صـور قـديمة

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قصة : حسن الحلوجي

شراع الباب مغلق كأن خلفه سراً، هى إحدى حجرات شقته القديمة قدماً خانقاً. كأن المكان مقبرة لم يدخلها الهواء منذ أعمار البشر. ليس بجدران الحجرة ما يلفت، فقط اصفرار شاحب، يطل على بلاط بارد أهلكته كثرة الأقدام التى سارت عليه..

فشلت السجادة المرممة والمفروشة عليه أن تنفى التهمة عنه وعن نفسها، فهى عاجزة أن تصل بين السرير والدولاب كأن هناك قطيعة بينهما، فلا لون يجمعهما، ولا صحة جيدة فى أخشابهما، لا يبقيهما صامدين سوى نشع فى الجدار سترته تلك الألواح كى لا يتساقط دهانه.

الدولاب موصد، والسرير عليه مرتبة ولحاف. لا شئ بالحجرة يدل على حياة تسكنها.. جاء صوت أكرة الباب بشخص يطل منه، عليه سمات اللاشئ، يرتدى ملابس لا تميز ملامحه أو تصفها. بخطى وئيدة تحرك إلى الدولاب .. صرير صاحب فتح الضلفة، ثم ملابس تلقى من جسده إلى أعماق الدولاب.. تحرك بملابسه الداخلية تجاه السرير. خلع الساعة ، والدبلة، والنظارة، وطقم الأسنان وسماعة الأذن.. ألقاها جميعاً فى صندوق الأشياء ثم غاص فى المساحة التى تفصل بين المرتبة واللحاف..لم يصدر السرير كعادته صوت احتكاك عظامه بأخشابه .. هواء المكان يتناقص حتى إن حشرة به حاولت الفرار وفشلت، لقد تحولت إلى حفرية فى تلك الساعات التى ساد فيها الصمت..

حين انتبه من نومه لم تكن هناك ساعة بالحائط ليعرف منها الوقت، ولم يبحث عن ساعة يده، ترك الأمر للزمن الجديد.. كذلك لم يمد يده إلى نظارته كما اعتاد أن يفعل بعد استيقاظه.. لم يكن مهما ارتداؤها، فعدساتها المقعرة فى حاجة إلى تغيير، وشرخ فى العدسة اليمنى منذ سقوطها فى ذلك اليوم البعيد، لقد انكسر ذراعها الأيسر مما دعاه لتوصيل الذراعين بأستك انتزعه من بنطلون بيجامه قديم..

غياب النظارة عن وجهه لم يغير ملامحه كثيراً، هى حادة خاصة حين تسودُّ ذقنه غير الحليقة، تنشئ بخديه فجوتين تؤكدهما عظام الفك البارزة، كحفرة قبل مطب بشارع ردم بالتراب.. كانت حركته آلية عندما قام إلى الباب، يعبره إلى الصالة، نظرته ناحية باب مفتوح ، يفضى إلى حجرة بها سريرين، ودولاب أصغر من دولاب غرفة نومه.. السريران مرتبان بشكل يوحى أن جسداً لم يلمسهما منذ زمن.. لم تتشكل مراتبهما بتفاصيل جسدية منذ غادرت ابنتاه منزل الأسرة إلى عالم آخر لا تربطه به صلة، على الأقل قبل ذلك اليوم..

لم تكن نظرات عينيه ثابتة على مكان ما، ولم تقده لهذه الحجرة بحثاً عن معلومة ضائعة، إنما زيارته تقرير يومى يمنحه لنفسه بتلك النظرات، بعد أن غادرت زوجته الدنيا منذ أعوام فشل فى عدها.. وصار عليه أن يواجه الدنيا وحده .. وبإيقاع أسرع من ذى قبل توجه إلى غرفة النوم، سحب حقيبتين كبيرتين من أسفل السرير .. كانتا فارغتين، ألقاهما أرضاً من مكانه، ثم قام بفتحهما..

لحظات حتى امتلأت الحجرة بالحقائب الفارغة .. عندما فتح ضلفتى الدولاب ظهرت بدله، عتيقه كعمره ، وبألوان خشيت أن تفقد لكثرة ما أهملت فى الظلام بين شماعات كلت بحملها، وأغلقت مصانعها منذ عقود .. لقد ماتت العتة التى كانت تقتات عليها.. حمل بدله من داخل الدولاب كأنه يطوق خصر حسناء بذراعيه، ولكنه عاملها بجفاء حين قام بثنيها، ثم ألقاها فى إحدى الحقائب..

كشف فراغ الدولاب عن شخبطات إحدى ابنتيه على جداره الداخلى، ربما لم يرها مثلما لم يرهما منذ زمن .. تجاهل ذلك ثم تناول قمصانه ، ملابسه الداخلية، كرافتاته بتعاقب موضاتها، جواربه، مناديله بما تحمله من كل أمراض الجهاز التنفسى، كلٌ إلى الحقائب.. الضلفتين المجاورتين كانتا تخصان زوجته.. ربتت يداه على جدار الضلفة ثم امتدت إحداها إلى الأكره، باليمنى حاول فتحها، ساعدتها اليسرى، فشلتا مجتمعتين ، استخدم ركبته، وصوت صراخ عال يصدر من مفصلات الضلفة ، كشخص يتعدى على امرأة محاولاً سلبها أغلى ما تملك ..

نجح أخيراً فى معركته فقام بفتحها، من الداخل تحار حاسة الشم أن تصف أعماق الدولاب، فذكاء العطور بين ملابس زوجته تحول لغباء.. برق الساتان فى عينيه فشاهد هذه الحجرة وكأنها دهنت من جديد بألوان مزهرة، وغريزة أنثوية تدعوه ليعلن البقاء.. مد ذراعيه على ما ضمت الضلفتان، تناولها ورمى بها بعنف داخل حقيبة أخرى، وما إن سقطت أشياء الضلفتين حتى عادت الحجرة لألوانها الأولى.

دوار أصابه، دفعه للجلوس على حافة السرير، يستعيد ذاته بضع دقائق.. شرد متذكراً لحظة الوفاة.. كانت على هذا السرير فى أبهى حلتها، لم يفقدها المرض خَضارها، بل فارقت الحياة بإشراقة يفتقدها .. قام من جلسته وانحنى إلى فراش السرير ليلمه، يزج حبلاً أسفله يجمع به مرتبته ووسادته، ثم ألقى بالحمل على السجادة المتربه، ولفها.. كانت التسريحة فى مواجهته عندما اتجه إليها، جلس على كرسيها دون أن يرفع عينيه فى زجاجها، تضم أدراجها أدوات زينة زوجته، استبقاها خلال تلك السنوات دون سبب يعلمه، لا يدرى إن كان ذلك وفاءً منه، أم تجاهل..

حين فتح إصبع الروج وجده جافاً، تلاشت شفاهٌ كانت تحمل لونه، حمرته الصارخة لم تشعل فيه الحياة ثانية.. مصير ما فى الدرج إلى حقيبة.. تحرك إلى الباب وفتح ضلفتيه، ثم قام بجر الحقائب إلى الخارج، بعدها عاد إلى الحجرة ومعه أحبال.. عدة أمتار ألقاها على الدولاب، والأخرى رمى بها إلى السرير، فالتسريحة، كفارس كاوبوى يسقط فرائسه، فراح يربطها كى لا تهرب، ثم حرك مقعد التسريحة إلى منتصف الحجرة، صعد عليها ليخلع المصباح دون أن يطفئ نوره.

ازدحم المشهد فى الصالة بالدولاب، والتسريحة، والسرير ثم المطبخ وأدواته، وأدراجه، علب الكبريت الفارغة، وبقايا زجاجات الملح والفلفل الأسود، والأوانى المتسخة، وبعض أكياس المسحوق، وبقايا طعام، وخبز جاف، حتى إن الحشرات العالقة بنملية المطبخ كانت أسيرة بين حقائبه.

غاب عن المشهد للحظات، ليحضر من حجرة ابنتيه المزيد من الحقائب.. سريريهما وفراشهما لم يشغلا باله بقدر ما توقف أمام عروسة وصندوق أسود.. على جسم العروسة كانت بصمات طفلته، وألوانها التى كانت تزين فستانها، ووجهها، وشعرها المنسق على طريقتها، وعيونها المكحلة بأقلام الفلوماستر.. ذهبت العروس إلى الحقيبة معزرة، تزف إلى مقبرة الأشياء..

رحلت مكونات منزله إلى حقائبه، عدا هذا الصندوق.. وجد أن أوان الذهاب قد حان، إذ لن يضطر لتفريغ الصندوق من محتوياته.. سيستخدم معه نفس طريقة فتح دولاب زوجته.. نجحت مهمته.. الصندوق يشبه عمراً آخر ضاع منه.. لفافة رسائله إلى زوجته هى أول ما امتدت إليه يده لأخذها منه.. لم يكن بها اصفرار ، فكأن الصندوق حجب الزمن عنها، فصارت حاضرة على لونها، وإن كانت معانيها قديمة.. التراب لم يمسها، فهى نقية بنقاء ما تحمله من معان ومشاعر لا تزال نضرة رغم جفافها، كعود الفل يظل على بياضه حتى إن فقد ماء الحياة منه ..                               

حبيبتى …..

أبعث إليك بأشواقى المسافرة، وأمنياتى الحائرة فى غربتى عنكم، هو أكل العيش الذى فرقنا، وإن كنتِ فى قلبى لا تفارقين جوارحى لحظة .. أعرفك إنى استلمت العمل رغم المتاعب التى قابلتنى، كالبحث عن سكن، وتجهيز بعض الأوراق، وتأخر راتبى مدة.. وهذا قد يكون سبباً فى أنى لم أرسل لك نقوداً هذه المرة..

كيف حال “مقصوفة الرقبة”.. هل لا تزال تلعب بالألوان وتفسد بها كل ركن فى البيت .. أظن العلقة التى أخذتها بعد فعلتها بدولاب حجرة النوم ستجعلها أكثر تركيزاً فى مذاكرتها، فدرجاتها الدراسية ضعيفة هذا الشهر.. أخبرينى هل قمتِ بتطعيم النونو .. أريد أن أعرف أخباركم فى خطاب مفصل وسأرسل لك فى خطابى القادم علبة الماكياج التى طلبتها منى .. آه منكن أيتها النساء، نتغرب من أجل زينتكن ولكنها بهجة الحياة ..

 قام بطى الخطاب ثم استلقى على ظهره شارداً فى السقف وقتاً لم يدرك مداه .. لم يكن يفكر فى شئ بعينه.أوراق أخرى كانت ملقاه .. روشته دواء، فواتير كهرباء، وعلبة سجائر مطعمة فارغة، زهر طاولة ، قطع شطرنج، شخشيخة بلا جرس، وقلم حبر فارغ، ومسدس عامر بالخراطيش.. فرشاة أسنان تالفة، علبة طباشير، كراسة واجبات مدرسية، مقص وصلصال.. ثم بطاقة هوية ورقية قديمة، عائلية بالية.. اسمه غير واضح .. مهنته موظف ، هذا قبل حلول المعاش أو الممات كما كان يسميه زملاء مهنته القدامى من رواد المقهى.

أحس بالجوع فأغلق الصندوق، قام إلى المطبخ، فوجده فارغاً.. عاد إلى إحدى الحقائب يبحث فيها عن طعام.. لم يجد شيئاً أو ربما لم يبحث جيداً.. بلع ريقه مرتين، ثم تحرك ناحية باب الشقة وقام بفتح ضلفتيه..

عانى حتى أنزل حقائبه ومتعلقاته إلى أسفل.. وقت طويل مر فى كل هذا .. أحس ببرودة الجو فصعد إلى أعلى يبحث عما يستره، يتدفأ به كى يستطيع مواصلة رحلته.. قطعة قماش بيضاء ملقاة إلى جوار جدار، التف بها ثم هبط إلى أسفل.. لم يطفئ أنوار المنزل أو يغلقه .. كان ذهنه مشغولاً بأحماله فى رحلته إلى محطة القطار.. يجرجر وراءه عمره، ماضيه، كل ماله فى هذه الدنيا، يحمله فى رحلته الجديدة.

كان بالليل متسع من الوقت، يسير على غير هدى، يتعثر فيسقط ثم يقوم، والليل لا ينتهى.. مصابيح المحطة شاحبة.. أنفاسه مسرعة تخرج ولا تدخل.. ألقى بنفسه على مقعد وسط مقاعد كثيرة فارغة، لم يكن يبغى الراحة، ولم يقصد الجلوس للنوم الذى طار من عينيه.. لا يزال جائعاً، ولكن من أين له بطعام.. والمحطة فارغة.. كأنها بنيت وسط صحراء.. حاول عبثاً أن يجد طعامه الذى أودعه إحدى الحقائب.. فتح إحداها فلم يجد سوى مرآة قديمة. لا يذكر متى وضعها فى الحقيبة ولا المرة الأخيرة التى نظر فيها إلى المرآة ؛ فأطل عليها.. لم تعكس المرآة شيئاً منه..

لا يدرى هل ابتسم أم تقوس حاجباه، ظنها متربة فمسحها بطرف ثوبه مرة، ثم  أخرى.. صورة الثوب ظاهرة بينما أبت ملامحه ذلك.. ظن أن العيب فى نظره إذ خلع بالأمس نظارته ورماها ضمن الأشياء التى ألقاها بصندوق الأشياء.. اطمأن قليلاً، ثم أصبح همه الجديد هو البحث عن النظارة.. كان العرق يفر من وجهه قلقاً .. خشى أن يجففه بطرف ثوبه فيأخذ من وجهه ملامح بقيت مثل رسوم الطباشير التى تُزال بسهولة..

حين هم ناحية حقائبه باحثاً عن النظارة كان يرى الأشياء جيداً.. أدرك أن الأمر لا علاقة له بضعف الرؤية وعليه أن يثبت شيئاً آخر ، أن وجهه لا يزال له.. بقى أن يراه.. لم يعد لديه ما يحقق له هذه الأمنية سوى ألبوم صوره القديمة.. تمسك بهذا الأمل وتحرك بسرعة نحو الحقائب.. يفتح واحدة، يقلب فيها، يخرج الأشياء التى ألقاها منذ وقت، لا يعيدها لمكانها بل يذهب لحقيبة أخرى، يعاملها بنفس العنف، حتى صارت أمامه كومة من الأشياء.. خشى أن يغرق فيها وقد تحول جهده إلى فوضى.. جلس بجانبها يبكى أطلاله وقد فقد جزءاً كبيراً من الأمل، حتى لاح إليه صندوقه الموصد.. أعاد له ذلك بعض صوابه فهم مسرعاً إليه مستنهضاً همته التى همدت أثناء فتحه من قبل ، فالأمر أسهل هذه المرة. ثم قام بإفراغه من كل محتوياته أرضاً، يعيد البحث من جديد وسط أوراقه، ذكرياته التى تحولت فى هذه اللحظة إلى كراكيب.

ألبوم مهمل ملقى فى قاعة ، كأنه ملتصق بمغناطيس، يخشى عبور شخوصه إلى الزمن الحالى.. عرفه من نظرة واحدة.. أخذه بسرعة فيها لهفة لكنه لم يفتحه فى نفس اللحظة، بل ضمه إلى صدره كأنه يسلم على كل من فيه، استعاد للحظات أخرى هدوءاً فقده، كان يركن إلى مقعد بالمحطة..

لمعة فى قضيب القطار أخذت عينه برهة، كان المواجه له هو رصيف الذهاب بينما مقصده هو رصيف العودة، خشى أن يأتى القطار فجأة فقام للبحث عن شباك التذاكر كى يحجز تذكرته ويبحث عن مكان لأشيائه التى تحتاج قاطرة بأكملها.. ولأنه الوحيد بمحطة القطار لم يجد من يجيبه طلبه..

المعلومات الناقصة لديه كثيرة، فهو لا يعرف شيئاً عن الوقت، ولا متى يأتى القطار وإلى أين يتجه.. قال لنفسه.. كان على أن أؤجر من يحمل حقائبى عنى.

عاد إلى مكانه بخفى حنين، تحركت يده على المقعد إلى الألبوم الذى وجده ولم يفتحه .. حرك صفحاته بين يديه بسرعة ثم عاد إلى اليوم الأول.. فى الألبوم يحبو بملامح غير موحية فتساءل.. هل أنا هكذا منذ صغرى.. أذكر أنى نشأت فى أسرة متوسطة الحال.. لم أكن مرغوباً فى البداية.. حملتنى أمى فى وقت متأخر من عمرها فخشى أبى عليها منى، كان ظهورى للحياة مجازفة بحياتها لكنى جئت، وعاشت ..

هبطت إلى الدنيا فاقد التنفس، هل كنت أخشى هواءها، أم أشفق على مشاعر أبى.. حقنة أيقظتنى على صوت صراخى من ألم الحقنة.. ثم أصبحت مصدراً لفرحة بالأسرة، وسط إخوة يكبروننى بأجيال. فى ألبوم الصور أفطم، تنمو أسنانى، أحبو ثم أتكلم. عندما استطعت الوقوف والمشى عبرت عن رأيى فى أختى، أمسكت بالطباشير الملون ورسمت لوالدى ذقناً أثناء نومه ورسمت على الوسادة وجه طفل، عمره من عمرى، مشيت كثيراً حتى وصلت إلى حجرة أخوتى ..

فى صورة أخرى احتضن كراسة الحضانة، أشم كتبى التى استلمتها من المدرسة.. وفى تلك الصورة يعلو سور المدرسة عن رأسى بمتر..

كانت المدرسة هى المكان الأول فى حياتى بعد البيت ، بينما الشارع ممر لى فقط، هو بيت لأقران ملوا اللعب فيه ومنه إلى حوش المدرسة الذى كان بالنسبة لى المهد الذى بدأت فيه أقدامى تعتاد الجرى.. صور الطفولة موردة رغم تفاصيلها الشاردة، وعقد لا تزال تحزم خصرى وتأخذنى إلى الماضى، لا بحنين الذكرى بل بسلطانها..

كبرت حتى تضاعف عمرى فأنهيت الثانوية العامة.. دخلت الجامعة بقامة تخشى قلقة .. لم أكن ممن يعانون عقدة فَرض الآباء اختيارهم لنوع دراسة أبنائهم، ولم أضج بتعليمى الجامعى من أجل توفير النفقة على أشقاء أصغر منى فى التعليم ، ثم تخرجت، وصرت جزءاً من عدد فى مصلحة حكومية، وثانى اثنين فى صورة الزفاف، وحائط به شرخ، ونبتة تنمو منه، ثم يهطل المطر فيداوى الشرخ ويموت الخضار، يبلل القلب برائحة النشوة الضائعة، لقد صار فى البيت زوجة.. عبارة ليست مجانية، قضيت عمراً فى “إنشائها” حتى تحولت “لخبرية”..

تساقطت السنوات الأخيرة من الألبوم كوريقات الشجر الصغيرة، تهبط من طرف العود .. رغم ربيعها جفت قبل الأوان، لم تسقط ، بل تطايرت إلى حيث تحول لموظف بالمنزل، يأخذ راتبه من زوجته، يعطيه لها أول الشهر مع حوافزه ومكافآته مشفوعاً بعرض حال خصومات قام مديره بتوقيعها عليه، وعلى أمثاله من المتمردين الذين تحولت معاركهم العسكرية فى منازلهم إلى حروب باردة.. سنوات متقدة تخفف من لفحتها حتى خمدت وصارت رماداً..

لم تستطع ملامح صور أخرى ملونة أن تخفى ما بدا فى الشعر من شيب.. كان العمر يبرهن على وجوده كل يوم. أيام من الفرح والحزن ، وإنجاب الأطفال، وتغيير التليفزيون ، ومعاشرة الظلام، وإصلاح الصالون، وعمل كشف جديد للنظارة، ثم تركيب رأس من العاج لعكازه ولا مانع من تحديث سماعة الأذن.. رغم رتابة هذه الحياة إلا أن وجهه كان ملئ بالتفاصيل، يستطيع النظر لوجهه فى المرآة فى اليوم مرات عديدة .. حتى بدأ البيت يتخلى عن زحامه. قلت الجلبة مع مشهد الوداع ، وسادت فترة من الصمت يتأمل صورتها.. ارتعشت أنامله حين فرت الدموع من عينيه، لم يكن لها مكان تهوى فيه، فقد ذهب الحضن.. والحصن ..

لم يكن قلبه الذى يدق بل ذاكرة الألبوم .. وقبل أن يطوى الصفحة الأخيرة لاح لعينيه ضوء مخترق، وصوت يدوى كسرينة عربة الموتى. تجمد لحظة ، كان الصوت يقترب، أحس بقوته التى بددت صمت المكان، واخترقت دهشته المتوقفة.. قام إلى أشيائه يلملمها بسرعة .. لكن القطار استمر فى مروره ، دون توقف. فرّ من مكانه جارياً نحوه، تعلق فيه لا يدرى هل أصابه ذلك بجروح أم أنه لا يحس بشئ.. ألقى بنفسه فيه ، يقترب من عالم رحلت إليه الملامح، وخلا من الأشياء..

ــــــــــــ

قاص وروائي مصري

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق