم نحاسية قديمة في نهاية ممر الصندوق الخَرِب. وأمام البوابة وقف الحراس يرتدون الأقنعة السوداء ليلاً ونهاراً. وعلى الرصيف، خارج الممر، انتشرت حلقات صغيرة من رجال ونساء بملابس ليلية بالية يتهامسون، يتفقون ويرحلون. وقد لايتفقون فيتشاجرون ويرحلون. وكثيرا ما كانت تتوقف السيارات الفارهة لينزل منها مرتادو الصندوق الخَرِب. وكثيرا ما كانت تنشب معارك بالداخل فتنشق الأرض عن متحولين يحملون أسلحتهم في وضح النهار لينفذوا عبر البوابة السحرية بأمان.

وفي هذا اليوم كانت الموسيقى أشد صخباً، وتعالى صوت مطرب الدرجة العاشرة المميز وهو يغني أغنية وطنية بنشوة مخمورة. كانت تراقب المكان باشمئزاز وتَرَقُب. تدور الأسئلة في رأسها عكس عقارب الدقائق: كيف استطاع هذا الصندوق الصمود؟ كيف تبدو عرائسه التي تغني وترقص؟ فرملة سيارة مسرعة أيقظتها من غفلتها. انتبهت فجأة أن عليها الذهاب. احتاجت بضع دقائق لتستعيد نفسها وتستجمع المشهد أمامها. كان الطريق كما هو مقتظ بالسيارات. فقامت بايقاف أول تاكسي قابلته على بعد خطوات. أبلغته عن وجهتها ولشدة ما كانت دهشتها فلم تحتج لأن تصف أو تشرح كما كانت تفعل كل يوم. هز السائق رأسه موافقا بينما ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه وهو يطلب منها الاسراع في الركوب. ركبت في المقعد الخلفي في عجلة واضطراب. انطلقت سيارة الأجرة تشق طريقها بين صفوف السيارات والأتوبيسات التي بدأت تتحرك بسرعة منتهزة  فرصة انفتاح الطريق.

 “اصصصحي بقى..فوووووقي” قالها السائق بصوت عال غاضب. انتبهت إليه بعد أن كانت غارقة في التفكير وهي تنظر من النافذة الملطخة بالبصمات. أدارت وجهها نحوه وهي تنظر إليه في استنكار. كيف يجرؤ على التحدث إليها بهذا الشكل؟ هل أَوْحَى له شرودها بأنها نائمة؟  رمقته بنظرة نارية وفتحت فمها لترد إلا أنها فوجئت به يكرر ذات العبارة بذات النبرة العالية الغاضبة وهو يزغد شيئاً كبيراً مجهولاً قابعاًعلى الكرسي بجانبه. مدت رقبتها في فضول ممزوج بشك وخوف. حركت رأسها ببطء لتلمح جسداً مُهملاً ملقى على الكرسي الأمامي. جسداً لايفرق بينها وبينه خطوة. جسداً لم تره وهي توقف السيارة. لم تره وهي تركب. جسداً لم تلمحه وهي جالسة تحدق في النافذة. جسداً لم تسمع أنفاسه ولم تشم رائحته. نظرت إلى الجسد ولم تصدق عينيها. كانت سيدة.. سيدة ملقاة على الكرسي الأمامي.

تطورت محاولات السائق لإفاقة السيدة فأخذ يدفعها بيده ويهزها بعنف فتترنح يميناً ويساراً قبل أن يصطدم رأسها بتابلوه السيارة ثم يعود إلى الخلف لتستوي الجثة على أحد الجانبين. كان السائق يدفعها بيد بينما استقرت يده الأخرى على عجلة القيادة.

كانت تراقب المشهد من الخلف وتشعر بأنها في مأمن؛ إنها ترى السائق لكنه لايراها، وترى السيدة ولكن السيدة لاتراها. دارت الخواطر في رأسها بسرعة البرق لكنها لم تستطع أن تحولها إلى أفكار. وعادت حواسها تلتقط ما حولها. لمحت العباءة السوداء التي ترتديها السيدة؛ العباءة مقلوبة كما يبدو من الخياطة، كما أن ملصق للعلامة التجارية لمصنع “آمور” أكد لها ذلك. استطاعت أنفها أن تلتقط  رائحة عطر فرنسي ثقيل تكرهه كثيراً. عطر يلتصق بالملابس ولا يرحل عنها. حتى عند غسله كان يترك رائحة جاثمة. ظهر لها بوضوح الشعر البني الطويل -ذا الخصل الصفراء المصبوغة بعناية- المعقوص فوق رأس السيدة والسلسلة الذهبية العريضة التي كانت تلتف حول رقبتها. كان المشهد يتخطى حدود الادراك ويفوق قدرتها على الاستيعاب. مدت يديها تهز السيدة وتحاول افاقتها. اقتربت لتهمس في أذنيها وتسألها: من هي؟ كيف جاءت؟ إلى أين هي ذاهبة؟ هل هي إحدى عرائس الصندوق الخَرِب؟ كل الأسئلة والاجابات مرعبة.  نظرت من النافذة فوجدت السيارات قد توقفت وتوقف المارة عن السير..الجميع ينظر إلى التاكسي الذي تستقله. يبدو أنهم قد رأوها تهز السيدة ..يبدو أنهم قد سمعوا أسئلتها. يبدو أن بعضهم لديه اجابات. أم ترى لديهم أسئلة أخرى. لا لا..أنا لا أملك إجابات.. فتحت فمها لتصرخ فلم يخرج لها صوت. حاولت الاستغاثة فخانها صوتها الذي لم يخرج أبدا. وضعت يدها على مقبض الباب تحاول فتحه لكنه كان مقفلاً. السائق يلتفت إليها بابتسامته العريضة ويسألها عن وجهتها فتهز رأسها بايماءات خرساء. تنظر من خلال النافذة المغلقة إلى الشارع والمارة. الكل ينظر إليها. يمر التاكسي بجانب أوتوبيس،  يلاحظ الركاب عينيها المذعورتين فينظرون إليها. ثم ينظرون إلى الكرسي الأمامي. آه ياربي..لقد رأوا السيدة التي لاتفيق.

كم مضى من الوقت؟ عقارب الساعة لاتتحرك والطريق لاينتهي. السائق لايكف عن الصراخ ولكز السيدة كل بضعة دقائق..كل خمس دقائق..لكن السيدة لاتفيق. اجتازوا طرقا كثيرة لم تتبينها. لقد نست كل شيء. أين هي ذاهبة ولماذا؟ لم تعد تتذكر. وأمام أحد الأبنية الشاهقة توقف السائق. أبطل السيارة وكف عن لكز السيدة وكفت السيدة عن الترنح. أنبأها أنها وصلت إلى وجهتها. نظرت إلى ساعتها مرة أخرى لكنها عقابها كانت لاتزال متوقفة. يبدو أنها تأخرت كثيرا. قد تكون تأخرت يوماً كاملاً. حاولت فتح الباب فانفتح لها. خرجت مسرعة. سقطت على الأرض، قامت مهرولة تجري في اتجاه بينما انطلق التاكسي في الاتجاه المعاكس.  ظلت تجري حتى انقطعت انفاسها. أغلقت عينيها محاولة محو كل شيء. لم تستطع. كان رأسها يدور بين صور العباءة المقلوبة والشعر المعقوص والسلسلة. لازالت تشم رائحة العطر الثقيل وتدق في أذنيها موسيقى الصندوق الخَرِب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قاصة مصرية 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق