شقة الحرية

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

عبد الرحمن أقريش

لسنوات عاش (الرجراجي) حياة عادية، بل عاش حياة جميلة فعلا، فهو شاب وسيم، متعدد المواهب، يحب كرة القدم، يذهب للسينما، يتودد للفتيات، يدخن، يتذوق المتع الحرام بين الحين والآخر كلما سنحت له الفرصة، يكتب الشعر، صوته جميل، يغني، يجود القرآن، ولكنه تغير فجأة، انقلبت حياته رأسا على عقب، تغير مسارها إلى النقيض تماما.

لا أحد يعرف السبب، ولكنه أوقف مساره الدراسي فجأة، وغادر الثانوية بحجة أن المدرسات متبرجات كاسيات عاريات، وأن الأساتذة، بعض الأساتذة ملاحدة، كفرة وملاعين، ومع مرور الأيام تغير مظهره، فبدا شخصا غريبا، بدا قادما من زمن آخر، لحيته الخفيفة التي نبتت بصعوبة في وجهه الأمرد، شاربه الطفولي، ثم هذه الرائحة الغريبة التي تفوح من كفيه ومن ملابسه المهلهلة…

تدريجيا، تقمص (الرجراجي) دور الشيخ الواعظ، ابتدأ بالحلقة الأضعف في أسرته، أمه وأخواته البنات، أشهر في وجوههن قائمة طويلة بما يجوز وما لا يجوز لهن فعله، الحجاب إلزامي، ممنوع التبرج والماكياج، ممنوع الملابس العصرية، ممنوع التلفزة والمسلسلات، ممنوع الإطلالات من النوافذ، ممنوع الخروج من البيت…

ومع مرور الأيام تحولت حياتهن إلى جحيم، وتحول البيت إلى سجن رهيب بفعل الرقابة، والمضايقات، والتجسس على تفاصيل حياتهن الحميمية، ولكن القرار الخطير، والقطرة التي أفاضت الكأس، كانت هي محاولته منع البنات من مواصلة الدراسة.

هنا وقف له والده (الحاج بوحميد) بالمرصاد.

–    شوف يا بني، الجميع في هذا البيت مسلمون، نحن لسنا يهودا ولا نصارى لتدخلنا في دينك الجديد، أنا لست مولعا بالكتب مثلك، ولكنني أفهم أمور الحياة كما يجب، ربما لست مسلما مثاليا في نظرك، ولكنني أرفض وصايتك على أمك وعلى البنات…هن أسرتي ومسؤوليتي أنا، وأنت عندما تتزوج، ويكون لك بنات وأولاد إن شاء الله، فلك أن تحدد حياتك وحياتهم بالطريقة التي تعجبك…ولك أن تصحبهم معك إلى السعودية، أو اليمن، أو الصومال، أو أفغانستان، أو أي بقعة أخرى فأرض الله واسعة…

كان موقف الرجل قويا وحاسما.

غادر (الرجراجي) بعده بيت العائلة لأول مرة، كان يغادره ويعود إليه في كل مرة، ولكن الروابط العاطفية بينه وبين أسرته كانت تضمحل تدريجيا، أما علاقته بوالده فتدهورت تماما، وانتهت بعد الصدام والصمم إلى القطيعة.

عندما غادر (الرجراجي) بيت العائلة للمرة الثانية، استقبله الشباب في (شقة الحرية) بحي (البواب) لبضعة أسابيع، ريثما يتدبر أموره ويستقر على حال، فهو في النهاية ابن الحي، وأحد أصدقاء الطفولة، وكان واضحا أن الأمر لن يدوم طويلا، فالشباب يعيشون حياة مختلفة، وعالمهم يختلف تماما عن العالم الذي خلقه وحبس نفسه بداخله.

يهيئ (سي حميد) طقوس قهوة المساء، في الباحة الصغيرة للبيت.

يجلس (المامون) على أريكة بلاستيكية، يوجه آلة التحكم صوب التلفزيون ويقلب القنوات بدون اهتمام، وفي كل مرة يوجه شتيمة غاضبة إلى جهة مجهولة، أخبار، رياضة، برامج دينية، مسلسلات…

ثم، يتوقف أخيرا عن فقرة متنوعة تتحدث نجاح عملية جراحية فريدة.

في ضيعة فلاحية عصرية ولدت عنزة بدون فتحة المهبل، وقام الطبيب البيطري باللازم في مصحة بيطرية خاصة، وقف الطبيب البيطري والفلاح يشرحان تفاصيل الحالة بعبارات يمتزج فيها الإعجاب بقدرة العلم على إصلاح عيوب الطبيعة بفكرة الخلق والتسليم الديني.

الطبيب:

–   هذه حالة من الطفرات الوراثية النادرة التي ترد على المصحة، حالة نادرة ولكنها تتكرر إحصائيا بانتظام، والعملية التي أنجزها الفريق البيطري هي الأولى من نوعها في المغرب وأفريقيا…و…

يقف الفلاح بجلبابه المغربي الفضفاض، جسم ممتلئ، وجه مورد بحمرة الصحة والنضارة، تبدو عليه علامات النعمة والاطمئنان.

–        سبحان الله، يخلق الله ما يشاء، ولله في خلقه شؤون…والطبيب ديالنا تبارك الله عليه، دار اللازم…

يتذكر (المامون) تلك الحكاية الحزينة التي ظلت تتردد في القرية لسنوات.

طفل رضيع، ولد بدون فتحة الشرج، وقفت نساء القرية حائرات وعاجزات، حاولن طبعا البحث عن مخرج يصلح الخطأ الذي اقترفته الطبيعة، إبر، سكاكين، جراحة بدائية، مات الطفل بعدها بيوم أو يومين.

يتذكر (المامون) بكثير من الحزن والغضب مئات الحكايات التي تتكرر كل يوم في مستشفيات ومصحات البلد.

تدشن المستشفيات، تحضر الكاميرات والإعلام العمومي، ويجبر الناس على الحضور والتصفيق، تنقل الوقائع مباشرة كحدث تاريخي، أطباء، تصريحات، كلام كثير عن الخدمات الاجتماعية وحق المواطن في الصحة، تخصصات، أدوية، تجهيزات حديثة، وبعد يوم أو يومين تختفي التجهيزات، تختفي الأشجار المثمرة ومظاهر الزينة والاحتفال، يغلق المستشفى أبوابه، ويعود الأطباء إلى عياداتهم ومصحاتهم الخاصة.

وينتهي كل شيء.

يستحضر (المامون) تركيبة السعادة كما يتصورها المغاربة.

لكي تكون سعيدا في المغرب ينبغي أن تتمتع بصحة جيدة، يجب ألا تمرض، ألا تذهب للمستشفيات، عليك أن تعمل جاهدا كي لا تلج قدمك ردهات المحاكم ومخافر الشرطة، فالمستشفيات مقابر مفتوحة، أما المحاكم ومخافر الشرطة فتلك حكايات حزينة تجعل حياتك تعيسة وعمرك قصيرا ومختصرا!!

لأسباب صحية، تخلى (سي حميد) عن الكثير من عاداته السيئة، الخمرة، والسجائر، ولكنه احتفظ لنفسه بحب السهر وليالي السمر، والقهوة المرة كنوع من الإدمان الاختياري.

توقف (المامون) عند قناة أجنبية تبث عروضا للأزياء والموضة، يعبث بسيجارته وينتظر فنجانه، يطل عليه (سي حميد) من نافذة المطبخ، يبتسم، يخاطبه ممازحا.

–        بالصحة، ها أنتذا تستمتع…

في إشارة إلى حب (المامون) لعروض الأزياء والموضة.

رشف (المامون) رشفة خفيفة من فنجانه، كان يهم بإشعال سيجارته عندما انفتح الباب فجأة في حركة قوية، واندفعت الفتيات إلى الداخل، اندفعن ضاحكات، فرحات، ومنفلتات.

–        ها حنا جينا، لا تقولوا ما جينا…بغينا حقنا من القهوة والموسيقى…

كانت تلك الأمسية آخر مرة نرى فيها (الرجرجي)، طبعا، كان بإمكانه أن ينسحب بهدوء، ولكنه لسبب ما، فضل أن يتقمص دوره حتى النهاية، دور الشاب التقي الورع، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر.

خرج من الغرفة، وقف وسط الباحة الصغيرة للشقة، وقف جامدا للحظات، ينظر بغضب، بدا منفعلا، ينقل بصره بين عروض الأزياء في التلفزيون، وبين (المامون) وهو يستقبل الفتيات بالأحضان والقبلات.

رفع سبابته ملوحا، مهددا، ثم راح يلقي خطبته.

–   أعوذ بالله، هذا أمر منكر وحرام، سجائر، خمرة، بنات واختلاط، والنصرانيات عرايا في التلفزيون…أين العفة؟ أين الحشمة؟ أين الدين؟ أين الخوف من الله؟

تحصن (المامون) بالصمت كعادته عندما يجد نفسه في موقف حرج، وقفت البنات مصدومات، خائفات يرقبن الموقف، ينظر إليه (سي حميد)، يتأمله، انتظره حتى أنهى خطبته، فكر أن يقول شيئا، ولكنه في الأخير تراجع، كضم غيظه ولاذ هو أيضا بالصمت.

ثم يحدث ما لم يكن منتظرا.

وقفت (ماجدة) أمام (الرجراجي) بالمرصاد، نظرت إليه بقوة، وخاطبته بهدوء.

–   شوف أخي، نحن أصدقاء، ونعرف بعضنا من زمان، والشباب هنا عاملوك بالحسنى، وبكثير من الاحترام، فلا أحد هنا منعك من الصلاة، أو أجبرك على أمر لا ترتضيه، ولكنك بالمقابل لست وصيا على الناس، أنت لا تستطيع منعهم من اصطحاب البنات ومشاهدة التلفزيون…إنه أمر غير معقول، لذلك أرجوك، تصرف بحكمة وانسحب…

أصيب (الرجراجي) في مقتل، ظل صامتا، بدا عاجزا، بدا بئيسا ومهزوما.

آنذاك، استجمعت (ماجدة) شجاعتها، تغيرت ملامحها فبدت قاسية وحاسمة، وقبل أن يغادر استمهلته، استوقفته بحركة من سبابتها، وعندها أتممت كلامها، وأرسلت رسالتها الأخيرة.

–   أنت شاب طيب، خذ مني نصيحة، إرحم نفسك…أنت تكره الجميع، تكره ذاتك، وتكره الحياة…تعلم الحب، حاول، فبدون حب، لن تجد السعادة ولو صليت ألف عام!!

مقالات من نفس القسم