شتاء العام الأول ..

شتاء العام الأول ..
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

القلق الذي يتضخم، مثل وحش أخضر مستدير في فيلم كرتون بأسنان حادة ولا يشبه " كورتي البعبع " في فيلم شركة المخوفين المحدودة

 

ذلك الوحش / القلق هو ما أواجهه تماما في اللحظة التي تغيب فيها عني تلك الصغيرة ، إذا غابت في النوم لأكثر من ساعتين أو تأخرت عشر دقائق في موعد العودة من الحضانة ، يأكل القلق قلبي ، والشوق لابتسامتها ، وأصبعها الصغير الذي تدسه في فمي عنوة ، وقدمها التي تفرك بها فوق جسدي ، وكفها التي تعلمت أن تفرده وتضمه دلالة على أنها تريدك أن تقترب منها ، أو تمنحها قطعة من البسكوت ، يمكنني أن أكتب ألف شيء يجول في خاطري الآن وافتقده لحظة أن تنام ، ولحظة أن افتح صفحة بيضاء لأكتب جزءا جديدا في روايتي ، ولحظة أن أتلهي عنها بالمطبخ أو التليفزيون أو العمل .

القلق الذي يفسد عليّ مواعيدي مع الأصدقاء ، والأنشطة الأخرى لأني أفكر فيها في كل لحظات الغياب تلك .

طوال هذا العام ، عامها الأول ، كان الفعل الأكثر إبهارا وجمالا ومتعة لديّ هو أن أتفحصها وأتفرج عليها ، اكتشفها كأنها الطفلة الأولى النادرة الوحيدة في هذا الكون ، ألمس جبهتها وألف بيدي جسدها الصغير لأتأكد أن تلك القطعة من السماء هي سحابتي الصغيرة ، التي ستكبر لتظلل كل أيامي ، وتحجب الوحشة والحزن الذي طالما نخر في روحي وأوجعني .

عامي الأول في الأمومة ، وتكشف روح أمي المختبئة في مسافة قريبة جدا من نبض قلبي ، تتلبسني طوال الوقت روحها ، نبرة صوتها ، دفء حضنها الذي اشتقته وافتقده طوال عشر سنوات ، تمنحه لي ” يسر في لحظة تساوى كل سنوات الفقد .. 

تعود روح عيد الميلاد المجيد ، وبرودة وقسوة الشتاء ، وذكري رحيلك ليلة رأس السنة وارتباك الحزن وأنوار شجرة العيد ، وذكرى زواجي الثالثة ، والعيد الأول لطفلتي ، وخمسة شهور على رحيل ” سارة ” التي أوجعني فراقها، حتى أنها انضمت لقافلة الأحياء الواقفين في الجانب الآخر، في المنتصف يمر جدول مائي ملون بالبالونات و الحلوى ، في ناحيتي أقف وأحدق في الناحية الأخرى وألمح الغائبين الذين ألوح لهم طوال الوقت ، ويبتسمون لي وينظرون طويلا قبل أن يلوحوا ويقولون لي وداعا .

تقول زينب بطلة روايتي أن الضفة الأخرى امتلأت بالأحباب ، الأمر الذي يغري أكثر بالعبور لهناك، وأفكر في كل الأنس والبهجة التي تساويها لحظة الانضمام لهم .

 الشتاء الذي يفسد عليّ كل المتع ، ولا يبقى سوى هلاوس بشأن الفقد والبرودة ، التي تجمد مشاعري وأفكاري ، فأشعر ببرودة العالم كله تحت جلدي ، وأشعر كمشردة ، تنام على رصيف بارد ، مبللة بماء المطر الرومانسي اللعين ، الذي يحب نصف من اعرف رائحته ، والتجول تحته وهم يصفرون بأغنيات لها في قلوبهم ذكريات الحب .

الشتاء الذي جاهدت لأحبه ، لأني تركت فيه سرا صغيرا ، وورقة مطوية بأمنية قديمة ، ما عادت تصلح في هذا العالم .

الحزن الذي ينهش قلبي، ويعيقني عن الابتسام ، صعوبة فتح حوارات مع البشر، تلك المشكلة التي لم تكن تؤرقني أبدا في أي فترة من حياتي ، ذلك الجهد الكبير الذي احتاجه لإجراء اتصال هاتفيا، الصمت الذي صار محببا وقريبا .. الكتابة التي تعذبني قبل أن تهديني قميصا ناعما من الكتان اختفى داخله من كل ما يغضبني ، قبل أن تمزقه أظافر الوحش الذي يشبه ” فريدي” في سلسلة الأفلام الساذجة والكريهة تلك .

الأحلام الرمادية، التي تجعلني أتنفس بصعوبة، فينتبه محمد قبل أن يدخل صوته وسط الكادر، وهو يوقظني، يسألني تحلمي بكابوس، ابتسم وأهز رأسي.

الأحلام التي تغيب ألوانها، تبدو شاحبة  وكئيبة بما يكفي لإزعاجي، البحر الذي يختصره الحلم فجأة في حجرة بجدران، وظلام دامس، وحفر عميقة تجعل الأرض بعيدة، وتصدر خيار الغرق والموت.

الرجل  الذي أغرته نعومة القماش، فتذكر حلمًا قديمًا أن يولد بنت، وأن يكون ” ليلي” في ذلك الفيلم الذي أتكأ على قلبي .

فأفهم الآن مدى صعوبة البحث تحت الجلد، والنبش في الروح لتحديد الهوية .. السؤال الذي يصعد كثيرا للسطح ، وأنا المح في المرآة كل تلك الذكريات والمخاوف تعبر أمامي .

اليأس الكبير، والتيه الذي يبدو بلا نهاية، أوراق الكتابة، وزحام وسخافة مواقع التواصل الاجتماعي، والصغيرة التي تتعلم المشي ،بينما أراقبها عن كثب

 وأحاول أن أتكئ عليها وأمضي.

مقالات من نفس القسم